أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > نقد الذات واجب الوقت
إعلان

نقد الذات واجب الوقت

 فهمي هويدي 

ما جرى في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد.

صحيح أن مفاجآتها ومفارقاتها وفرت فرصة نادرة استعرض فيها ظرفاء المصريين مواهبهم ببذخ غير مألوف، إلا أن لها وجها آخر يدعونا لأن ننتقل بسرعة من الهزل إلى الجد. 

فهمي هويدي

فهمي هويدي

إذ أزعم أن من أبرز نتائج تلك الجولة ذلك التراجع المشهود في نسبة المشاركين في التصويت وهو ما يعنى أن الإدارة السياسية حصلت على تقرير «ضعيف» في الاختبار.

 الأمر الثاني الذي يستحق النظر أن العبث بالفتوى لحث الناس على التصويت أخرج أغلبية المصريين من الملة ووجب تكفيرهم.

لست مشغولا كثيرا بمن نجح ومن خسر ومن أعاد فحدود الجميع وأدوارهم معروفة سلفا، فلا الذى نجح يستحق التهنئة ولا من خسر يستحق المواساة.

لكن أكثر ما همني كان مفاجأة العزوف المدوي عن التصويت، الذي وجدته بمثابة مظاهرة احتجاجية صامتة، لم ترتب ولم تكن بحاجة لأى تصريح،

والمشاركون فيها افلتوا من الملاحقة والمحاكمة.

 وغاية ما يمكن ان يعاقبوا به هو توقيع غرامة ٥٠٠ جنيه على الممتنع إذا لم يكن لديه عذر مقبول من مرض أو سفر أو خلافه.

ذلك إن قانون التظاهر إذا كان قد حبس الجميع في البيوت وحذرهم من أي تعبير عن الاحتجاج السلمى،

وبعدما وصل الإنذار إلى عنوان كل ناشط حين أطلقت الشرطة الرصاص وقتلت المحامية شيماء الصباغ في قلب القاهرة حين كانت تحمل باقة زهور في مسيرة سلمية،

إزاء كل ذلك فإن المجتمع اختزن الاحتجاج وتحين فرصة الانتخابات لكى يعلن عن موقفه دون هتاف أو لافتات أو مسيرة.
لا أستطيع أن أدعي أن الاحتجاج كان الدافع الوحيد للإحجام عن التصويت، ولدى استعداد لأن أفهم أن هناك أسبابا أخرى تتعلق بالتنظيم والارتباك الذى أحدثه توزيع المقاعد بين القوائم والأفراد المرشحين،

 إلا أن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل الاحتجاج كسبب مهم للإحجام، خصوصا بين الشباب الذين أجهضت أحلامهم، ومتوسطي الدخل الذين قصمت أعباء المعيشة ظهورهم، وما عاد لديهم ما يتعلقون به في المستقبل، ناهيك عن ثوار يناير الذين ذهبت جهودهم وتضحياتهم هباء.
لا أجادل في مسألة ضعف الأحزاب لكنني أزعم أنه ليس سببا وجيها، فقد أقبل المصريون على استفتاءات وانتخابات سابقة كان الضعف فيها قائما، لأن الآمال كانت أكبر والأفق تلوح فيه بعض عناصر الإشراق.

ثم إنك إذا لاحظت أن نصيب القوائم الحزبية لا يتجاوز ٢٠٪ من مقاعد البرلمان، فسيقنعك ذلك بأن ضعف الأحزاب محدود التأثير على نسبة الإقبال، لأن 80٪ من المقاعد مفتوحة للجميع ولا علاقة لها بالأحزاب.
أسخف ما قرأت في تفسير إحجام الأغلبية عن التصويت أن الناس لجأوا إلى ذلك محبة في الرئيس وتعبيرا عن رفض البرلمان الذى قيل انه سيعوق حركته ويحد من سلطاته.

وفى قول آخر إن الاحجام سببه ثقة الناس في الرئيس ورغبتهم في الاكتفاء به دون الحاجة إلى البرلمان.

أما أسوأ ما قرأت فكان ذلك النزوع إلى تقريع المجتمع والتنديد بتقاعسه إلى جانب الادعاء بأن الشباب استسلموا لحروب الجيل الرابع المناهضة للنظام في مصر.

أو اتهامهم بقلة الوفاء وانعدم المروءة لأن الرئيس حرص في أكثر من مناسبة على ان تلتقط له صور وسط الشباب، في حين أنهم لم يردوا له الجميل.
حتى إذا كانت تلك آراء أشخاص تحسب عليهم، إلا أنها أصوات ترددت عبر شاشات التليفزيون. وكانت تعبيرا رمزيا عن محاولات الهروب من مواجهة الحقيقة والافتقار إلى شجاعة الاعتراف بأن ثمة رسالة احتجاج في عزوف الناس عن التصويت.

وهذا الاحتجاج يجب أن تدرس أسبابه لكي تعالج في الوقت المناسب.

ذلك أن نقد الذات هو الخطوة الأولى لتصويب الأخطاء وإنجاح المسيرة، في حين أن الاكتفاء بإلقاء المسئولية على الآخر واتهامه يؤدى إلى استمرار الأخطاء واستفحالها، الأمر الذى يعد أكبر تهديد للمسيرة.
مسألة تكفير أغلب المصريين هي التطبيق العملي للفتوى الذى أصدرها عضو مجمع البحوث الإسلامية الذى زعم أن المشاركة في التصويت فريضة دينية تعادل الصلاة.

وذهب الرجل سامحه الله إلى القول إن المشاركة أخطر وأهم. لأن إثم تارك الصلاة يرتد عليه وحده، في حين أن إثم الممتنع عن التصويت ينسحب فيه الضرر على المجتمع كافة.

ورغم أن الكلام يتعذر أخذه على محمل الجد، حيث ينسب إلى ترزية الفتاوى وليس إلى علماء الأصول،

إلا أن خطورته في تداعياته التي غابت عن صاحب الفتوى التليفزيونية فبلغت به الجرأة أو الخفَة حدا جعله يساوى بين أحد أركان الإسلام الذى وصفت فيه الصلاة بأنها عماد الدين ومن تركها ترك الدين وبين التصويت في الانتخابات.

ومقتضى قوله أن الممتنع عن التصويت عامدا يعد تاركا بدوره للدين وتكفيره في هذه الحالة مستحق. وهو ما يسري على أغلبية الشعب المصري التي قاطعت الانتخابات.
لقد وضعتنا الفتوى أمام قياس فاسد لا يجرؤ على القول به من كان له حد أدنى من الاحاطة ببديهيات علوم الدين.

ولا تفسير لذلك سوى أن صاحبنا وسَّعها أكثر من اللازم في ركوبه للموجة.

وكان حرصه على إرضاء أهل السلطة مقدما على إرضاء دينه وربه.
ليست هذه نهاية المطاف بطبيعة الحال، لأن الأهم من الوقوع في الخطأ أن يتعلم المرء منه ويعتبر.

لكن ذلك معلق على شرط واحد هو أن يكون الطرف المعني قابلا للتعلم، وهو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا قبل أي سؤال آخر.

……………………..

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE