الرئيسية > كتاب اللواء > مطلوب تحقيق
إعلان

مطلوب تحقيق

 

فهمي هويدي

هذه واحدة من غرائب القصص التي تدور في مصر خارج السياسة وعلى هامشها،

ما لفت انتباهي إليها تعدد الروايات التي تكفلت بسرد وقائعها،

وكان محور تلك الروايات أن ثمة صراعا داخل أروقة الحكومة حول رخصة الهاتف المحمول الرابعة التي يفترض أن تحصل عليها الشركة المصرية للاتصالات.

وهي الشركة الوطنية التي تعمل في ذلك المجال منذ 160 عاما.

ما سمعته من الرواة أن الشركة تقدمت للحصول على تلك الرخصة في عام 2009 ولكنها فشلت في استخراجها طوال السنوات الخمس الماضية.

وما فهمته أن الشركات الخاصة التي تحتكر سوق المحمول في مصر وتسيطر على 90٪ منه، شكلت قوة ضغط شديدة الوطأة، يشك في أنها عطلت إصدار الرخصة الرابعة بنفوذها القوي في مجالي الإدارة الحكومية والإعلام.

وهذه الشركات ثلاث، واحدة إنجليزية، والثانية فرنسية والثالثة إماراتية.

وهي تحقق إيرادا هائلا من وراء احتكارها السوق المصرية، يقدر بنحو 35 مليار جنيه سنويا.

الخيط الذي شدني إلى القصة كان ما سمعته في أحد اللقاءات عن محاولة انقلاب في الشركة المصرية للاتصالات للإطاحة برئيسها،

وان ثمة خلافا حول الرخصة الرابعة بين الشركات الخاصة والشركات الوطنية المصرية من ناحية،

وبين وزير الاتصالات وبين رئيس الشركة الوطنية من جهة ثانية،

في الوقت ذاته لاحظت أن بعض الصحف الخاصة دأبت على نشر أخبار متفرقة واضح فيها أصابع ونفوذ ما يسمي بـ«لوبي» الشركات الخاصة.

منها ما تعلق بتراجع أسهم الشركة الوطنية في البورصة،

ومنها ما بدا انه إشارة إلى اعتراضات على الشركة الوطنية وإدارتها،

وبعضها هجوم حاد من الشركات الخاصة على دخول الشركة الوطنية سوق المحمول والمشاركة في إيراداته الضخمة.

ما سمعته أثار فضولي وشجعني على تتبع الموضوع الذي وجدته نموذجا يجسد صراعات القوى الحاصل في مصر بين نفوذ القطاع الخاص وسلطات الدولة.

إلا أن أكثر ما أثار دهشتي فيه كان تكبيل الشركة الوطنية بحيث يحظر عليها الدخول كمنافس في سوق المحمول، في الوقت الذي تحتكر فيه الشركات الخاصة الأجنبية تلك السوق، وتحصِّل منها أرباحا هائلة تحول من دخلنا المحلي إلى دخلها الأجنبي في الخارج،

وهو ما اعتبرته موقفا عبثيا لا نظير له في أي مكان بالعالم.

ذلك انه إذا كان مفهوما وغير مستغرب أن تحتكر الشركة الوطنية السوق المحلية وتمنع الشركات الأجنبية من الدخول إلىها ــ رغم ان ذلك لم يعد واردا الان ــ

إلا أنه من غير المفهوم أو المعول أن تغلق السوق على الشركات الأجنبية ويحظر على الشركة الوطنية مجرد منافسة تلك الشركات فيما تقدمه من خدمات للمواطنين.

حين تتبعت القصة وحاولت التدقيق في معلوماتها توالت المفاجآت على النحو التالي:

< تأكدت من أن الصراع قائم ومحتدم في الخفاء، وان «لوبي» الشركات الخاصة يضغط بشدة لمنع إطلاق الرخصة الرابعة التي تدخل بها الشركة الوطنية للمنافسة على سوق المحمول.

< في إطار الاستجابة لتلك الضغوط، فإن وزير الاتصالات قام بتأجيل منح ترخيص خدمات الهاتف المحمول للشركة الوطنية عدة مرات خلال أقل من عامين.

< تم ممارسة العديد من الضغوط على الشركة الوطنية لتتقدم من جانبها بطلب تأجيل الترخيص،

وذلك على الرغم من علم الكافة بحاجة الشركة إلى ذلك،

فضلا عن ان ذلك حقها الطبيعي، وحرمانها منه يشكل موقفا استثنائيا، لا سابقة له ولا مثيل له في أي مكان بالعالم.

< لم تكتف الضغوط التي مورست بعرقلة إصدار الترخيص فقط بحجج وذرائع إدارية عدة، وانما لجأت إلى محاولة ترهيب رئيس الشركة الوطنية الذي تمسك بضرورة إصدار الترخيص ولم يجد مبررا لاستمرار المماطلة في ذلك.

وهذا الترهيب مورس على مستويين،

فمن ناحية جرت محاولة للإطاحة برئيس الشركة عن طريق سحب الثقة منه بوساطة مجلس إدارتها، وهذه لم تنجح.

ومن ناحية ثانية تم تسريب بعض الشائعات التي حدثت عن اعتراضات أمنية على استمراره في منصبه،

وتبين أن هذه الشائعات لا تعدو ان تكون مجرد وشايات كيدية لا أساس لها.

< رائحة الصراع فاحت ووصلت اخباره إلى مستويات أعلى في الدولة، كان قد تم الزج بها في التجاذب الحاصل في إطار ترهيب رئيس الشركة والضغط علىه.

وقد حسم الموقف من هذه الناحية حيث تم تكذيب ما أشيع في هذا الصدد.

وحسمت المستويات الأعلى موقفها بصورة أحبطت محاولة الترهيب التي تمت.

الأمر أكبر من صراع حول الرخصة الرابعة للمحمول. من ناحية لأنه يسلط الضوء على الدور الذي تلعبه مراكز القوى الاقتصادية لتعزيز مكاسبها والدفاع عن نفوذها في ظروف الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر والتي تتوسل فيها تلك المراكز باستضعاف الدولة لتحقيق أهدافها.

الناحية الثانية والأهم ان النموذج الذي نحن بصدده يسلط ضوءا آخر على مفارقة محيرة وخطرة،

إذن حين تبين أن الصراع على السوق حاصل بين الشركات الأجنبية الخاصة وبين الشركات الوطنية المصرية، اكتشفنا ان موقف الوزير في الحكومة المصرية بدا أنه يصيب في صالح الشركات الأجنبية ويتعارض مع مصالح الشركة الوطنية.

إنني أدعو إلى التحقيق في وقائع القضية للتثبت من المعلومات التي أوردتها من مصادر أثق في صدقيتها.

وفي ضوء التحقيق علينا ان نحدد موقفا واضحا ليس فقط من قضية الرخصة الوطنية العالقة، وانما أيضا من كل مسؤول حاول تعطيلها مجاملة للشركات الأجنبية وعلى حساب المصلحة الوطنية. ووزير الاتصالات على رأس هؤلاء.

……………………

تمت القراءة 231مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE