الرئيسية > كتاب اللواء > من يكتفي ؟
إعلان

من يكتفي ؟

عبد الرازق أحمد الشاعر

عند سياج يحيط مزرعته المدهشة علق أحدهم لافتة تقول: “هذه الأرض وما حوت هدية لمن اكتفى بما لديه ورضيبما قسم الله له.” وعند اللافتة توقفت سيارة فارهة، ونزل رجل أعمال تفوح من ثيابه رائحة عطر باريسي. وبعدنصف ساعة من الهرولة حول سياج المزرعة، قال الرجل في نفسه: “هذه الأرض لي، فقد وهبني الرزاق من النعمما لا يحصى، وآتاني من فضله العظيم. عوفيت من الأمراض والأسقام، ورزقت زوجة طيبة وأبناء صالحين. فهلعلى الأرض من هو أحق بالرضا والقناعة مني؟”

تقدم الرجل بخطى ثابتة نحو باب خشبي يتصدر المشهد، وطرق طرقتين. لم تمر ثوان معدودات حتى صر البابوخرج من فتحته الضيقة وجه معروق. نظر الفلاح في وجه ضيفه المنتظر، ونظر في عينيه مليا قبل أن يسأله: “ألكحاجة؟” في اعتداد قال الرجل: “لا حاجة لي بمخلوق، فقد اكتفيت بالله ورضيت.” ثم ابتلع ريقه قبل أن يكمل: “أنتصاحب هذه الحديقة إذن؟” فرد الرجل بعد أن خرج إلى العراء في ثياب بالية: “كانت لي قبل أن أقرر التخلي عنهالمن رضي بما قسم الله له. أنا اليوم مجرد حارس ينتظر.”

نفض الرجل غبارا تجمع فوق كتفيه وفي زهو قال: “أعتقد أنك قد وجدت ضالتك أيها الرجل الطيب، فقد أوتيت منالخير ما تنوء بمفاتحه العصبة أولو القوة. وطويت الأرض شرقا وغربا، سماء وأرضا. لم أترك متعة إلا وجربتها،ولا تاقت نفسي لشيء حتى نهلت منه وارتويت. ولو خرجت من الدنيا الآن، لخرجت راضيا مرضيا. لا أجد فينفسي حاجة ولا مطلب لي عند أحد، ولا أريد من هذه الدنيا شيئا أبدا. أشعر بالرضا يملأ جنبات روحي، وأتمنى أنأكون قد وفيت شكر ما أوتيت من نعم.” فضحك العجوز حتى برزت عظام حنجرته كلها، وقال في صوت متحشرج: “لم تكتف من الدنيا أيها الأنيق. ولو اكتفيت، لزهدت في مزرعة زهد فيها من هو أقل منك رزقا وسعة.”

لا يكتفي المرء من الدنيا أبدا مهما أوتي من خير. والأغنياء هم أشد الناس حرصا عليها، لهذا تراهم لا يتورعون عنالوقوف أمام الأخشاب المتهالكة ليطرقوا أبواب الفقراء الذين لا يجدون ما يستر عوراتهم أو يسد جوعتهم. فلا يكتفيالثري بتسع وتسعين نعجة، وتراه دوما ينظر إلى ما وراء الأسيجة ليتلصص على الألف الذي يكتمل مليونه الألف.

لم ينظر الغني إلى أسمال الفقير ولم يشعر بفاقته وهو يخرج إليه من شق الباب عاريا أو يكاد. ولم يسأل نفسه عن سرزهد فقير فيما آتاه الله حلالا طيبا. بل ويجد لنفسه آلاف المبررات للسطو على أرض هذا أو اقتناص فرصة هذا فيالتعيين منتحلا آلاف المبررات التي لم يعد يهز لهاأحد رأسه، وكأن الأرض لم تخلق إلا له ولذويه وأقاربهوالمعارف. ويستكثر الغني على الفقير ثلاث وجبات يقيم بها إوده، فتجده يطالب الفقراء بالتخلي عن الوجبة الثالثةلإصلاح الشرخ الاقتصادي الذي صنعه هو وأمثاله. وحين يركب سيارته الفارهة، تراه يلتفت إلى السيارات التيتتجاوزه يمنة ويسره، ويغص بصره تماما عن الباعة الجائلين فوق رصيف الوطن وقد غطت وجوههم الأحزانوالأتربة.

لن يجد الزاهد في هذه البلاد من يستحق عطيته، فكل الناس في بلادي لا يرون إلا العمارات الفارهة التي يمتلكهازيد، ولا يجيلون أبصارهم إلا في الأرض الفضاء التي استولى عليها عمرو. وقد أغشت الدنيا أبصارهم وبصائرهم.أما الزهد، فلا تكاد تسمع عنه في بلادنا إلا في روايات السلف التي نمصمص لها الشفاه كلما سمعناها من فوقأخشاب المنابر. وعندما نخرج إلى امتحانات الحياة، نقف بسياراتنا الفارهة أمام أول كوخ لنساوم البسطاء علىحظهم القليل في حياة لم يعد أحد فيها يحس بأحد، ولم يعد أحد فيها يرحم أحدا.

عبد الرازق أحمد الشاعر

Shaer129@me.com

تمت القراءة 1مرة

عن عبد الرازق أحمد الشاعر

عبد الرازق أحمد الشاعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE