أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > من تحارب ؟
إعلان

من تحارب ؟

 

حين تذهب إلى الحرب منتعلا تاريخك وجلد أخيك، فليس عليك أن تخلع نعليك، وحين تستظل وأنت تيمم فوهة عجزك العربي شطر أي رأس براية ليست لك، فلا ترفع كفيك عاليا وأنت تحوقل، وحين تعود من الحرب بلا غنائم ولا أسلاب تجر بندقية صدأة خلفك، فلا تكترث بمن يلعنك. الحرب ليست لك، وليس الثأر ثأرك، وليس من حقك أن تفرج بين إصبعيك وأنت تمر من فوق الرؤوس المثقوبة، ولا أن ترفع رأسك عاليا، لأنك مجرد مدعو إلى حفل قتال، تفرغ فيه نخب الرصاص ثم تعود إلى بؤسك القديم خلف أسلاك لا تدري مواقعها، لتعد النجوم وحدك، وتحصي عدد الأيام التي تفصل بين قدميك المتورمتين وحذائك المدني الطري.

لم يكن القرار لك، ولم تحدد ساعة الصفر أنت، ولم يستشرك أحد عند حفر البئر أو نبش الخندق . تأتيك قرارت الحرب معبأة كعلب سردين منتهية الصلاحية تأكلها من سغب متعللا بالإباحة، لكنك تعلم وأنت تصوب بارودك نحو الجماجم البعيدة أنك تحارب يقينك، وأن الضرورات ليست ضروراتك ولا الثأر ثأرك. وحين ترفع عينيك، فترى شمس القيادة تشرق من مغربك، وتلفحك شمس الهاجرة وأنت منكس الرأس وراء كيس من الرمل تنتظر إشارة ببدأ القنص. ومن بعيد .. من وراء وراء المحيط، تأتيك الإشارة، فتستجيب لنجوم ليست من سمائك، وتتبع راية ليست كرايتك وأنت معصوب الحرية واليدين.

وحين تعود – إن عدت – لن تستطيع أن ترفع حدقتيك لتواجه سؤال طفلك البرئ: “أبي من أين عدت؟” ولن تزعرد أمك وأنت تدخل عليها بثياب تحمل رائحة الدماء والعرق، لأنها تدرك في أعماق أمومتها أن الثأر ليس ثأرك، وأنك دخلت المولد دون دعوة، وركبت حمار الحرب بالمقلوب، فصار نصرك هزيمة، وتقدمك في الميدان حسرة. ستعود – إن عدت – لتمارس بلادتك القديمة وتنتظر الزيت والسكر في طوابير لا تنتهي، لكنك لن تنظر في وجه أحد وأنت تعود إلى بيتك حاملا انكسارك وزيتك، وسكرا لا يغير مرارة الحلقوم ولا حنظل الذاكرة.

ستعود – إن عدت – لتجلس على المقهى عند الناصية، لكنك لن تحكي لرفاق الطاولة عن حرب خضتها بالوكالة، لأنك تعرف أن الدماء التي ولغت فيها لن تذهب سدى، وأن رائحة البارود ستظل تزكم أنفك حتى النهاية، وأنك رهنت وطنك وأمان زوجك كي تخرج من كتب التاريخ بكفالة. وحين يسألك أحدهم: “لمن الملك اليوم؟” ستلوي عنقك وتطلب شيشة تفاح، وتظل تصهل كفرس جامح حتى ينسى رفيق الحزن نص السؤال.

لكنك لن تستطيع أن تضع رأسك فوق الوسادة لتغط في حلم وردي كما كنت تفعل عند الحدود، وسيؤرقك لون البيادات الغازية حول خندقك وألوان الأعلام المتساقطة مع براميل البارود عند إخمص ناظريك .. ستظل النجوم البيضاء تتلألأ في سمائك الزرقاء ويطاردك ملك الموت فوق صهوة جواد غير عربي حتى الوهدة الأخيرة. ستظل أوامر القنص تتردد في أذنيك كوخز الإبر الصينية في الكروش المتهدلة، ولن تشعر بالنصر وإن قاتلت كرجل أو جرحت كفارس.

أيها الشريك الذي لن يشارك في غرس بيرق أو رفع بيرق! ولن يشارك في رسم الخرائط أو جمع الغنائم! أيها المغلوب على زناده وخوذته! ستحارب طواحين الهواء في أرض ليست لك، وتقاتل برجولة، ولكن ليس بشرف، وتنتصر لكنك لن تستطيع الاحتفال يوم تعود، لأن أحدا من أبناء قريتك لن يعرف متى بدأت الحرب ولا كيف انتهت، ولن تستطيع أن تخبرهم بهوية أعدائك، لأنك ببساطة لا تعرفهم. وحين يرى أحدهم ثيابك العسكرية ملطخة بالدماء لن يشم فيها رائحة العدو، ولن يناديك بالبطل، ولن تضطر لإخباره أنك كنت مجرد مدعو إلى حفل قتال، وأنك حفرت الخنادق وشققت الطرق وحصدت من الجماجم ألفا، لكنك لم تنتصر لأن الحرب ليست لك ولا الثأر ثأرك.

عبد الرازق أحمد الشاعر

Shaer129@me.com

 

تمت القراءة 316مرة

عن عبد الرازق أحمد الشاعر

عبد الرازق أحمد الشاعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE