الرئيسية > كتاب اللواء > منتجون أم مخبرون؟
إعلان

منتجون أم مخبرون؟

 

فهمي هويدي

عنوان جريدة الصباح كان كالتالي:

وقف ٣ أساتذة بجامعة الأزهر عن العمل لتحريضهم ضد الدولة

ــ وتحت العنوان سطر آخر نسب إلى مصدر في الجامعة قوله إن الثلاثة اتهموا الدولة بالتقصير بعد الحادث الإرهابي الأخير في الشيخ زايد.

العنوان الأول بدا صادما والثاني كان مدهشا.

ذلك أن إيقاف ثلاثة من الأساتذة في جامعة تنتسب إلى مؤسسة عريقة كالأزهر ليس أمرا هينا.

على الأقل بالنسبة لجيلنا الذي يعرف لأستاذ الجامعة قدره الجليل.

ولا يزال للأزهر وجامعته عنده من الهيبة والمكانة ما يجعل من المساس بأساتذته حدثا له رنينه الذي يصم الآذان.
لا أخفي أنني لم أصدق عينيَّ لأول وهلة حين وقعت على الخبر في جريدة «الشروق» يوم ٨/٧ الحالي. لكني تأكدت من صحته حين اطلعت على نص البيان الذي صدر عن رئيس الجامعة في اليوم السابق (٧/٧).
العناوين بدت مثيرة وكاشفة، إذ لابد أن يستفز المرء ويستنفر حين يقرأ أن ثلاثة من أساتذة الجامعة قاموا بالتحريض ضد الدولة.

لكنه لا يلبث أن يهدأ قليلا حين يجد أنهم اتهموا الدولة بالتقصير في التعامل مع ما جرى في الشيخ زويد.

وهذا الهدوء تحول إلى خليط من الحيرة والدهشة حين يقرأ المرء في بيان رئيس الجامعة أن الأساتذة تم إيقافهم عن العمل وأحيلوا إلى التحقيق «لارتكابهم مخالفات تضر بالعملية التعليمية ومنهج الأزهر الوسطي.

حيث ثبت لدى رئيس الجامعة خروجهم عن مقتضى الواجب الوظيفي، إضافة إلى أنه صدرت عنهم عبارات تحريضية على شبكة التواصل الاجتماعي «فيس بوك» والتشهير والنيل بالألفاظ من بعض الشخصيات العامة.
في خبر «الشروق» المنشور أن مصدرا مطلعا بإدارة الجامعة قال إن أعضاء هيئة التدريس الثلاثة كانوا قد انتقدوا الرئيس عبدالفتاح السيسي والمهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء بعد العمليات الإرهابية التي وقعت أخيرا في سيناء.

وقال المصدر ذاته إن رئيس الجامعة أصدر تعليمات صارمة بعدم هجوم أعضاء هيئة التدريس على الرئيس السيسي وحكومته على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم الحديث في الأمور السياسية إطلاقا.
التفاصيل شرحت طبيعة «الجريمة» التي ارتكبها الأساتذة الثلاثة.

فهم أولا تكلموا في السياسة المحظورة.

وهم ثانيا انتقدوا موقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وهو ما اعتبر تحريضا ضد الدولة.

الأمر الثالث أن ما صدر عن الأساتذة تم خارج الجامعة وظل محصورا في نطاق شبكة التواصل الاجتماعي، بما يعني أنهم عبروا عن آرائهم كمواطنين وليس كأساتذة في الجامعة وموظفين لدى الحكومة.

الأمر الرابع أن ذلك اعتبر خروجا عن مقتضى واجبهم الوظيفي فاستحقوا الإيقاف عن العمل والإحالة إلى التحقيق.
ليس لدي دفاع عن آراء الأساتذة الثلاثة رغم اقتناعى بأن ما فعلوه يعد أمرا عاديا وبسيطا للغاية.

لكنني وجدت أن لغة البيان الصادر في الواقعة لا تختلف في شيء عن لغة تقارير أمن الدولة.

حتى أزعم أنه إذا ما رفعت منه الإشارة إلى رئيس الجامعة لظن القارئ أنه صادر عن وزارة الداخلية.

ذلك أنها الجهة التي نتوقع منها منع أستاذ الجامعة من الكلام في السياسة واعتبار انتقاد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هجوما وتحريضا ضد الدولة التي تم اختزالها في الرمزين الكبيرين، فضلا عن وصفه بأنه خروج عن مقتضى الواجب الوظيفي ومخالفة لمنهج الأزهر الوسطي، الذي لم أفهم علاقته بالموضوع كأن الوسطية لا تعني سوى كيل المديح لرموز السلطة.
طردت من خاطري على الفور نموذج نعوم تشومسكي أستاذ اللسانيات الأشهر والفليسوف الأمريكي الكبير، وهو من ألف نحو مئة كتاب ولم يتوقف عطاؤه الذي تبني فيه موقفا شديد القسوة على النظام السياسي الأمريكي في توجهاته الرأسمالية وسياساته الخارجية.

إذ وجدت أنه لا وجه للمقارنة لأننا نتحدث عن مسافات في الحالة الديمقراطية تتجاوز ما بين السماء والأرض.

إلا أن ما همَّني في المشهد المصري ليس أن يرد إلى أستاذ الجامعة اعتباره ولا أن تصبح الجامعة منارة للإشعاع الفكري ورافعة للحرية والديمقراطية.

إذ ظل طموحي أكثر تواضعا وأقل شأنا، حيث لم يتجاوز الأمل في ألا تلحق الجامعة بالجهاز الأمني، وألا يصبح أداؤها قريبا من مهام المخبرين وأن تخرج طلابا أسوياء يصبحون مواطنين منتجين لا مرشدين، حتى ذلك المطلب المتواضع وجدت تحقيقه بالغ الصعوبة لأن المشكلة أكبر بكثير من الجامعة.
صحيح أن ما فعلته إدارة جامعة الأزهر مع الأساتذة لم يختلف عن الحاصل في الجامعات الأخرى، وأن الطلاب ينصحون بالتجسس على بعضهم البعض (وهو ما تحدث عنه صراحة نائب رئيس جامعة الأزهر)،

إلا أن ذلك غدا توجها عاما بمقتضاه تمت دعوة عامة المواطنين لأن يتحولوا إلى مرشدين ومخبرين،

وهي الرسالة التي نقلها الإعلام إلى الجميع طوال الأشهر الماضية، كأنما أصبح مشروعنا الذي أصبح الإرهاب هاجسه الأول مختزلا في أن نتحول إلى مجتمع المخبرين وليس المنتجين.

……………………

 

تمت القراءة 590مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE