الرئيسية > كتاب اللواء > معجزة في بر مصر
إعلان

معجزة في بر مصر

 

فهمي هويدي

إذا صح الكلام الذي نشر عن الأخطار التي تهدد صحة المصريين، فهو يعني أننا شعب معرض للانقراض.

وأن استمراره بتلك الأعداد المتزايدة حتى الآن يعد إحدى معجزات الدنيا التي ينبغي تسجيلها وتوثيقها.

فقد قيل لنا إن 80٪ من الأغذية التي يتداولها المصريون من إنتاج «بير السلم»، أي أنه بعيد عن أي رقابة أو التزام بالمواصفات،

وهو ما لا يستغرب معه ان ينتشر التلوث ومعه السموم التي تؤدي إلى الفشل الكلوي وأمراض الكبد والسرطانات باختلاف أنواعها.

قيل لنا أيضا إنه من حسن حظ المصريين أنهم من الشعوب التي تبالغ في طهي الطعام، الأمر الذي يؤدي إلى قتل نسبة كبيرة من الميكروبات، وان كان لا يقضي على سمومها. وتكون النتيجة ان تلك السموم تتراكم في الجسم يوما بعد يوم.

لذلك فإننا نمرض ولا نموت من الأكل ولو أن المصريين كانوا من الشعوب التي تأكل الطعام نصف مطهي أو غير مطهي أساسا لأصبح الوضع الصحي عندنا أسوأ بكثير.

هذا الكلام ليس من عندي، لكنني وقعت عليه في حوار نشرته جريدة «التحرير» في 27/9 مع رئيس وحدة سلامة الغذاء التابعة لوزارة الصناعة، الدكتور حسن منصور.

وإلى جانب المعلومات المزعجة التي أشرت إليها توا، فإن الرجل أثار بعض النقاط والملاحظات المهمة الأخرى التي تدق أجراس التنبيه في أكثر من اتجاه،

في المقدمة منها ما يلي:

< أن الإحصاءات المتعلقة بصحة المصريين تفتقد إلى الشفافية والدقة.

إذ طبقا لما أعلنته وزارة الصحة فإن مصر أقل من الولايات المتحدة الأمريكية في الإصابة بالتيفود ألف مرة.

وان الأوضاع الصحية في مصر أفضل منها إذا قورنت بالحاصل في أمريكا (!).

< في مسح طبي أجري عام 2008 تبين أن ثلث الأطفال المصريين في سن خمس سنوات يواجهون مشكلة في النمو وأنهم مصابون بالتقزم، جراء سوء التغذية وانتشار السموم في الطعام.

وحين تم سحب عينه على أسبوعين (في السنة 152 أسبوعا) تبين ان 10٪ من الأطفال أصيبوا بالاسهال في تلك الفترة،

وهذا يعني أنه لا يوجد طفل لم يصب بالإسهال خلال السنة، وذلك بسبب تلوث الغذاء.

< الثابت أن تلوث الغذاء يقلل من نسبة الذكاء ويؤثر على المستويات العقلية. وذلك نتيجة تراكمات السموم داخل الجسم، الأمر الذي يؤثر بشدة على خلايا المخ.

والتأثير التراكمي هو الأهم. لأن الأثر السريع والمؤقت سهل، في حين أن التراكمي هو الأهم والأخطر، لأنه يؤدي إلى انخفاض المناعة.

وتكون النتيجة انه ما من أسرة مصرية الآن تخلو من مريض بالسرطان.

< في مصر الآن 2030 تشريعا تتعامل مع منظومة سلامة الغذاء.

وهذه التشريعات تسمح لخمس وزارات بأن تتعامل مع الملف من زوايا مختلفة.

ولدينا في هذا المجال قوانين صدرت في أواخر القرن التاسع عشر (عام 1892) وترتب على ذلك اننا صرنا بصدد منظومة قانونية خارج العصر.

ذلك انها مثلا لا تشير من أي باب إلى «التطهير» و«التعقيم».

في حين لا يمكن تصور سلامة الغذاء بغير تطهير أو تعقيم، كما أن التشريعات الموجودة تتضمن نصوصا لو نفذت لأدي ذلك إلى أضرار أخري.

فقانون الغش ومنع التدليس (صدر في عام 1988) عرّف الغش بطريقة خاطئة إذ قرر ان نزع جزء من المادة الغذائية يعتبر غشا.

وهو ما يجعل منتجات الألبان منزوعة الدسم جريمة، يسري ذلك أيضا على كل الأجبان الموجودة في الأسواق.

كما ان القوانين الموجودة لا تنص على ضرورة حفظ اللحوم في درجات حرارة منخفضة، علما بأن ذلك يعد الآن من أهم متطلبات سلامة الغذاء.

فهمنا من الحوار أن فكرة إنشاء جهاز مستقل تكون مهمته الحفاظ على سلامة الغذاء

وبالتالي للدفاع عن صحة المصريين، تتعثر منذ سبع سنوات،

وان الصراع والتنافس بين وزارتي الصحة والصناعة كان من بين أسباب ذلك التعثر.

فهمنا أيضا أن الرقابة التي تمارسها أجهزة وزارة الصحة لا تفي بالغرض، أولا لأنها تعتمد على القوى البشرية محدودة الامكانيات والموارد

(بدل الانتقال الذي يصرف لمفتشي الصحة يتراوح بين 2 و3 جنيهات في اليوم)

ثم ان الرقابة لا تستخدم فيها وسائل التكنولوجيا الحديثة، ناهيك عن العقبات البيروقراطية التي لا تمكن المفتشين من استمرار مرورهم على المنتجين بصورة دورية ودائمة.

لأن الأمر يتعلق بصحة الناس وأمنهم الغذائي الذي هو في صلب الأمن القومي، فهو ليس مدرجا ضمن اهتمامات أولويات السلطة، وتثار في طريقه ألف عقبة وعقبة.

أما إذا كان تعلق بأمن النظام ومؤسساته ورجاله، فحظه من الاهتمام كما تعلم.

وهو ما يسوغ لي أن أقول بأنه إزاء ذلك فإن استمرار الشعب المصري مع حفاظه على قدرته على المرح والمراهنة على المستقبل ليس له تفسير موضوعي أو عقلي.

ولا سبيل إلى تفسيره إلا بالرجوع إلى التأويلات الغيبية،

كأن نرجع ذلك إلى بركة دعاء الوالدين

أو حراسة أولياء الله الصالحين الذين تحلق أرواحهم في فضاء مصر طول الوقت،

أو إلى كون ذلك في علامات الساعة الصغري التي في ظلها تنقلب النواميس، بحيث يكتب البقاء لمن هو مرشح للانقراض والفناء.

…………….

تمت القراءة 271مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE