أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > مات عبد الناصر والتخلف لم يَمتْ
إعلان

مات عبد الناصر والتخلف لم يَمتْ

 

أحمد إبراهيم مرعوه

إلي من يعيشون (حُلمَ الزعيم) ـ ذلك الحُلم المرير.

حُلم الوهم من زعيم واهم ـ زين له عقله الباطني أنه يضرب إسرائيل وما وراء إسرائيل ـ ثم يرميهم في البحر:

تلك الكلمات التي أتتنا من زعامات وهمية زائفة ماتت ولم تمت تبعاتها ـ لأنها خُيلت للمخدوعين من معاصريه أنها مبارزة في ( فيلم) بين بطل من عضل وآخرين من ورق لا يستطيعون الصمود أمامه لأنه المارد الطويل القامة والمفتول العضلات في آن واحد ـ قوي البطش شديد الدحر بهم ـ لذا سيغرقهم عن بكرة أبيهم ـ ولا أدري أي بحر كان يقصده ـ لأن بضعة أمتار من الماء تمثل للنملة يماً كبيرا!

هكذا أقنعت تلك الزعامات الخاوية شعوبها: بإعلام رخيص في متناول اليد والجيب معا ـ ليبث للمغيبين عن الحياة الدنيا وللمفتقدة قلوبهم ـ وللمغيبة عقولهم من المتعلمين ـ ولفاقدي الوعي من المتثقفين ـ وكبار الأفاقين من المثقفين الذين يحبون عرض الدنيا ـ وعبدة المناصب من كل فئات المجتمع بما فيهم بعض شيوخ الدنيا وشهواتها بعدما عين شيخ الأزهر آنذاك ليدين بالولاء للحاكم بأمر الطغيان وليس لحكم الله ومعهم من الأميين خلق كثير ـ بثا يداعب عقولهم ويغازل خيالهم ليلهب حماسهم فيقدمون علي الانتحار في سبيل الزعيم لا الوطن!

تلك الزعامات التي لم تصمد أمام التاريخ طويلا هي وكل من علي شاكلتها: لم تجلب لشعوبها سوي الهزيمة ـ التي جلبت كل الفقر بأنواعه الكثيرة والمتعددة والتي لا يتسع المقام هنا لشرحها لأنها تحتاج منا أبوابا كثيرة تستغرق وقتا طويلا لتبويبها أبوابا ـ فما ارتبط الفقر بلقمة العيش وحدها كما أقنعونا ـ تلك اللقمة التي جعلوا الناس ينشغلون بها ليلا ونهار سرا وجهارا حتى يحاربوا من أجلها كفارا وفجارا لا حكاما مكروا بهم مكرا وفروا فراراّ!

هكذا صنع الاستعمار من العرب أناسا يسمونهم بالزعماء ـ بهتانا وزورا حتى يًصدقوا في كل ما يزعمون به زعما يخالف الحقيقة فأصبح الفقر والتخلف والأمية والجهل والمرض بديلا عن الحياة الكريمة لأن الدول التي تعيش بها دولا صنفت علي أنها (دول العالم الثالث) التي تُعرف من وقوف الفرد في طوابير خبزها زمنا طويلا.. لينال رغيفا!

وبرغم ذلك لا يسأل أتباع الزعامة هذه أو ذاك أنفسهم سؤالا يعبر لنا من خلاله عن حرية التعبير لديه : لماذا لا يطلق الغرب علي رؤسائه صفة الزعامة هذه وهم الأكثر عطاءً لشعوبهم حتى صاروا أكثر تقدما ورقيا ـ أمْ هو الجهل الذي سيطر علي العقول حتى أقنعهم بمزيد من أكل الفول (الذي زينه الفرعون المقتول) علي أنه أكثر فائدة وأكثر طُعما علي أطعمة كثيرة منها اللحم بأنواعه وأتباعه ومن أقتدي به طعاما ـ والسمك بأقرانه ـ والدهن بملمسه الناعم حتى أمروا الفن (الذي لا يُفن في بلادنا إلا في الشر المتمثل في العري من كل شيء حتى العلم والدين والفكر واليقين) وكنا نحسبه يقف عند ذلك لكننا وجدنا في تراث السابقين كلمات حسبت علي زمن الزعامة للنعامة:

غناها الزعيم الغنائي / سيد مكاوي

للحبيب الغالي الفول: الذي تضطرب المِعدُ لوصوله أعواما طويلة ـ المُهم غني لأجله أغنية يصنع من الفول كم صنف     :الفول والطعمية والبصارة ـ وفرح الفول لذلك: لأنه بأغنية واحدة صار علاجا لم يكتشفه إلا عباقرة مصر ـ وفرح فقراء مصر لطعامهم المليء بالفيتامينات السوسية المقاومة للاستعمار الخارجي الذي يحاول غزو الجسد المصري المسجي تحت خط الفقر والجهل والتخلف ـ وفرح الجميع للاختراع المصري الأزلي الذي لا تنازعها فيه أي دولة متقدمة في القمة والشطارة ـ وفرح العرب لذلك لأن مصر اليوم في عيد ـ وبرغم أن هذا الأعلام الذي ما غني أتباعه للحم يوما ما حتى لا تنزعج مِعدُ الفقراء فتثور علي المخربين في الأرض ـ ظل يصور للناس أن عبد الناصر ليس عبد الناصر الذي يعرفونه فقط ـ بل هو الناصر صلاح الدين ـ برغم الخزي والعار الذي يلحق بالعرب والمسلمين لاحتلال فلسطين.

فسأل المثقفون أنفسهم: أين إذا قدسك يا فلسطين؟

فصودرت كتبهم وقصفت أقلامهم ـ وتغيب منهم من تغيب وفُقد من فُقد ـ ومنهم قضي نحبه (إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون).

لكن هذا الإعلام ظل يروج لضرب إسرائيل وما وراء إسرائيل:

حتى ضربت إسرائيل وما خلفها الجميع ابتداء من عام 1967 والقضية كلها معروفة لا تحتاج الإعادة ـ لأن الاستعمار رسم لها قبل رحيله حدودا كانت هي بمثابة القول الفصل في بعضها ـ وفي الأخريات ظلت معلقة تنشب بسببها حروبا طويلة كلما اقترب منها أي طرف لتعديلها ـ وهذا هو المطلوب ليعود الاستعمار من جديد برغم بقائه علي الحدود الخفية للدول كالعفريت النائم تحت الركام ـ ليفتت علي إثر ذلك دول العرب من جديد إلي دويلات صغيرة متناحرة فيما بينها ابتداء من حدود رسمها لها قبل الرحيل ـ ومازالت تأتي التبعات علي أيد من يجندونه من حكام العرب بقصد أو دون قصد منها ومنه ـ وقضية اليمن سابقا من الأحداث ليست ببعيدة وقصة عبد الناصر فيها معروفة ـ تلك الدولة التي يعاودها الصداع المرير ما بين آونة وأخري تباعا تباعا بسبب علي عبد الله طالح الذي سار علي ضرب زعيمه عبد الناصر الخاسر في كل شيء ـ وضاعت فلسطين ومازالت تضيع البقية الباقية منها بعدما قننتها حرب 67 ـ وضاعت الجولان ومازالت ترضخ تحت وطأة الاحتلال ـ وضاع لواء الإسكندرية من سورية وضُم لتركيا (فأسمته الأسكندرونة) وكادت أن تنشب حربا بين سوريا وتركيا بسببها منذ وقت قريب مضي بعدما حاول الأسد الصغير مجرد المحاولة عند توليه الحكم المغتصب من الشعب عن طريق أبيه الذي صنعه عبد الناصر الخاسر ـ وكشرت تركيا عن أنيابها ـ فسارع المخلوع المبارك/ حسني وطيب خاطرها بكلمتين من هنا وهناك ثم هدأ الأسد الصغير بكلمتين لأنه مثل ابنه الذي يعده للحكم خلفا مثله تماما ـ ولم يصنع مبارك ذلك حبا في الأسد وأشباله ـ لكنه كان بمثابة الحكيم الذي صنعه الغرب ليكون (المهدئ السحري لكل حكام العرب) عندما تظهر أي نزعات قومية تستلزم التأسد الحقيقي أو حتى التأسد الوهمي الذي تثور بسببه العاطفة من حين لآخر كلما حاول أي حاكم عربي أن يُظهر لنا أنه سيثور لحقوق وطنه أو للقضية الفلسطينية فيستلزم منه أن يضرب (إسرائيل وما وراء إسرائيل) نعم (مبارك كان هو المنوم المغناطيسي الكبير) الذي نام علي يديه من كان ينوي أن ينتحل صفة زعيم الحداثة ـ أو زعيم العولمة الجديد ـ فنامت الشهامة بين العرب تباعا تباعا وما زالوا نيام إلي أن يقوم يوم الأنام ـ وفي المقابل ضاع حلم التوريث لدي مبارك الذي تنازل من أجله عن كثير من حقوق الأمةّ العربية التي ابتلت به عندما حاول انتحال صفة الزعيم الحكيم ولو من باب الحكمة الجديد!

ـ إذا هي الزعامة القديمة التي لم تجلب لنا سوي الهزيمة أو النكسة أو النكبة : التي تسببت في إضاعة سيناء سابقا فضاعت معها الكرامة لعهود سابقة كانت فيها الزهور في بلدان أخري يانعة باسقة ـ تلك الزعامة التي لم تكن لها أقداما واثقة ـ ولا خطوات واضحة ثابتة ـ ولا كانت تقف علي أرض صُلبة بها اقتصاد قوي تدعمه الصناعات العسكرية ذات التقنية الفائقة ـ ولا كان هناك جيش مدرب مزود بجنود أكثرهم من المتعلمين المثقفين الذين يقدرون متطلبات الوطن ـ ولا كانت هناك بنية تحتية مجهزة تصمد طويلا أمام تحديات الحرب التي لا تنفجر مجاريها وأول قذيفة ـ ولا كانت هناك زراعة تكفي احتياجات الدولة ـ وما كانت هناك صناعات تغطي احتياجات البلد وتصدر الفائض منها لتحويله إلي عملة صعبة تستورد بها ما لم تنتجه أو تحتاجه في حربها ـ وما كان هناك شركاء للحرب نعلمهم ـ ولا حلفاء نتذرع بهم ـ فعلي أي شيء كان هذا الخاسر يعتمد …

سيقول لك المخلفون من الأعراب ـ أنه كان يعتمد علي الله ـ سنقول لهم كلا لم يكن ـ لأنه لو كان يعتمد علي الله لكان أعد لهم ـ لكنه لم يكن كذلك ـ لأنه كان سلطوي التفكير لا يرجع لمشورة أحد لظنه أن الكلام يخيف ـ ونقول له لو كان الكلام وحده يخيف دون عُدة لكان أخافهم كلام الله منذ نبي الله موسي ووصولا بخاتم الأنبياء محمد ـ وكفي قول الله في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم

( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) صدق الله العظيم ـ سورة الأنفال

إنها كانت الكلمات الخواء وبالكلمات وحدها لا تستطيع أن تخرق الأرض الجوفاء فيخرج منها الماء الذي تستطيع أن تمشي عليه حيثما تشاء لتصل إلي أرض جرداء فيخرج الزرع ويدب فيه النماء فتخجل دول الجوار فتمشي علي استحياء لأن الجارة الكبيرة كثر فيها العطاء بعدما قادها الزعماء.. لأنك لا تستطيع أن تنشر الشهامة المزعومة والملغومة بكرامات وكلمات زائفة أذاقت الشعب المصري ومعه بقية دول العرب ويلات المرارة والحرمان بل والحزن والأسى ومازال الشعب المصري يئن لفقد سبعين ألف من الشهداء من جراء (حرب الأيام المعدودة والمحدودة) التي احتارت الأكاديميات العسكرية ومراكز الدراسات الإستراتيجية العالمية إلي الآن في تسميتها ـ أهزيمة تسميها بكل مآسيها ـ أم نكبة تسميها بكل بلاويها ـ أو نكسة تسميها بكل مخازيها ـ لقد احتار الكل فيها فأصبحوا يدققوا في الكلمات ومعانيا فالكل ما زال يعانيها ـ لأن عبد الناصر مات والمرارة لم تمت حتى وصلت إلي السودان فتفتت إلي دولتين وأخاف أن تنبثق منها الدولة الثالثة ـ وعادت الصومال إلي الجاهلية الأولي بعدما عادها العصر الحجري ـ فانتشر العري ودب الفقر فيها وأصبح الجوع هو البصمة الرئيسية بدولة كانت تصدر اللحوم بوضح الشمس وتحت ضوء النجوم ـ واستنفرت الحبشة بسدها بعد أن كشرت عن أنيابها بإيعاز من إسرائيل وما ورائها ـ وضاع العراق لسبب بسيط هو أن صدام حسين الزعيم الركن المهيب حاول أن يقلد عبد الناصر في (مشيته) وضاع اليمن علي يد علي عبد الله طالح الذي كان يمط رقبته إلي عنان السماء والكل يقبل يده ـ وضاعت ليبيا لنفس السبب عندما قلده القذافي الذي عينه عبد الناصر الخاسر ليقذف شعبه بكل القذائف ـ هكذا فعل عبد الناصر وكل من حاول أن يقلده في شعوبنا العربية التي خسرت العروبة علي يديه أشياء كثيرة أولها الكرامة بسبب الزعامة الكلامية التي طبلت لها قنواته الإعلامية بغير الحقيقة لإسقاط طائرات العدو ـ بينما كانت تُقصف طائراتنا علي أرض المطارات فتنشرها كل دول القارات!

الكاتب/ أحمد إبراهيم مرعوه

عضو نادي الأدب بأجا سابقا ـ وقصر ثقافة نعمان عاشور بميت غمر.

(من سلسلة المقالات الفكرية ـ للكاتب) 2/11/2014 فيينا

تمت القراءة 308مرة

عن أحمد إبراهيم مرعوه

أحمد إبراهيم مرعوه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE