أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > مكافحة للإرهاب أم تأجيج له؟
إعلان

مكافحة للإرهاب أم تأجيج له؟

فهمي هويدي

من مفارقات مشروع قانون الإرهاب الجديد ان تهديده لغير الإرهابيين أكبر وأن انحيازه للبطش دون العدل أقوى وأظهر.
(1)
محقون الإعلاميون لا ريب، حين فزعوا من المادة 33 التي قررت حبس كل من نشر أخبارا أو بيانات عن العمليات الإرهابية مخالفة للبيانات الرسمية.

ذلك انها كانت مادة فاضحة أساءت إلى الذين وضعوا المشروع أو أقروه بقدر قمعها للعاملين في مجال الإعلام.

وقد انعكس ذلك الفزع على انتفاضة نقابة الصحافيين التي أصرت على إلغائها (خصوصا ان هناك عقوبات أخرى على إشاعة المعلومات الكاذبة)،

كما عبر عنه سيل الكتابات التي استهجنت مضمون المادة، الأمر الذي حول الموضوع إلى قضية شغلت الرأي العام وعبأته ضد فكرة احتكار السلطة للحقيقة.
وإذا كان ذلك شيئاً جيداً، إلا أن اسوأ ما فيه أنه صرف الانتباه عن مواد أخرى كارثية في المشروع، تذرعت بحجة الإرهاب، وأهدرت قيم العدالة والحرية التي هي الأصل والأهم.

يعزز هذا الرأي أنه حين تعرضت مصر في أوائل التسعينيات إلى موجة من العمليات الإرهابية، فإن الآلة التشريعية عمدت إلى تعديل الباب الثاني من الكتاب الثاني في قانون العقوبات، بحيث خصص للجرائم الإرهابية بموجب القانون 97 لسنة 1992.

وفى دراسة حول الموضوع أعدها المستشار سمير حافظ، ذكر أن التعديل «عصف بكل القواعد الجنائية»، حيث تضمن بعض المواد المنقولة من القانون الجنائي الإيطالي الذي وضعه الديكتاتور الفاشي موسوليني في ثلاثينيات القرن الماضي للبطش بمعارضيه،

وأضاف إليها مواد أخرى كان أهمها التوسع في تعريف الإرهاب على نحو فضفاض شمل الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات
وخلال السنوات اللاحقة أجريت تعديلات عدة على الكتاب الثاني من قانون العقوبات بحيث أوفت الموضوع حقه وزيادة، الأمر الذي بدا مستغربا معه ان يعد مشروع جديد لقانون الإرهاب.

ولم يكن لذلك من تفسير سوى ان المقصود به ردع الإرهابيين إنما هو تهديد غير الإرهابيين وتخويفهم.

رجح ذلك الاحتمال ان تعريف العمل الإرهابي في المشروع جاء أوسع من التعريف الأصلي الفضفاض الذي جاء في قانون 1992.

ذلك ان المشروع الجديد أضاف إلى استخدام القوة أو العنف في تعريف الإرهاب مجرد «التهديد أو الترويع» الذي يعد إرهابا إذا أدى إلى الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الأمن القومي، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالموارد الطبيعية.. إلى آخر العناوين التي شملت جميع أنشطة المجال العام ويمكن أن يدرج تحتها أي فعل.

بالتالي فإن أي تظاهرة سلمية من عشرة أشخاص أيا كان تواضع أهدافها يمكن ان تعد من قبيل التهديد أو الترويع لأنها قد تصبح سببا في تعطيل المواصلات أو تهديد الأمن القومي.

ومن ثم تصنف عملا إرهابيا والمشاركون فيها يصبحون إرهابيين، والباقي بعد ذلك معروف.
(2)
لقد تم تجاوز التعريف الكلاسيكي للإرهاب الذي تمثل في انه كل فعل مادي توسل العنف والإكراه لفرض الرأي على الآخرين.

وأصبح مجرد التفكير في شيء من ذلك أو التحضير له جريمة إرهابية حتى إذا تم العدول عن الفكرة ولم تقع الجريمة (المادة 3 من المشروع).

وهو ما يسري أيضا على ما يمكن ان يعد تحريضا بأي وسيلة من الخطابة إلى الكتابة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إذا كان منصبا على البيئة أو تعطيل المواصلات العامة والخاصة، الأمر الذي يحول هذا النوع من التعبير عملا إرهابيا (المادة الرابعة). إلى غير ذلك من النصوص التي ينتهك بعضها الدستور الذي اعتبر التظاهر السلمي حقا مشروعا مثلا، في حين انه عمل إرهابي في المشروع، ناهيك عن ان قانون التظاهر يجرمه.

وهناك مواد أخرى محكوم ببطلانها من المحكمة الدستورية، وهي تلك التي استخدمت في التجريم مصطلحات فضفاضة لتوسيع دائرة الاتهام، أو التي عاقبت على النوايا والشروع الذي لم يترجم إلى فعل مادي.

وهو ما درجت عليه أحكام المحكمة الدستورية العليا في قضايا عدة، أخص بالذكر منها الحكم الذي أصدرته في القضية رقم 114 لسنة 21 قضائية، في شهر يونيو- حزيران عام 2001، وأبطلت فيه المادة 48 من قانون العقوبات استنادا إلى انه

«لا يجوز للمشرع الجنائي أن يعاقب على مجرد الأفكار والنوايا، باعتبار أن أوامر القانون ونواهيه لا تنتهك بالنية وحدها. وإنما بالأفعال التي تصدر عن إرادة آثمة».
وفي حكم آخر اشترطت المحكمة الدستورية على المشرع ضبط النصوص العقابية بما يحدد مقاصده منها بصورة، ينحسم بها كل جدل حول حقيقتها، حتى لا تفقد هذه النصوص وضوحها ويقينها.

وهما مطلبان فيها حتى يعرف المخاطبون بها حدود ما نهاهم المشروع عنه أو أمرهم به. (دستورية عليا في 3/2/1966 وفي 5/7/1997).
مثل هذه الأحكام تعنى بطلان كل ما ورد في المشروع من إشارات بخصوص العمل الإرهابي أو الكيانات الإرهابية، وكونه ينصرف إلى الإخلال بالنظام العام أو الأمن العام أو تعريض سلامة المجتمع للخطر أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو بالبيئة وغير ذلك، الأمر الذي يؤكد ان تلك العناوين اقحمت على القانون ما ليس فيه.
(3)
ان من يقدم على عمل إرهابي حقيقي في مجتمعاتنا كائن يتصور انه يقوم بعملية استشهادية، الأمر الذي يعني انه ذاهب إلى الموت بإرادته، والمتمنطق بالحزام الناسف على رأس هؤلاء.

لذلك فإن تغليظ العقوبة والتوسع في أحكام الإعدام لن يخيفه أو يردعه.

لذلك قلت ان مواد مشروع قانون الإرهاب تهدد غير الإرهابيين.

وهو تحليل إذا صح فإن المخاطب به هو النشطاء السياسيون الذين يعارضون السلطة أو كل من لا ترضى عنه السلطة وان لم يعارضها.
في إطلاق يد السلطة لقمع غير الإرهابيين نصت مواد المشروع على ما يلي:
ـ عدم مساءلة الشرطة عن استخدام القوة بحق المواطن، باعتبار انهم يؤدون واجبهم وقد «يضطرون» إلى ذلك لحماية أنفسهم (المادة السادسة)..

الحكم بالسجن المؤبد أو المشدد على كل من حاول بأساليب عدة بينها «الترويع» تغيير دستور الدولة أو نظامها الجمهوري أو شكل الحكومة (مادة 16)

والترويع هنا يمكن ان ينطبق على التظاهرات التي تطالب بإحداث أي تغيير حتى إذا طال الحكومة.
ــ السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات لكل من تعامل مع شبكة الاتصالات والمعلومات الدولية واستخدامها لبث الأفكار الإرهابية أو تقليل السلطات الأمنية أو التأثير في سير العدالة (المادة 27) ــ غرامة لا تزيد على عشرة آلاف جنيه لكل من قام بتسجيل أو تصوير جلسات قضايا الإرهاب التي يفترض أنها علنية (المادة 137) واستثنيت من الحظر هيئة الأمن القومي.
ــ تخويل مأمور الضبط القضائي سلطة حبس أي مشتبه لمدة 24 ساعة وللنيابة العامة ان تمد الحبس لمدة أو مدد أخرى (المادة 38) وهو ما يوسع من دائرة الحبس الاحتياطي الذي يعاني منه الآلاف ويرفع شعار المتهم مدان حتى تثبت براءته.
ــ تخويل رئيس الجمهورية في غياب أي رقابة برلمانية سلطة إخلاء بعض الأماكن أو حظر التجول فيها بأوامر شفوية بما يعني إعلان الطوارئ دون تطبيق حالة الطوارئ (المادة 54).
(4)
قد لا أبالغ إذا قلت إن المشروع على جملته يرفع البطاقة الحمراء في مواجهة النشطاء السياسيين بالدرجة الأولى.

ولم يبالغ مَن وَصَفَهُ بأنه عقابي وانتقامي يستهدف أمورا عدة ليس بينها مكافحة الإرهاب.

وهو بذلك يضاف إلى قوانين وإجراءات أخرى هي:

قانون التظاهر

ــ مد الحبس الاحتياطي

ــ عقد المحاكمات في بؤر التعذيب مثل معهد أمناء الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي إلى جانب قانون الكيانات الإرهابية.

وهو ما يضعنا أمام خلاصتين:

الأولى تقنين الطوارئ وتحويلها من إجراء استثنائي يفرض في حالات معينة ولمدة محددة إلى جزء من النظام القانوني القائم والمستمر.

الثانية ان فكرة القانون تفرغ من مضمونها، بحيث يتحول من ميزان لإحقاق الحق والعدل والدفاع عن حريات الناس وكراماتهم إلى أداة تستخدمها السلطة للبطش بالناس وقمع المعارضين وتشديد قبضتها على المجتمع.

وتلك أجواء لا تكافح الإرهاب من أي باب، لكنها توسع من نطاقه وتؤججه، لأن خبرات التاريخ ودروسه علمتنا ان العنف يولد العنف، لكن أقل الناس حظا في النجاح هم أولئك الذين لا يتعلمون شيئا من دروس التاريخ.
حتى إذا صدر القانون وطبق، فإن أي باحث منصف لن يستطيع ان يتوقع تحقيقه لأي تقدم في مكافحة الإرهاب، لأننا سنصبح إزاء قرينة دالة على ان الكلام الجاد في مكافحة الإرهاب لم يبدأ بعد.

ذلك اننا لا نستطيع أن نخطو خطوة واحدة في علاج داء لم تعرف بشكل جاد أسبابه ومصادره، في حين نوظفه ونستثمره لتحقيق أغراض أخرى.

………………….

تمت القراءة 535مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE