الرئيسية > كتاب اللواء > نصّ العهد النبوي لنصارى نجران
إعلان

نصّ العهد النبوي لنصارى نجران

 

ملزم للمسلمين في كلّ مكان وزمان

محمد السماك

)أمين عام اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي – بيروت(

 

في قراءة مـتأنية لنص العهد النبوي لنصارى نجران استوقفني امران شكليان. الامر الاول هو ان العهد لم يكن لنصارى نجران حصراً. انما للمسيحيين عموما. والامر الثاني هو ان الالتزام الاسلامي بنص العهد لم يكن محددا بمسلمي الفترة الزمنية التي صدر فيها، ولكنه نص ملزم لكل المسلمين في كل زمان ومكان وحتى قيام الساعة. يؤكد الامر الاول ما ورد في مقدمة العهد حيث يقول “هذا كتاب امان من الله ورسوله، اللذين اوتوا الكتاب من النصارى، من كان منهم على دين نجران، وان على شيء من نحل النصرانية، كتبه لهم محمد بن عبدالله، رسول الله الى الناس كافة؛ ذمة لهم من الله ورسوله”.
ويؤكد الامر الثاني قوله “انه عهد عهده الى المسلمين من بعده. عليهم ان يعوه ويعرفوه ويؤمنوا به ويحفظوه لهم، ليس لاحد من الولاة، ولا لذي شيعة من السلطان وغيره نقضه، ولا تعديه الى غيره، ولا حمل مؤونة من المؤمنين، سوى الشروط المشروطة في هذا الكتاب. فمن حفظه ورعاه ووفى بما فيه، فهو على العهد المستقيم والوفاء بذمة رسول الله. ومن نكثه وخالفه الى غيره وبدله فعليه وزره؛ وقد خان امان الله، ونكث عهده وعصاه، وخالف رسوله، وهو عند الله من الكاذبين”.
في ضوء العهد النبوي الى المسلميين عامة، وفي ضوء الالزام النبوي بنص العهد للمسلمين عامة، وفي ضوء اعتبار من يخالفه او ينكثه او يبدله عاصياً لله ولرسوله، من المهم التوقف اولا امام بنود العهد، ومن ثم مقارنتها بواقع العلاقات الاسلامية – المسيحية وبدور المرجعيات الدينية الاسلامية في التعامل مع هذا الواقع.
ينص العهد في ما ينص عليه(1):
أولا، “ان احمي جانبهم – اي النصارى – وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرهبان ومواطن السياح، حيث كانوا من جبل او واد او مغار او عمران او سهل او رمل”.
ثانيا، “ان احرس دينهم وملتهم اين كانوا؛ من بر او بحر، شرقا وغرباً، بما احفظ به نفسي وخاصتي، واهل الاسلام من ملتي”.
ثالثا، “ان ادخلهم في ذمتي وميثاقي واماني، من كل اذى ومكروه او مؤونة او تبعة. وان اكون من ورائهم، ذابا عنهم كل عدو يريدني واياهم بسوء، بنفسي واعواني واتباعي واهل ملتي”.
رابعا، “ان اعزل عنهم الاذى في المؤن التي حملها اهل الجهاد من الغارة والخراج، الا ما طابت به انفسهم. وليس عليهم اجبار ولا اكراه على شيء من ذلك”.
خامسا، “لا تغيير لأسقف عن اسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا سائح عن سياحته، ولا هدم بيت من بيوت بيعهم، ولا ادخال شيء من بنائهم في شيء من ابنية المساجد، ولا منازل المسلمين. فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله وحال عن ذمة الله”.
سادسا، “ان لا يحمل الرهبان والاساقفة، ولا من تعبد منهم، او لبس الصوف، او توحد في الجبال والمواضع المعتزلة عن الامصار شيئا من الجزية او الخراج…”.
سابعا، “لا يجبر احد ممن كان على ملة النصرانية كرها على الاسلام. “ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن”. ويخفض لهم جناح الرحمة ويكف عنهم اذى المكروه حيث كانوا، واين كانوا من البلاد”.
ثامنا، “ان اجرم واحد من النصارى او جنى جناية، فعلى المسلمين نصره والمنع والذب عنه والغرم عن جريرته، والدخول في الصلح بينه وبين من جنى عليه. فإما مُنّ عليه، او يفادي به”.
تاسعا، “لا يرفضوا ولا يخذلوا ولا يتركوا هملا، لأني اعطيتهم عهد الله على ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين”.
عاشرا، “على المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حق الذمام، والذب عن الحرمة، واستوجبوا ان يذب عنهم كل مكروه، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم، وفيما عليهم”.
حادي عشر، “لهم ان احتاجوا في مرمة – ترميم – بيعهم وصوامعهم، او شيء من مصالح امورهم ودينهم، الى رفد من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها – ترميمها -، ان يرفدوا على ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك دينا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاء بعهد رسول الله موهبة لهم ومنة لله ورسوله عليهم”(2).
لن افيض اكثر من الحديث عن هذا الموقف الديني المبدئي الشرعي التأسيسي لعلاقات المسلمين بالمسيحيين. وهو موقف التزم به الخلفاء الراشدون من بعد النبي عليه السلام، ولعل من اشهر المواثيق التي تؤكد هذا الالتزام، العهدة العمرية لمسيحيي القدس. والمنح التي قدمها الامويون لمسيحيي دمشق لبناء كنائسهم.
ثم انه اضافة الى هذه الثوابت الدينية الملزمة هناك موقف اسلامي عام ملزم ايضا يتمثل في حديث للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). فعندما سئل: من هو المسلم، اجاب: “المسلم من سلم الناس (أي كل الناس بصرف النظر عن الدين او اللون او العنصر او الثقافة) من يده ولسانه”. فلا اذية بعمل (باليد) ولا اذية بكلمة (باللسان). واذا كان هذا هو الموقف العام تجاه الناس كافة، فكيف يجب ان يكون من اولئك الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم “اقرب مودة للذين آمنوا” والذي ربط هذه المودة الايمانية بأن “منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون”؟.
اذا عرضنا لواقع العلاقات الاسلامية – المسيحية اليوم في ضوء ما تتسم به من مظاهر سلبية هنا او هناك، لا نستطيع الا ان نتساءل هل ان المرجعيات الدينية الاسلامية نجحت في نشر هذه المبادىء في الثقافة الدينية العامة، وهل عملت على تكريسها في السلوك اليومي للمسلمين؟ يحملنا على طرح هذا السؤال احداث ووقائع تتوالى فصولا في دول عربية مثل العراق، وفي دول غير عربية مثل نيجيريا، وفي دول اسلامية مثل ماليزيا، تشير الى ما يتناقض، او الى ما لا ينسجم، مع المبادىء والقيم النبوية الملزمة للمسلمين جميعا. ويعود ذلك اما الى الجهل بهذه الالتزامات، او الى تجاهلها. وتاليا الى تغييبها عن الثقافة العامة في بعض المجتمعات الاسلامية. ولو انها كانت حاضرة ومؤثرة وفاعلة كما يجب، لما امتدت يد لاغتيال كاهن هنا او راهب هناك. ولما فجرت كنيسة هنا او بيت مسيحي هناك.
ولأن الطبيعة لا تعرف الفراغ، فان تغييب هذه الثقافة يشرع الابواب امام ثقافة اخرى معاكسة، يمليها الجهل بالثوابت الايمانية ويملي مبادئها التطرف والغلو بما هو كراهية الآخر ومحاولة لإلغائه.
عندما يتعرض الاسلام الى الافتراء والى محاولات التشويه والتضليل، غالبا ما تبادر مرجعيات مسيحية كبرى الى التصدي لهذه المحاولات والى تسفيهها…
من الموقف من منع الحجاب في فرنسا، الى الموقف من الفيلم المسيء لرسول الله عليه السلام في هولندا، الى الرسوم الكاريكاتورية في الدانمارك، الى منع بناء المآذن في سويسرا… انتهاء بالدعوة الى حرق القرآن الكريم في كنيسة مجهولة في بلدة صغيرة من ولاية فلوريدا الاميركية. فقد ارتفعت اصوات مرجعيات مسيحية تندد وتستنكر، من الفاتيكان، الى مجلس الكنائس العالمي، الى مجلس الكنائس الوطني الاميركي، الى اتحاد الكنائس الإنجيلية، الى مجلس كنائس الشرق الاوسط. وشاركت في رفع هذه الاصوات مرجعيات دينية يهودية في الولايات المتحدة واوروبا.
حتى عندما ارتكبت جريمة 11 سبتمبر 2001 رأينا كيف بادر البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الى استضافة مؤتمر اسلامي – مسيحي في الفاتيكان من اجل ان يعلن الموقف المبدئي وهو “ان الإجرام لا دين له”.
لا شك في ان هذه المواقف المسيحية الاخلاقية السامية تتعزز وتستقوي بمواقف لمرجعيات اسلامية من قضايا تتعلق بانتهاك حقوق مسيحيين هنا او بالافتراء على المسيحية هناك، علما بأن مثل هذه المواقف ليست مفترضة على قاعدة المعاملة بالمثل، انما هي مفروضة على قاعدة الالتزام بالاسلام شرعة ومنهاجاً.
من هنا نعود الى بيت القصيد، وهو اهمية دور المرجعيات الدينية الاسلامية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر فيها العلاقات الاسلامية المسيحية في العالم العربي وفي العالم، في التعريف بالثوابت الايمانية النبيلة التي قامت عليها هذه العلاقات منذ العهد النبوي والتي يجب ان تقوم عليها اليوم وغداً وحتى نهاية الزمن… ولنا كمسلمين في رسول الله اسوة حسنة.
واخيرا، اودّ ان اختم هذه الكلمة القصيرة بالآية القرآنية الكريمة(3) التي تقول:
“من أهل الكتاب أمة قائمة يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين”.

————
(1) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، جمعها محمد حميد الله – دار النفائس – بيروت، الطبعة السادسة 1987.
(2) المرجع السابق نفسه ص. 189.
(3) آل عمران 113 و114.

 

 

تمت القراءة 327مرة

عن محمد السماك

محمد السماك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE