فكر “ابن خلدون” في العصبية والعروبة

عامر عيد

 

فكر “ابن خلدون” في العصبية والعروبة

الطالب : عامر عيد عامر عيد

إشراف : الدكتور أحمد التهامى عبدالحى

يقول أ. د. عبدالحليم عويس ” لم تحتَلَّ مشكلةٌ من مشكلات الفكر الخلدوني بخاصة، والفكر التاريخي الإسلامي بعامة، المكانةَ التي احتلتْها نظرية ابن خلدون في العصبية، ودورها في قيام الدول وسقوطها.

وحول هذه المشكلة (العصبية والدولة) قدَّم الدكتور “محمد عابد الجابري” أطروحته في الفلسفة، وأمضى عشر سنوات في البحث، ساعيًا للوصول إلى “معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي”، ومع أنه بذل جهدًا علميًّا ضخمًا، إلا أن عمله الكبير لم يخلُ من بعض الاستنتاجات الخاطئة، وإن كنا نعترف بأنه أقرب إلى الموضوعية والعملية – كما يقول د. عويس ، من أمثال: “عبدالله العروي”، وعلي أومليل، وساطع الحصري، ومهدي عامل، ونور الدين حقيقي، وغيرهم، فضلاً عن الدكتور طه حسين الذي لم يتوافر لدراسته عن “فلسفة ابن خلدون الاجتماعية” الحدُّ الأدنى من شروط المنهج العلمي.

والفرق بين ما كتبه الجابري وهذه الدراسات، يشبه الفرق بين العمل العلمي الأكاديمي، والأعمال التي لا يحكمها المنهج – كما يقول عبدالحليم عويس – ؛ وإنما توجِّهها أيديولوجياتٌ مسبقة، تسعى إلى قهر النص وتوجيهه وجهةً تأويلية لحساب عقيدةِ كاتبِها.

المحرك التاريخى للمجتمعات

يرى ابن خلدون أن العصبية هي المحرك للتاريخ الاجتماعي للمجتمعات ، وهي وراء عملية التغير الاجتماعي بشكل عام ، منطلقا في تفكيره من مبدأ العلاقات الجدلية بين العمران البدوي والعمران الحضري ، مفسرا نشأة الدول وانحلالها بناء على آلية العصبية ، فهي التي تؤدي إلى الملك ، وهي نفسها التي تؤدي إلى زواله ، ونعتقد أن نظريته هذه لا تقل في الأهمية عن اكتشافه لعلم العمران البشري والاجتماع الإنساني (علم الاجتماع).

وهو يرى أن العصبية ظاهرة اجتماعية ملتحمة بالعمران البدوي على الخصوص ، وتظهر بشكل أقل حدة في العمران الحضري ، وهي تحمل معنى وظيفيا ، نظرا لما يترتب عليها من آثار في قيام الدول وانهيارها في العمران الحضري ، وتنظيم حياة الأفراد في العمران البدوي ، وهي الوعاء الذي يحفظ حياة المجتمع الإنساني وأساس بقائه وصيرورته ، أي إن لها وظائف اجتماعية وسياسية مهمة في المجتمع بدويا كان أم حضريا.

ولا شك أن نظرة ابن خلدون للعصبية ووظيفتها الاجتماعية والسياسية ، كانت مشتقة من بيئته الخاصة ، وهي بيئة كانت الصلة فيها قوية بين الحياة البدوية بمجتمعاتها القبلي من جهة ، والحياة الحضرية بمجتمعها السياسي من جهة أخرى ، وكان التأثير قويا ومستمرا بينهما ، إلا أن طابع الحياة القبلية غالبا كان هو المسيطر ، حيث كانت الدول تقوم وتنهار من جراء تآلب القبائل أو تشتتها.

والعصبية أو العصبة التي يقصدها ابن خلدون لا تعني مطلق الجماعة وإنما الأفراد الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو رابطة الحلف أو الولاء بالإضافة إلى شرط الملازمة بينهم من أجل أن يتم التفاعل الاجتماعي ، وتبقى مستمرة ومتفرعة بوجود هؤلاء الأفراد واستمرار تناسلهم ، فينشأ بين أفرادها شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داع للتعصب ، ويشعر الفرد بأنه جزء لا يتجزأ من أهل عصبته ، وفي هذه الحالة يفقد شخصيته الفردية بحيث تذوب في شخصية الجماعة ، وهو شعور جماعي مشترك لدى أفراد العصبة فهو ذو صبغة جمعية أساسية بين الفرد والمجموعة ، وليس بين فرد وآخر فقط ، وفي حال تعرض العصبة إلى عدوان فيظهر في هذه الحالة “الوعي” بالعصبية ، وهذا ” الوعي العصبي ” هو الذي يشد أفراد العصبة إلى بعضهم وهو ما يسميه ابن خلدون ” بالعصبية ” التي بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه .

 

ومن خلال عدد من التساؤلات يقِيم الجابري دراسته الكبرى حول نظرية العصبية عند ابن خلدون:

لماذا تتحول العصبية من مجرد رابطة سيكولوجية اجتماعية إلى قوة للمواجهة والمطالبة، ومن ثم تأسيس الملك والدولة؟ لماذا تضعف العصبية بمجرد بلوغها غايتها من المُلك، والشروع في جني ثمراته؟ لماذا تفسُدُ العصبية بالترف والنعيم؟ لماذا تسقط الدولة بفساد عصبيتها؛ لتقوم عصبية جديدة بتأسيس دولة جديدة؟ ثم لماذا كانت الحضارة “غاية للعمران، ونهاية لعمره، مؤذِنة بفساده”؟ وأخيرًا لماذا كانت حركة التاريخ الإسلامي حركةَ انتقال من البداوة إلى الحضارة، حركة تسير لا على خط مستقيم؛ بل على شكل دَوْرة؟.

وهذه النظرية الخلدونية التي يدير عليها الجابري بحثَه الكبير من خلال هذه التساؤلات – ترتبط بها – من وجهة نظرنا – قضيتان، هما مناط عنايتنا في هذا المقام:

أولاهما: صلة الإسلام بهذه العصبية.

ثانيهما: موقف الفكر الخلدوني من العنصر العربي.

ليست العصبية الخلدونية مرحلة واحدة تقف عند النسب والمصاهرة والدم؛ وإنما كانت هذه المرحلة هي الأساس – على الأقل – في مستوى البدو الذين كانوا موضوع البحث الاجتماعي والحضاري عند ابن خلدون، إن هذه العصبيةَ القائمة على الرحِم القريب في أقوى حالاتها الخاصة، والبعيد في حالاتها العامة – تتطور لتتجاوز النسب، وتصبح التحامل الحاصل بسببه؛ حيث تفقد العصبية معناها النسبيَّ بعد أربعة أجيال، فتصبح الجماعة العينة – أو العصبية – أقرب إلى الجماعة التي جمعها العيش لفترات في مكان معين، وارتبطت مصالحُها المشتركة؛ بحيث وجب عليهم أن يكونوا “قوة للمواجهة” في وجه التحديات.

وفي مجتمع البادية تبرز عصبية المستوى الأول (الخاص)، وفي مجتمعات العمران أو الحضارة يبرز المستوى العام؛ فعصبية البادية قابلةٌ للتطور مع الانفتاح على العمران، والمجتمع المتحضر تظهر فيه آفاقٌ جديدة للتعاون والتكافل، والدينُ أو الدعوة الدينية، سواء أكانت نبوة؛ كما وقع على يد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أم دعوة إصلاحية؛ كما رأينا في العصر الحديث على يد محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – تصبح الأكثر تفوقًا على العصبية في المستوى الأول؛ فهي الأقدر على جمع القلوب وتأليفها: ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ [الأنفال: 63]، وهكذا كما يقول ابن خلدون: فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، ويُذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخُذهم بمحمودها، ويؤلِّف كلمتَهم لإظهار الحق، تم اجتماعُهم، وحصل لهم التغلبُ والملك، بل يسرع ابن خلدون في عبور هذه المرحلة البدوية إلى مرحلة العصبية الدينية الجامعة، فيرى أن وحدة الدين تزيد العصبيةَ بالنسب قوة، وتصبح قادرة على إحداث انقلاب في الأوضاع، يتجلَّى في تحوُّل هؤلاء الرعاة الحفاة الموغلين في الفيافي والقفار إلى بُناةِ حضارة، ومشيِّدي عُمران، ومؤسسي ممالك ودُول

بل إن ابن خلدون يكاد ينفصل عن عصبية النسب والدم إلا في مستواه البدوي، حين يقرر أنَّ ما من دولة كبيرة إلا وأصلها الدِّين (إما بالنبوة أو دعوة حق) ؛ فالدعوة الدينية تزيد الدولةَ في أصلها قوةً على قوة العصبية؛ بسبب أن الصِّبغة الدينية تَذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتُفرِد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصارُ في أمرهم، لم يقف شيءٌ لهم؛ لأن الوجهة واحدة، والمطلوب متساوٍ عندهم، وهم مستميتون عليه؛ فالعلاقة بين العصبية والدين علاقة تآزُر وتكامل، وبالدين وحده تتطور هذه العصبية – التي تشكل مؤقتًا ومرحليًّا بُوتقة التحام وانصهار – إلى مشروع حضاري تذوب فيه العصبية، وترتفع فيه الأخوة الإسلامية التي تجعل “سلمان منا أهل البيت”، “وأبو بكر سيدُنا وأعتق سيدَنا”؛ أي: بلالاً الحبشيَّ – رضي الله عنهم.

ويقول د . عبدالحليم عويس “ومن الطريف أن الدكتور “محمد عابد الجابري” كاد يقترب من هذه الحقائق، بينما نجد بعض أساتذة الفكر الإسلامي المخلصين له، يأخذون على ابن خلدون رأيه في العصبية، دون أن يُبصِروا مساحةَ هيمنة الدين على العصبية، الهيمنة شبة الكاملة عنده، إن رأيَ ابن خلدون – كما استخلصه الجابري – يتلخَّص في أن قوة العصبية مستمدة أساسًا من (الالتحام)، الذي هو ثمرة النسب، فإذا أضيف إلى هذا الالتحامِ الاجتماعي التحامٌ آخرُ روحيٌّ، كانت العصبية من القوة بحيث لا يقف أمامها شيء”.

ويتألق المعنى الإسلامي للعصبية حين يتحدث ابن خلدون عن جماعات الإصلاح أو التغيير أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين لا يملكون قوة حقيقية للتغيير، فيدمرون أنفسهم، ويُسِيئون إلى الإسلام، فكأن العصبية إذًا تقوم على أي قوة قادرة على التغيير، وليس على العصبية القَبَلية والقومية.

فابن خلدون يرى أن تغيير الأوضاع الفاسدة لا يتأتى مطلقًا بمجرد الدعوة إلى أوضاع أحسن، بل لا بد من قوة مادية تنصر هذه الدعوة، والقوةُ المطلوبة هنا – وفي كل حالة مماثلة – هي العصبية؛ ولذلك نجده ندَّد – بقوة – بدُعاة الإصلاح، الذين بسبب جهلهم للطبائع ولأهميةِ العصبية على العموم – يكلِّفون أنفسَهم وأتباعهم من العامة ما فوق طاقتهم، ولا يحققون شيئًا سوى إثارة الفوضى، ونشر الاضطراب، يقول ابن خلدون في هؤلاء المتهورين أو المتطرفين: “ثم اقتدى بهذا العمل بعدُ كثيرٌ من الموسوسين، يأخذون أنفسهم بإقامة الحق، ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية، ولا يشعرون بمغبة أمرهم، ومآل أحوالهم، والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء، إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجًا، وإما إذاعة السخرية منهم وعدُّهم من جملة الصفاعين”؛ أي: الكذابين.

فهي القوة الجماعية التي تمنح القدرة على المواجهة والمطالبة ، ومن أهم ميزات هذه الرابطة ” العصبية ” أنها ليست علاقة محصورة بين فرد وآخر داخل العصبة ، وإنما هي رابطة بين الفرد والمجموعة في وحدة متكاملة ، فالفرد حينما يتعصب لعصبته فإنما يتعصب لنفسه ، وكذلك العصبة حينما تناصر أحد أفرادها فإنما هي في الحقيقة تناصر نفسها ، أي أن هناك تضامنا متبادلا بين الفرد وعصبته في الداخل والخارج ، فيكون مجال التواصل بين الفرد وغيره محدودا بحدود عصبته. فهي تمارس ضغطا على الأفراد من أجل الخضوع لها ، فهي بهذا تضمن التماسك بين أعضائها ، وفي هذا سر قوتها ، بالإضافة إلى أن التضامن المتبادل بين الفرد ومجموعته لا يسمح بقيام فوارق أو درجات للاستغلال داخل العصبة بين الأفراد ، وإنما قد يكون الامتياز الوحيد الذي يحظى به الفرد داخل العصبة ، هو ذلك الاعتبار في كونه قد قدم خدمات لصالح العصبة مجتمعة ، بمعنى أن الامتياز يرتبط في درجته بقدر تقديم خدمة لأهل عصبيته لا بما يحصل عليه الفرد منها ، ومهما يكن الأمر ، فإن الأساس الذي يبنى عليه الاعتبار هو مدى خدمة الفرد للمجموعة لا ما يحققه من منافع لنفسه .

وتتضامن العصبة مع الفرد بقدر تضامنه معها واحترامه لمصالحها ، وإذا تسبب في الضرر لها سرعان ما تنبذه ، فيفقد الحماية والتعاون والتعاضد ، الأمر الذي يضطره إلى أن ينضم إلى عصبة أخرى ، لأنه لا يستطيع العيش في مجتمع قبلي قائم على العصائب ، وهذا ما حدا به إلى القول إن من ضرورات العصبة التلازم بين أفرادها ، وفي إطار المجتمع القبلي فإن الفرد لا يجد حريته ومنعته وقوته إلا داخل العصبة ، فهي الحقل الذي يمارس فيه الفرد نشاطه الاجتماعي ، فضلا عن كونها القوة الجماعية التي تمنح الفرد القدرة على المواجهة.

يرى ابن خلدون أن للعصبية مفهوما سوسيولوجيا متميزا فقد اعتبرها ظاهرة اجتماعية بالإضافة إلى كونها ظاهرة طبيعية في المجتمع الإنساني ملازمة لوجود العصبية ، ملازمة العوارض الذاتية ، أي إن وجود العصبة يستدعي وجود العصبية ، فالعصبية موجودة فيها ” بالقوة ” وتصبح موجودة ” بالفعل ” حين وقوع عدوان على أهل العصبة ، ووظيفة العصبية يلخصها ابن خلدون من الناحية العامة بجملة ذات دلالة مهمة قائلا : ” إن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه ” .

ويرى ابن خلدون أن وظيفة العصبية تنشأ في مبدأين أساسيين :

المبدأ الأول : ضرورة التجمع الإنساني ، أي ضرورة أن يعيش الأفراد داخل مجتمع انطلاقا من شعور كل فرد بضرورة تعاونه مع الآخرين من بني جنسه من أجل قضاء الحاجات الضرورية لبقائه ، لأنه عاجز واقعيا عن القيام بقضاء كل حاجاته منفردا ، وقد قال بهذه الضرورة مفكرون عديدون قبل ابن خلدون منهم الغزالي والفارابي ، وأرسطو على سبيل المثال ، وقد أقر ابن خلدون بذلك معتبرا العصبية ظاهرة طبيعية من ظواهر الاجتماع الإنساني .

المبدأ الثاني : ضرورة وجود الوازع لأن الشر أو العدوان أمر طبيعي متأصل في النفس البشرية ، باعتبار الإنسان مجبولا على الخير والشر معا ، على التعاون والعدوان ، فقيام الحياة الاجتماعية يتطلب ضرورة وجود وازع ، والوازع عند ابن خلدون هو الحاكم وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم ، بمعنى وجود سلطة تحفظ للمجتمع تماسكه وتعمل على تقوية التعاون بين أفراده وكبح عدوان بعضهم على بعض ، ويقول ابن خلدون ” واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم ، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم”.

ويرى ابن خلدون أن الوظائف الاجتماعية للعصبية هي:

1- تؤدي إلى تنظيم علاقات القبيلة في الداخل والخارج ، أي بين أفراد القبيلة الواحدة من جهة ، وبين أفراد القبيلة والقبائل الأخرى من جهة ثانية ، أي أنها تكون الإطار التنظيمي لأهل العصبيات ، فتتأطر بموجبها العلاقات الاجتماعية كافة .

2- تؤدي العصبية إلى التعاون بين أهل العصبية الواحدة من جهة ، وأهل العصبيات المتحالفة من جهة أخرى ، ويبدو ذلك في دفع العدوان ، أو القيام به ، من أجل تحقيق مصلحة مشتركة ، أي أنها الوسيلة الوحيدة لهذا التعاون ، لعدم توافر أية وسيلة أخرى في ظل الأوضاع السائدة في المجتمع القبلي .

3- تؤدي إلى حفظ كيان القبيلة ، أي كيان المجتمع القبلي بالمحافظة على بنائه الاجتماعي من خلال التضامن ، والتكتل ، ومجابهة الصراع الذي هو صراع وجود ، نظرا لقساوة الظروف الطبيعية ، وضآلة الإنتاج ، فيصبح الصراع أمرا طبيعيا من أجل حفظ كيان القبيلة من الانقراض والذوبان ، أي أنها تحفظ استقلالية المجتمع القبلي في نهاية الأمر.

4- تحافظ العصبية على شجرة النسب من خلال التلاحم العصبي الذي يكون أقوى في النسب القريب منه في النسب البعيد ، رغم تأكيد ابن خلدون على أن النسب أمر “وهمي” لكنه مع ذلك يعتبر حقيقة واقعة في المجتمع القبلي.

5- تقوم العصبية باعتبارها أساس التطور الاجتماعي بتدعيم المساواة بين أفرادها في الحقوق والواجبات ، وإلغاء التمايز الطبقي من حيث المبدأ العام ، وإن وجد تمايز في المكان الاجتماعية ، إنما يعود ذلك لما يقدمه الفرد نحو أهله أكثر من غيره ، فهي تدعم ” الغيرية ” على حساب ” الذاتية ” أي ذوبان الأنا في سبيل الأناء العصبي . وبموجبها يتأطر سلم القيم من شجاعة ، وكرم ، وخلال حميدة ، أي أنها تسير أخلاق المجتمع القبلي في نهاية الأمر ، وتكون ناجحة إذا عملت على إحلال العلاقات التعاونية والتضامنية محل العلاقات التنافسية بين أهل العصبية.

ـ يرى ابن خلدون أن للعصبية وظيفة سياسية ، وهي الوصول إلى الملك والاحتفاظ به ، أي بناء الدولة ، وهي وظيفة تلتقي اليوم مع وظيفة الأحزاب السياسية التي جوهر عملها وهدفها الوصول إلى السلطة ، ويقرر ابن خلدون ” أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك ” مبينا سبب ذلك ” أن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع يحكم بعضهم عن بعض ، فلابد أن يكون متغلبا عليهم بتلك العصبية ، فالتغلب الملكي غاية العصبية .

ويرى أن وظيفة العصبية تتمثل في صد العدوان ، لأن الطبيعة الإنسانية تنزع إلى العدوان بالفطرة لذا كان لابد من وازع أي حاكم ، ولا شك أن مسألة الوازع قد أولاها ابن خلدون اهتماما كبيرا ، انطلاقا من نظريته المتكاملة عن العصبية ، إذ ينظر إلى الوازع نظرة ثنائية انسجاما مع تقسيمه للعمران البشري إلى نوعين : العمران البدوي ، والعمران الحضري ، ولكل منهما وازع خاص لصد العدوان ، فهو يرى أن أحياء البدو معرضة إلى نوعين من العدوان :

  1. العدوان الداخلي : ومصدره من داخل القبيلة ، أي اعتداء أفرادها على بعضهم ، فالوازع لهذا العدوان يكون من قبل أكابرهم ومشايخهم ، لما لهم من الوقار والاحترام عند قومهم ، وهذا نابع من مكانتهم المميزة لدى قومهم.
  2. العدوان الخارجي : ومصدره من خارج القبيلة كالغزو أو ما في معناه ، فالوازع لهذا العدوان يكون من قبل شجعان القبيلة ، وأما حللهم فيذود عنها حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة.

أي أن السلطة ـ الحكم ـ لا يكون إلا بالعصبية ، غير أن ابن خلدون يوضح بأن السلطة لا تكون إلا للعصبية القوية من أجل التغلب على العصائب الأخرى لكي تلتحم معها فتشكل في النهاية عصبية واحدة كبرى ـ عصبية مركبة ـ وإذا لم تتوافر لها مثل هذه القوة القاهرة ، فإنها لن تصل إلى السلطة ” فلا بد من عصبية تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها ، وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى ، وإلا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع.

ويرى ابن خلدون أن العصبية الحاكمة لا تبقى قوية ، وإنما تنتهي ، وتقوم على أنقاضها عصبية أخرى قوية ، وهذه بدورها تضعف وتقوم مقامها أخرى وهكذا دواليك ، أي أن العصبية لا تبقى على قوتها الأولى ، وإنما يعتريها الوهن الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الدولة ، وبزوالها تزول الدولة .

ويعلل ابن خلدون ضعف الدولة ثم زوالها بضعف عصبيتها ـ أي العصبية الحاكمة ـ وذلك باستبعاد أهل العصبية والانفراد بالمجد والانغماس في الترف والنعيم مما يؤذن بزوالها ، ويقرر ذلك ” فلا يزال الملك ملجأ في الأمة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها ” .

ومع أن الدكتور مصطفى الشكعة يندهش كثيرًا مما ذهب إليه ابن خلدون في شأن ارتباط إتمام الدعوة الدينية بالعصبية، وأن هذه الدعوة من غير عصبية لا تتم، إلا أنه يعود ويذكُر أن ابن خلدون ينقُض ما ذهب إليه في شأن العصبية؛ حيث يفرد فصلاً عنوانه: (الدول العامةُ الاستيلاءِ، العظيمةُ المُلكِ، أصلُها: الدين) ، مقللاً من شأن العصبية، رافعًا من شأن الدين !

والحقيقة أن العصبية مرحلة خاصة، وظرف حضاري وتاريخي، والدين يكتنفها ويوجِّهها في إطارها الحضاري؛ إطار: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ [الأنفال: 63].

وهكذا نجد أن صلةَ الإسلام بالعصبية في الفكر الخلدوني، إنما هي صلة الرُّوح بالمادة؛ فالدين هو الذي يجعل من هذه (الكائنات القومية) كائناتٍ قابلةً للحضارة والفعالية والإبداع، والخروج من مستوى التحديات المناخية والجغرافية والعدوانية القَبَلية، إلى مستوى المشروع العالمي الرُّوحي والعقلي والخُلُقي والمادي، والذي يقدم حضارة منفتحة لائقة بإنسانية الإنسان، واستخلاف الله للإنسان؛ من أجل تحقيق العمران، وليس في فكر ابن خلدون أي تناقض، بل هو تدرُّج فكري يتناغم مع الظروف والأوضاع، فإذا تركنا موقف الإسلام من العصبية، ومن المنهج الخلدوني على النحو الذي بسطناه، وانتقلنا إلى الإشكالية الثانية، وهي موقف ابن خلدون – أو الفكر الخلدوني من خلال نظرية العصبية – من العنصر العربي؛ وجدنا أنفسنا أمام موقف حادٍّ ثار حوله لغطٌ كبير، واختلفت فيه الآراء اختلافًا جذريًّا، إن القوميين العرب – مثلاً – لن يسمحوا بأن تحتلَّ آراء ابن خلدون في العنصر العربي مكانتها في الوعي الإسلامي والعربي بهذا الشكل الذي قال به ابن خلدون؛ فهم بين خسارتين، كلتاهما فادحة؛ إما خسارة المكانة المتميزة للعنصر العربي بمحض جنسيته العربية بالإسلام أو بدون الإسلام، وإما التضحية بابن خلدون، وهو بالنسبة لهم مفخرة عربية رائعة، لا يجوز التضحية بها، ورَمْيُ صاحبها بالشعوبية ضد العرب، ومن ثم تَرْك آرائه في العرب تتصدر الآراء، فتَحُول دون المد القوميِّ والسيادةِ العربية القائمة على الجدارة الذاتية.

ويرجع أسباب ضعف الدولة التي هي أسباب ضعف العصبية إلى ما يلي :

  1. سعة الملك مع عدم توافر العدد الكافي من أهل العصبية لتسيير دفة الحكم ، الأمر الذي يضعف سيطرة المركز على الأطراف ، فيستعين من أجل ذلك بقوم من خارج أهل عصبته .
  2. التناصر والاختلاف على الحكم بين أهل العصبة ، فيأخذ الحاكم بالانفراد بالمجد ، والتنكر لقومه ، مما يؤدي إلى ضعف عصبيتهم ، لأن العصبية في هذه الحالة لم تحقق شرط قوتها ، وهو المصلحة العامة المشتركة ، والتلازم بين أهل العصبة الواحدة ، مما يؤدي إلى ظهور عصبات مطالبة بالحكم ، مما يحول دون استقرار الدولة .
  3. انغماس الحاكم في الملذات والترف والتبذير ، والركون إلى الدعة من العوامل التي تؤذن بفساد العصبية ، ويقعدها عن تأدية وظيفتها ، حيث يعتقد ابن خلدون أن ذلك ينسيهم حالة ” التوحش ” الذي يعتبره من المقومات الأساسية من أجل انبثاق العصبية القوية.
  4. وجود عصبية مناهضة أقوى من العصبية الحاكمة تقوم بالمطالبة بالملك ، وإلا فإن الضعف قد يطول ، وحين تدخل الدولة في مرحلة الهرم ، تعمل الظروف المصاحبة لهرم الدولة على إيقاظ الوعي العصبي لدى أهل العصبات المضطهدة ، انطلاقا من وعيهم للضغط الاقتصادي الذي يهدد كيانهم ، فتتوحد عصبياتهم في عصبية واحدة ثائرة.

ـ وقد اعتبر ابن خلدون العصبية ضرورة طبيعية لتكوين العمران البشري وبدونها يتعذر قيام هذا العمران لأسباب اجتماعية ـ اقتصادية ، وقد اعتبرها علة التغير الاجتماعي في المجتمع مبينا وظيفتها الاجتماعية في حفظ كيان المجتمع وتماسكه ، وهي الأساس الوحيد لقيام التحالف بين القبائل وتوحدها بالإضافة إلى تدعيم المساواة بين أفرادها مما يفسر لنا عدم نشأة التمايز الطبقي في العمران البدوي.

كما أنها تؤدي إلى نشأة الملك ” الدولة ” وقوته ، ويضعفها الملك ويزول ، فوظيفتها السياسية تنحصر في تحقيق الملك والاحتفاظ به (كالأحزاب السياسية اليوم) بعد أن يتم لها التغلب على العصبيات الأخرى ، ويؤكد ابن خلدون أن المجتمع لا يستقيم إلا بوجود دولة ، وبذلك تكون الدولة ضرورة فرضها واقع المجتمع الإنساني ، وهذه الدولة لن تحصل إلا عن طريق العصبية أي عن طريق القوة وبذلك يكون قد سبق أصحاب نظرية القوة في نشوء الدولة ، وتأكيده على أن الصراع العصبي مقابل الصراع الطبقي عند المادية التاريخية هو المحرك للمجتمعات ، وبذلك يكون قد صاغ نظرية جديدة مفسرة للتغير الاجتماعي ألا وهي نظرية الصراع العصبي ، وقد اعتبر الحضارة نهاية العمران أي نهاية الانفكاك العصبي.

وصف العرب

ومن الجدير بالذكر أن ابن خلدون عندما قدَّم هذه العناوين القاطعة الحاسمة التي ذكرناها، والتي تربط بوضوح كامل بين ازدهار العنصر العربي بالإسلام حين يتمثله فكرًا ومنهجًا، وبين انحطاطه حين يتخلى عنه – لم يكتفِ بتقديم هذه الأحكام المجملة، بل قدم لكل عنوان أو (حكم) أسبابَه وتفسيراته التي تبرره؛ فعندما يصف العرب بأنهم قوم لا يتغلبون إلا على البسطاء، وبأنهم لا يقتحمون معركة أو مجالاً، إلا إذا كان الأمر سهلاً ميسورًا لا يحتاج إلى مكابدة، أو تخطيط أو أساليب دقيقة تحقِّق الغلبة، وعندما يصفهم بهذه الصفة التي تجعلهم أقربَ إلى المنتهزين المغتصبين، يبرِّر ذلك – عن عمد – بطبيعة التوحُّش فيهم؛ وذلك لأنهم أهل انتهاب وعبث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم بالقفز، ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة، إلا إذا دَفَعوا بذلك عن أنفسهم.

وعندما يصف العربَ بأنهم لا يحصل لهم المُلك إلا بصِبغة دينية؛ من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، يعتمد على هذا العنوان الطويل الذي يكاد يحمل حيثياتِهِ معه، في ملاحظة واعية تضبط الحكم ضبطًا علميًّا ودلاليًّا بطريقة كاملة، ومع ذلك فهو لا يكتفي بهذا، بل يقدِّم حيثيات إضافية لحُكمه على العرب: “فطبيعتهم انتهابُ ما في أيدي الناس، وإن رزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينُهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه، فإذا تم اقتدارُهم على ذلك بالتغلب والملك بطَلت السياسةُ في حفظ أموال الناس وحرب العمران”.

وليس الأمر أمر (طبيعتهم) فقط، بل إنهم في المستويين الاجتماعي والسياسي لا يصلُحون بغير دين، وهم “يتنافسون في الرئاسة، وقلَّ أن يسلِّم أحدٌ منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل، وعلى كُرْهٍ من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام؛ فيفسد العمران وينتقض”.

فابن خلدون يجرِّد العرب من إمكانية أي استقلال عن الدين؛ فجذورهم البدوية لا تسمح بذلك، وطبيعتُهم التي اكتسبوها عبر تاريخهم شكَّلتهم تشكيلاً خاصًّا، فإما أن يقودَهم “وحي” أو فكرة دينية، وإما أن يتآكلوا، أو يكونوا تبعًا لدول كبرى محيطة بهم!

وعندما يصور ابن خلدون العربَ بأنهم أبعد الأمم عن صناعة الملك والدولة تأكيدًا لرأيه السابق، يدعم رأيه ذلك بأن العرب نظرًا لخُلُق التوحُّش الذي فيهم أصعبُ الأمم انقيادًا بعضهم لبعض؛ للغِلظة والأَنَفة وبُعْد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية، كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خُلق الكِبر والمنافسة منهم؛ فسهل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من الدين المُذْهِبِ للغلظة والأَنَفة، والوازع عن التحاسد والتنافس.

فالدين هو الذي يوحِّدهم ويجعلهم ينقادون لأمير أو نبي، ويعالج أمراضَهم الأخلاقية العنصرية، ويهذِّب وجدانهم، ويعطيهم الدافع الحضاري لصناعة الملك والامتداد في الأرض.

وعندما يأتيهم الملك، فإنهم – أي: العرب – لا يصلحون أيضًا لقيادته من غير دين، بل سرعان ما يأكل بعضهم بعضًا، ويبيع بعضهم بعضًا للأعداء؛ وذلك لأنهم “أكثر بداوة من سائر الأمم، وأبعد مجالاً في القفر، وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها؛ لاعتيادهم الشظف وخشونةَ العيش، فاستغنوا عن غيرهم؛ فصعُب انقياد بعضهم لبعض؛ لإيلافهم ذلك وللتوحش”.

وتاريخهم – كما يرى ابن خلدون – هو أكبر دليل على ذلك؛ فإن العرب لما ذهب أمرُ الخلافة منهم، انقطع الأمرُ جملة من أيديهم، وغلب عليهم العجم دونهم، وأقاموا في بادية قفارهم لا يعرفون الملك ولا سياسته، بل قد يجهل الكثير منهم أنهم قد كان لهم ملك في القديم.

 

المراجع :

 

[1] مفهوم التاريخ “جزآن” نشر المركز الثقافي العربي، المغرب، 1992م.

[2] الخطاب التاريخي: دراسة لمنهجية ابن خلدون، نشر المركز الثقافي العربي، المغرب، طـ3، 1985م.

[3] دراسات عن مقدمة ابن خلدون، نشر بيروت.

[4] في علمية الفكر الخلدوني، نشر بيروت.

[5] الخلدونية – العلوم الاجتماعية وأساس الفلسفة السياسية، نشر عويدات، بيروت، طـ1، 1983م.

[6] كتبت بالفرنسية، وترجمت للعربية بواسطة محمد عبدالله عنان، نشر دار الكتاب اللبناني، بيروت القاهرة، ضمن الأعمال الكاملة، وقد فند آراءه الساذجة كثيرون، منهم الدكتور: علي عبدالواحد وافي، والدكتور مصطفى الشكعة، وغيرهما.

[7] العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ص 13، طـ3، 1982م، دار الطليعة، بيروت.

[8] محمد عابد الجابري، العصبية والدولة، ص 287.

[9] د. مصطفى الشكعة، الأسس الإسلامية، ص 144، وما بعدها، طبعة 2، 1408هـ، الدار المصرية اللبنانية.

[10] عبقريات ابن خلدون، ص 239، طـ عالم الكتب، القاهرة.

[11] محمد العبدة: البداوة والحضارة، نصوص من مقدمة ابن خلدون، ص 33، 42، المنتدى الإسلامي، لندن، طـ1، 1413هـ.

[12] د. عماد الدين خليل، ابن خلدون إسلاميًّا، ص 106، 107، المكتب الإسلامي، بيروت.

[13] الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، ص 493، طـ2، 1988، عويدات، بيروت.

[14] رضوان إبراهيم: المختار من كتاب مقدمة ابن خلدون، ص 12، طبع وزارة الثقافة والإرشاد القومي، بمصر، طـ1 / 1960م.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *