الرئيسية > كتاب اللواء > لماذا ضرب الحوثيين ضرورة ستراتيجية وعظمى ؟ / ج2
إعلان

لماذا ضرب الحوثيين ضرورة ستراتيجية وعظمى ؟ / ج2

صلاح المختار

اذا عرف السبب بطل العجب
مثل

3- بريطانيا مهندسة الخطة الجهنمية لابقاء العرب ممزقين وممنوع عليهم التوحد في كيان قومي واحد وضعفاء وعاجزين عن استيعاب واستخدام التكنولوجيا والعلوم الحديثة والتي اصدرت وعد بلفور تنفيذا لكل ذلك كانت تعرف جيدا بان هناك صراعات قديمة وعميقة بين العرب في العراق والفرس وان التاريخ زخر بحروب واحتلالات متبادلة بين العراقيين والفرس سالت فيها دماء غزيرة وانتجت ثأرات متجذرة في النفوس ، ولهذا فتقوية بلاد فارس من قبل بريطانيا بضم الاحواز اليها لتكون قوة معتمدة ذاتيا على مواردها في التوسع والعدوان على العرب كان مقدمة لابد منها وخطوة استباقية لاشغالهم بازمات وحروب مع بلاد فارس واستنزافهم وقتل كل امل للعرب بتحرير فلسطين او تحرير ثرواتهم من السيطرة الاستعمارية او تحقيق الوحدة العربية .

وتلك حقيقة تاريخية معروفة وليست استنتاجات منا بل هي مقررات ( لجنة الاستعمار ) التي شكلتها بريطانيا في بداية القرن العشرين لوضع خطة تضمن منع العرب من التحرر وتحقيق الوحدة العربية وامتلاك التكنولوجيا الحديثة . اسرائيل الشرقية بأنشاءها بهذه الطريقة في العشرينات من القرن الماضي كانت عبارة عن كيان ملغوم ببذور الحرب والعداء للعرب ولهذا فان رضا بهلوي شاه ايران بدأ العدوان على اراضي ومياه العراق وضم الاحواز بقرار بريطاني . اما ابنه محمد رضا بهلوي فقد توسع في سياسة الغطرسة الاستعمارية واعتمد كوالده على الغرب ولكن هذه المرة على امريكا بعد غروب شمس بريطانيا واخذ يتوسع على حساب العرب كما فعل والده فاحتل اجزاء من العراق ثم احتل الجزر العربية التابعة للامارات العربية المتحدة واعلن بلا مواربة ان المنطقة كلها منطقة نفوذ للفرس .

لكن الشاه فشل لانه قومي متعصب وتعصبه القومي الفارسي هذا انتج مضادا قويا له في الوطن العربي وهو رفض العرب لاسرائيل الشرقية وشملت تلك الحصانة العرب كلهم شيعة وسنة فلم ينجح في اداء دوره المطلوب وهو التغلغل في الاقطار العربية واختراقها وتمزيقها كي تقع تحت نفوذ الفرس . ومن يريد ان يخرج باستنتاجات سليمة حول ما يجري الان عليه تذكر هذه الحقائق المعروفة .

4- ما العمل لاكمال المخطط الاستعماري – الصهيوني بواسطة اسرائيل الشرقية والذي توقف نتيجة لهوية الشاه القومية وعنجهيته العنصرية المفرطة واللتان استفزتا العرب وجعلتهم محصنين ضد اي توسع فارسي ؟ كان الحل بنظر الغرب هو تغيير النظام وتنصيب نظام بديل يملك شروط ممارسة التأثير داخل الوطن العربي خصوصا في العراق ودول الخليج العربي حيث مكمن الثروات الهائلة والمياه الوفيرة .

وهنا بيت القصيد : البديل كان يجب ان لا يكون غريبا في هويته الظاهرية عن العرب كي ينجح في دخول البيت العربي ، ولهذا اختير الملالي ليكونوا حكاما لايران لانهم يتبرقعون باسم الاسلام والتشيع وهما عنوانان لهما انصار كثر عربيا لان الاسلام دين الاغلبية ، وبناء عليه كان يجب التخلص من الشاه وجاء الملالي للحكم في ايران وفي نفس الاطار الستراتيجي العتيق وهو اكمال مخطط انشاء اسرائيل الغربية وتوفير ضمانات بقاءها بانشاء اسرائيل الشرقية القوية والمتحالفة مع اسرائيل الغربية مباشرة او ضمنا لاجل ابقاء العرب معرضين لتهديدات وازمات مع الجارة الشرقية لهم تشغلهم عن المواجهة الفعالة مع اسرائيل الغربية .

5- كيف كان الوضع الستراتيجي الاقليمي قبل ايصال خميني للحكم وكيف اصبح بعد استلامه له ؟ الجواب على هذا السؤال هو جوهر الموضوع كله وتذكره سوف يحل كافة اشكالات فهم اسباب الدعم الغربي الصهيوني لنظام الملالي في طهران رغم كل شعاراته المعادية لهما . سجل التاريخ الحديث ان وصول خميني للحكم في اسرائيل الشرقية كان حدا فاصلا بدقة بين مرحلتين مختلفتين في الوطن العربي والمنطقة والعالم ، المرحلة الاولى ابتدات منذ انشاء اسرائيل الغربية في فلسطين وكان الصراع الاساس فيها هو بين حركة التحرر الوطني العربي والصهيونية والاستعمار الغربي الداعم لها ، اما الصراعات الاخرى فكانت ملحقة وثانوية ، اما المرحلة الثانية فهي التي اتسمت بتغيير الاولويات في الوطن العربي منذ عام 1980 واعتبار المحافظة على الوطن والهوية القومية هي المهمة الاساسية بعد ان فجر خميني حروبا طائفية واستعمارية .

من حرب عام 1948 وحتى حرب اكتوبر عام 1973 كانت الحروب والازمات والصراعات مرتبطة بتوسعية الكيان الصهيوني ونضال العرب ضده من اجل تحرير فلسطين ولهذا كانت اول سمات الاصطفاف السياسي كله هو انه اصطفاف وطني ينتمي فيه المواطن العربي الى حزب او جماعة بصفته مواطنا عربيا وليس بصفته منتميا لدين او طائفة او اثنية ، وبناء عليه فان الاحزاب الوطنية العربية خصوصا في العراق وطنية وقومية ويسارية كانت تعتمد اساسا على الهوية الوطنية ويجسدها مبدأ المواطنة المتساوية ورفض تغليب الانتماء الديني والطائفي والاثني عليه لانها تعدها قضايا خاصة وهي جزء من مكونات ثقافة ومعتقدات الامة والشعب لكنها نتاج مرحلة ما قبل الوطنية والامة ولهذا فانها لا يجوز ان تطغى على الرابطتين الوطنية والقومية العربية . ومتانة الرابطة الوطنية كانت نتاج تلك الحقيقة .

بعد ايصال خميني للحكم تبدل الصراع جذريا فبدلا من مواصلة حركة التحرر الوطني العربية بكافة قواها ونظمها نضالها ضد الكيان الصهيوني والاستعمار الداعم له فانها اضطرت رغما عنها لتحويل جهدها لمواجهة خطر التوسع الفارسي الجديد المتستر باسم الدين ( نشر الثورة الاسلامية ) اولا ثم باسم الطائفة ( حماية الشيعة في الوطن العربي ) ثانيا .

كانت الدعاية الايرانية ومازالت تثير النزعات والفتن الطائفية كوسيلة تستخدمها ضد القوى الوطنية العربية خصوصا في العراق والذي كان موقف خميني منه معروفا ومشهورا لانه قام على شعاره السيء الصيت ( تحرير القدس يمر عبر تحرير كربلاء وبغداد ) . وبتقديم شعار اسقاط النظام الوطني في العراق على شعار ( الموت لامريكا واسرائيل ) انقلب الوضع الستراتيجي جذريا في كل المنطقة وجر بقية العالم الى الرضوخ لنتائج الانقلاب .

هذا الانقلاب الستراتيجي الخطير الذي قام به خميني واتباعه اجبر كافة القوى الوطنية العربية على تغيير توجهاتها الاساسية فبدلا من مواصلة تخصيص جهدها وجهادها لمقاتلة الصهيونية وداعميها الدوليين والاقليميين اضطرت لاعادة توجيه مواردها لمواجهة خطر الغزو الفارسي تحت غطاء الدين والطائفة . ومنذ عام 1980 اصبحت الصراعات المتعاظمة تدريجيا – وبدعم غربي صهيوني واضحين – في الوطن العربي خصوصا في المشرق العربي هي الصراعات الطائفية التي غطت على صراعات التحرر الوطني والبناء الاجتماعي . في هذه المرحلة برزت لاول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني ظاهرة بالغة الخطورة لم تكن موجودة وهي تمتع اسرائيل الغربية بامان طويل بعد تحررها من تخصيص الجهد العربي العام لمواجهتها .

اذن وفي ضوء هذه الحقائق الميدانية المعروفة لابد من طرح السؤال التالي : من هو المسؤول عن هذا الانقلاب ؟ ومن المستفيد الاول منه ؟ ومن المتضرر الفعلي من اثاره ؟ المسؤول هو من رفع شعار ( تحرير القدس يمر عبر تحرير كربلاء وبغداد ) والذي ادى الى شن الحرب على العراق واجبر الاطراف الاخرى على التحوط والاستعداد للمعارك الجديدة . اما المستفيد الرئيس منه فهو اسرائيل الغربية والغرب الاستعماري فاسرائيل الغربية تمتعت باطول فترة هدوء نسبي ومطلق لها بسبب انغماس العرب في الدفاع عن انفسهم ضد غزوات اسرائيل الشرقية ، بينما الغرب الاستعماري عزز اقتصاده باموال السلاح الذي باعه للمتحاربين او المستعدين للحرب دفاعا عن انفسهم .

ان تخلخل الاقتصاد العربي بسبب التسلح واستنزاف الازمات مع الفرس وحصول شروخ طائفية اضعف العرب وانكشفوا امنيا بقوة ، وهو ما جعل الكثيرين منهم يطلبون الحماية الخارجية نتيجة عدم استعدادهم للحرب او لعدم توفر شروط خوضها ، وهكذا فان النفوذ الاستعماري تعزز وتوسع بقوة في الوطن العربي وتنامت مكاسبه بينما عاشت اسرائيل الغربية عصرها الذهبي بفضل الحروب التي اعلنها خميني واتباعه ضد العرب وتفجيره للفتن الطائفية .

ولكي نكمل الصورة الخاصة بمن كان المخطط للحرب والصراعات في المنطقة لابد من العودة للايام الاولى لاستلام خميني للحكم ، ففي مقال مهم للكاتب الفلسطيني الاستاذ نبيل ابو جعفر ذكر حادثة لها معان كبيرة جدا فعندما زار وفد منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أبو عمار طهران بعد خمسة أيام من سقوط الشاه للتهنئة بنجاح الثورة ، سمع أعضاؤه الخمسة جملة من الغرائب التي طرحها خميني عند التقائه بهم ….

بعد تداول كلمات التهنئة والترحيب في مثل هذه المناسبات صمت خميني لفترة ثم سأل الحاضرين : أود أن أسألكم سؤالا وأريد أن يكون جوابكم عليه صريحا ومحددا ، ثم تابع الكلام : إذا اندلعت حرب بيننا وبين أي بلد عربي ، مع من ستقفون ؟ صمت الجميع ، ورد عليه أبو عمار بكلام دبلوماسي آملا بملخصه أن لا يحصل ذلك على الإطلاق .

لكن خميني عاد إلى طرح السؤال وأصر على تلقّي الجواب الصريح ، فما كان من أبو عمار إلا أن طلب من أحد أعضاء الوفد ـ وكانوا خمسة ـ أن يُجيب عليه ، فقام بتكرار ما قاله أبو عمار بأسلوب آخر، غير أن خميني عاد إلى إصراره . عندها جاءه الجواب من عضو الوفد نفسه : نقف مع العربي . وهنا اسودّت الدنيا في عينيّ خميني الذي لم يُخفِ منذ الأيام الأولى لقدومه نواياه . وها نحن نرى الآن إحدى صورها الجديدة في اليمن بعد العراق وسورية ولبنان . ) انتهى الاقتباس . هذه الحادثة تؤكد بأن خميني منذ ما قبل الوصول للحكم كان يريد شن حروب على العرب وليس حربا واحدة .

اما الحادثة الاخرى فكانت مع المرحوم ياسر عرفات ايضا فبعد ان تصاعد التوتر بين العراق والنظام الجديد في طهران نتيجة تطبيق شعار تصدير الثورة والعمل الفعلي لاسقاط النظام الوطني في العراق قام عرفات بزيارة وساطة لايقاف التدهور في العلاقات بين العراق والفرس وعندما استقبله خميني وطرح عرفات ضرورة التفاهم مع العراق سلميا وتجنب القوة خدمة للقضية الفلسطينية جاء رد خميني الواضح عندما قال لعرفات ( نحن لانقبل بالحياد بيننا وبين نظام العراق فاما انتم معنا ضده او معه ضدنا ولا نقبل الحياد ابدا منكم )

وقال نفس الكاتب الاستاذ نبيل ابو جعفر ما يلي : ( وصية خميني يحاولون تنفيذها الآن!

ماذا يعني استمرار هذه الوضع الذي “شرّع” خميني نهجه قبل ثلاثين عاما في بنود وصيته الجنونية التي تصدّرت غلاف مجلة الدستور اللبنانية – اللندنية الصادرة مطلع آب 1983، بقوله نصا : “عندما تنتهي الحرب مع العراق علينا أن نبدأ حربا أخرى. أحلم أن يرفرف علمنا فوق عمان والرياض ودمشق والقاهرة والكويت..! )

اذن خميني باصراره على اسقاط النظام الوطني في العراق وممارسة اعوانه عمليات ارهابية واسعة النطاق داخل العراق وتطلعه العلني لرفع العلم الايراني فوق عواصم عربية – وذلك لا يمكن ان يتم بدون الحرب والغزو – احدث انقلابا هو الاخطر في تاريخ المنطقة والذي مازلنا نعاني من اثاره المتزايدة مأساوية وقوة كما نراه في اليمن وهي اخر محطات التوسع الاستعماري الايراني بواسطة الحوثيين .

وهذا الانقلاب اتضحت نتائجه الفعلية وابرزها استنزاف العرب ماديا وبشريا واجبارهم على التركيز على الدفاع عن النفس بدل مواصلة الضغط وبكافة الوسائل على اسرائيل الغربية من اجل استعادة الحق العربي الفلسطيني كاملا . كل الظواهر السلبية في الوطن العربي حاليا والمتعلقة بالحروب والفتن الطائفية ثمرة مباشرة لسياسة خميني التوسعية الاستعمارية والتي خدمت مباشرة اسرائيل الغربية والدول الاستعمارية والحقت ضررا فادحا وغير مسبوق بالامة العربية .

Almukhtar44@gmail.com
 ٤ / نيســان / ٢٠١٥

تمت القراءة 225مرة

عن صلاح المختار

صلاح المختار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE