الرئيسية > كتاب اللواء > مبادئ لم تأخذ بها حركات الإصلاح العربية
إعلان

مبادئ لم تأخذ بها حركات الإصلاح العربية

 

صبحي غندور*

مضت عشر سنوات على إعلان “مركز الحوار العربي” في واشنطن لمشروع مبادئ ميثاق فكري عربي حمل عنوان: “من أجل تقويم بنية الحكم وأدائه ضمن الوطن الحالي،وتقويم بنية التضامن وأدائه على امتداد الوطن الكبير”. ففي شهر حزيران/يونيو من العام 2004، جرى إعلان هذا الميثاق الذي ساهم بإعداده عددٌ من المفكّرين العرب المتعاونين مع “مركز الحوار العربي”. وعمل “مركز الحوار” على نشر وإرسال نصّ المشروع لعشرات الألوف من المفكّرين والباحثين والسياسيين والإعلاميين العرب في مختلف دول المنطقة العربية، وبعضهم أرسل ما عنده من رأي وتقييم لهذا المشروع.

وقد تجاوز مشروع “ميثاق الإصلاح العربي الشامل” الأمور الآنيّة التي كانت تشغل العرب آنذاك – رغم خطورتها- كالحرب على العراق، حيث طرح تصوّراً مبدئياً (مترابطاً ومتلازماً في عناصره) لمستقبل أفضل منشود لعموم الأمَّة العربية. وكان الهدف من طرح المشروع وترويج مبادئه آنذاك هو التمهيد لعقد مؤتمر عام يلتقي فيه المؤيّدون لأفكار “الميثاق”، من أجل إعلانه بصيغته النهائية، وأيضاً، لإعداد “مسودة دستورية” لرابطة من أجل “النهضة العربية”، ولدراسة الخطوات التنفيذية وبرنامج العمل المطلوب لتحقيق هذه الرؤى الفكرية في الأمَّة العربية… لكن رغم تجاوب البعض مع الفكرة ومع نصّ المبادئ، فإنّ الخطوات العملية المنشودة لم تتحقّق بعد ذلك.

          الآن، بعد عشر سنوات، تتّضح قيمة هذه المبادئ التي لم تأخذ بها كلّها حركات الإصلاح العربية التي برزت في السنوات الأخيرة، بل على العكس نجد ثمناً باهظاً قد جرى ويجري دفعه بسبب حدوث حركات تغيير دون وضوحٍ كامل في برامجها وأهدافها، أو بسبب سوء أساليب أعمالها. فعسى أن تكون هناك الآن فائدة عربية من إعادة نشر هذا المشروع:

مشروع “ميثاق الإصلاح العربي الشامل”:

من أجل تقويم بنية الحكم وأدائه ضمن الوطن الحالي،وتقويم بنية التضامن وأدائه على امتداد الوطن العربي الكبير.

لتحقيق الإصلاح العربي الشامل، يشخّص الميثاق ستَّ مسائل يتطلب الإصلاح توضّحاً حولها، حسماً لها، التزاماً كاملاً بها، وتفعيلاً لسياقاتها في الخبرة العربية، وهي:

مسألة الهويّة

مسألة العروبة والإسلام

مسألة الديمقراطية

مسألة حقوق المرأة

مسألة المنهج

مسألة نبذ العنف عربياً على الإطلاق.

 

مسألة الهويّة

يحدّد الميثاق رؤيته لمسألة الهويّة بالقناعات التالية:

العرب أمَّةٌ واحدة ينتمون لثقافة واحدة ولخبرة تأريخية حافلة مشتركة.

العروبة ثقافة قومية يتمايز بها العربي بين سائر الثقافات ضمن العالم الإسلامي وخارجه. الانتماء للعروبة أعمُّ بالنسبة للعرب من الانتماء لوطن أو طائفة أو أصول إثنية.

الهويَّة العربية هويّة ثقافية مؤلفة جامعة تتمثل في واقع حال كلِّ عربي أينما حلَّ، وأيّاً كان دينه ونسبه. في هذا النسق، الهويَّة العربية ترعى وتتكامل مع خصوصيات الموطن والدين والعرق، والشخص العربي هو المتشخّص بالثقافة العربية و/أو المتصّل بها كتراث.

يعيش العرب في بلدان متعدّدة تُكوّن في مجموعها “الوطن العربي”. “الوطن العربي” يشكّل تواصلاً جغرافياً وحضارياً، وتكاملاً في الموارد والطاقات.

تكامل البلدان العربية من شأنه أن يزيل أخطر أسباب العجز في الحال العربي: الإرتكاس أمام العدوان الخارجي، التنازع حول الحدود، والإخفاق في الإصلاح والتنمية الداخلية.

الوضع الأمثل للأمَّة العربية يتحقق باتّحاد الدول العربية، كما هي تجربة الإتحاد الأوروبي في الحد الأدنى أو في النموذج الإتحادي الأميركي كطموح أقصى. تحقيق ذلك يتطلّب عملاً دائباً ونشطاً للإصلاح في الداخل، وبناء التضامن الفعّال في مجال العلاقات بين الدول العربية. فالتضامن القومي يمكن أن يتدرّج بالعرب إلى التوحّد دستورياً ضمن وطنٍ اتّحاديٍّ منيع.

 

الإصلاح ومسألة العلاقة بين العروبة والإسلام

يحدّد الميثاق رؤيته لمسألة العلاقة بين العروبة والإسلام بالقناعات التالية:

الحضارة الإسلامية يشترك في الإنتماء لها كل العرب، كيفما كان دينهم أو أصلهم العرقي. الحضارة الإسلامية هي الجامع المشترك للثقافات المتعدّدة في العالم الإسلامي. للثقافة العربية خصوصية مركزية في الحضارة الإسلامية كما اللغة العربية هي اللغة المركزية في الإسلام باعتبارها لسان قرآنه المجيد. في توحّد العرب دعمٌ للعالم الإسلامي، وفي تآلف المسلمين دعمٌ للعرب.

مبادئ الإسلام الخمسة: الحرية – العدل – المساواة – كرامة الإنسان – الشورى، هي مبادئ عالمية تتصّل بها، تُستمدّ منها، وتترتَّب عليها حقوق الإنسان ومستلزمات رعايته. تطبيق هذه المبادئ لا تحدّه اجتهادات أو ممارسات الأولين.

اعتبارُ كلّ المبادئ والقيم الدينية معيناً مرشداً لمهمّة الإصلاح.

الإسلام يرفض الإكراه في الدين، ويعتبر الكرامة للإنسان من حيث هو إنسان.

 

المسألة الديمقراطية

يحدّد الميثاق رؤيته للمسألة الديمقراطية بالقناعات التالية:

لكي يستعيد العربي نفسَه الحضاري، لكي يقتدر على البناء والإبداع، لكي يحيا حياةً حرَّة طيبة، يجب أن تصان حقوقه كإنسان ومواطن في وطنه.

لا تصان حقوق العربي في وطنه في غياب نظام ديمقراطي حقيقي.

يقوم المبدأ الديمقراطي جوهرياً على أسسٍ ثلاثة: منشأ السلطة بالانتخاب، مساواة بين المواطنين، تقرير الشأن العام بأرجحية الرأي. إجرائياً، قد تتغاير التطبيقات الديمقراطية من بلدٍ لآخر، لكن الأسس الثلاثة لا تُمَس.

المبدأ الديمقراطي يقوم على مفهوم المواطنة ويرفض التمييز على أساس جنس أو لون أو أصل عرقي أو منشأ وطني أو انتماء طائفي أو مذهبي.

الممارسة الديمقراطية السياسية السليمة تستوجب تحقيق العدالة الإجتماعية وبناء مجتمع العدل وتكافؤ الفرص والتنمية الإقتصادية الشاملة.

مسألة حقوق المرأة:

يحدّد الميثاق رؤيته لمسألة حقوق المرأة بالقناعات التالية:

مبدأ المساواة بين الناس أصيل لا يُمَس، ويعني التكافؤ بين الناس عموماً في حقوق الإنسان وحقوق المواطنة. نعم، قد يتغاير الاستعداد لدى الرجال والنساء في أداء بعض الأدوار في الحياة، لكن ذلك لا يجيز خرقاً للتساوي بين الجنسين في الحقوق ولا في أهلية تولّي مسؤولياتٍ قيادية.

في التنمية الوطنية للإناث حقّ متساوٍ مع الذكور في فرص التعلّم والعمل والمشاركة السياسة والمدنية في سائر شؤون المجتمع.

 

مسألة المنهج

يحدّد الميثاق رؤيته لمسألة المنهج بالقناعات التالية:

العلم أهم مصادر القوة للأمم، بنموِّه تنمو وبتخلِّفه تتخلَّف. الحال العربي يتطلّب مجهوداً ضخماً لرفع المستوى العلمي عبر الوطن العربي لأجل تمكين العرب من التنافس مع الأمم الأخرى بنجاح في عصرٍ يشكّل العلم فيه أهمّ أسباب النجاح.

يترشَّد اجتهاد الأمة العربية في تقرير شأنها العام بالمنهج العلمي، إذ بغير المنهج العملي لا يتأتّى استنباط بمعرفة وبناء على بيِّنة واهتداء بالتجربة والاختبار، وهي أمور لازمة لسلامة التشريع والتنظيم.

 

مسألة نبذ العنف عربياً على الإطلاق

يحدّد الميثاق رؤيته لمسألة نبذ العنف بالقناعات التالية:

لا يُلجأ إطلاقاً لوسائل العنف لحسم أيِّ خلاف أو اختلاف، مهما بلغ، بين أطراف عربية، سواء على صعيد صراعات سياسية أو اجتماعية أو طائفية ضمن القطر الواحد، أو نزاعات بين أقطار، ففي ذلك خرق لتضامن الأمَّة وهدر لكرامتها، وتمكين للأجنبي من أن يتدخَّل فيفرَّق ويسود.

يُعتبر البادئ بالعنف في أيِّ نزاع عربي-عربي معتدياً، ويُتعامل معه كمعتدٍ، مهما كانت رجاحة حجّته في النزاع.

يُعتبر البادئ بالعنف معتدياً أيضاً على الأمَّة العربية، لأنَّ اقتتالاً عربياً في أيِّما موقع عربي يزعزع الأمن القومي، يريق الدم العربي، ويستنزف طاقات الأمَّة ككل.

لا يجوز للسلطات أن تستخدم العنف في غير القضايا الجنائية، واللجوء للعنف في غير ذلك – سواء من السلطات أو من قوى المجتمع والحركات الشعبية- يمثّل إفلاساً فكرياً وأخلاقياً، وتناقضاً مع القيم الدينية والديمقراطية، ويفتح الطريق أمام الحروب الأهلية والتدخل الأجنبي.

استخدام المقاومة المسلحة في مواجهة الاحتلال العسكري، أياً كان، حقٌّ مشروع ضد جيش الأحتلال على الأراضي المحتلّة فقط، ويُمارَس ضمن توافق وطني عليه. —– حزيران/يونيو 2004

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

Sobhi@alhewar.com

 

تمت القراءة 222مرة

عن صبحي غندور

صبحي غندور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE