لا تتجرعوا الاصطفاف .. الإصطفاف فيه سم قاتل .. !!

جميل جدا أن يصطف الجميع ويتوحد الكل أثناء الصراع خلال الثورات علي أهداف واحدة ، ولكن ما هي تلك الأهداف التي يجب أن يصطف الجميع الآن حولها في مصر ، بعد أن تمخضت ثورتها في 25 يناير عن شرعية منتخبة ” رئيس ، ودستور ، وبرلمان ” ، ثم انقلب العسكر والخونة العملاء علي كل تلك المكتسبات الثورية ، وألقاها الجهلة السفهاء كما يلقي أحدهم أوراق التوالييت بعد الاستخدام ..؟!!

أيمن الورداني

أيمن الورداني

فكما قيل أن الشيطان يكمن في التفاصيل ، ولا شك أن تفاصيلا كثيرة ستثار من هنا وهناك حول الأرضية المشتركة التي يجب أن يصطف الجميع حولها .
ولذلك يجب أولا أن يتجرد من يريد الاصطفاف ويدعو إليه تماما للحق ، وليكن مع الحق أينما كان ، ويدور معه حيثما دار ، حتي لو كان علي غير هواه ، والناظر في مصر وأحوالها الآن يجد أن حقوقا كثيرة قد أهدرت ، ومكتسبات جمة قد ضُيعت ، وآمالا عريضة قد أجهضت في أول حملها ، وكل ذلك الإهدار والضياع والإجهاض ، أصبح واقعا ملموسا بعد الانقلاب علي الشرعية المنتخبة بأركانها الثلاث – ” رئيس ودستور وبرلمان ” – وأي اصطفاف يتحدث عن استرجاع هذه الحقوق المهدورة ، والرجوع لأهداف ثورة 25 يناير ، دون التأكيد بكل صراحة ، وبكل قوة ، وبصوت عالٍ علي عودة الشرعية المنتخبة كاملة هو عبث وهراء ، وتضييع للوقت ، وتفويت للفرص ، وتمكين أكثر للانقلاب .
نلاحظ كثيرا أن أهل الاصطفاف عند حديثهم عن الأهداف التي يدعون الجميع للاصطفاف حولها ، أنهم يركزون كثيرا علي العودة لأهداف ثورة 25 يناير من ” عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية ” ، فيذكرونها باستمرار وبصوت عالٍ ، وحجتهم في ذلك أن الجميع يتفق عليها دون خلاف ، ولا يذكرون شيئا صريحا عن عودة الرئيس الشرعي والشرعية المنتخبة ، وإن تحدثوا عن عودة الشرعية لا يتحدثون عنها إلا همسا ، لا يكاد يحس بهم من أحد أو يسمع لهم ركزا ، وكأن الحديث عن عودة الشرعية حديث مخجل ، يخجل صاحبه أن يتحدث عنه بصوت عال ٍ ، فدائما أهل الاصطفاف في أحاديثهم يفصلون بين ثورة 25 يناير وأهدافها ، وبين ما تمخضت عنه من مكتسبات ومستحقات وأهمها الشرعية المنتخبة ، وكأنهم يتعمدون عند حديثهم عن الاصطفاف والتوافق وما شابههما أن يفصلوا بينهما ، ربما يكررون ذلك الفصل لكي يقررونه من باب ما تكرر تقرر .
وفي الحقيقة أن مثل هكذا أحاديث ، ومثل ذلك الاصطفاف إنما هو سرقة للثورة ، وإجهاض حقيقي لما تمخضت عنه من حقوق ومكتسبات ؛  بل سم قاتل سيفضي بنا جميعا نحو الموت، بلا عزة وكرامة ودون ثبات علي الحق حتي النهاية .
ولذلك نقول لمثل هؤلاء المصطفين ونؤكد لهم إن الانقلاب علي الشرعية المنتخبة ، هو في الأصل انقلاب علي ثورة 25 يناير ، فلا يجب أن نفصل بين ثورة 25 يناير ، وبين الشرعية المنتخبة ، فتلك الشرعية إنما هي وليدة هذه الثورة ، وهذه الثورة إنما هي أم لتلك الشرعية ، لا يستقيم بأي حال الفصل بينهما ، والسؤال الملح هنا لماذا يصر المصطفون إلي العودة حتي 25 يناير 2011 .. لماذا لا نعود إلي يوم إعلان الرئيس محمد مرسي رئيسا .. أليس ذلك حقا ويضمن لنا تحقيق أهداف ثورة 25 يناير أكثر ..؟!!
أخشي أن تكون الإجابة وربما هي كذلك ، هي التعصب للايدلوجيات والمرجعيات الفكرية ، دون إظهار ذلك صراحة منهم ، ولكنه يظهر كثيرا في لحن تغريداتهم ، وأقوالهم ، ومواقفهم ، وأحيانا بياناتهم الكثيرة ، والتي لا تذكر بحسم واضح وصريح في بنودها عودة الرئيس الشرعي المنتخب والشرعية كاملة .
وكأني بهؤلاء استكثروا حقا علي تيار مرجعيته إسلامية ، أن انتصر في انتخابات شرعية رئاسية وبرلمانية وغيرهما ، ولذلك إن الاصطفاف في ظل وجود هذا الصراع الايدولوجي والفكري الدفين ، إنما هو سم قاتل لا يجب أبدا أن نتجرعه ، إلا إذا رجع الجميع للحق البين الواضح ، واقتنع به قناعة كاملة صريحة ، دون تدليس أو مواراة ، واتخذوا جميعا من أرضية الإسلام المشتركة ، مرجعية للجميع يطرح عليها أفكاره ومعتقداته الفكرية ومرجعياته السياسية ، فما توافق منها مع منهجية الاسلام فبها ونعمة وما اختلف منها مع المرجعية الاسلامية فليضرب به عرض الحائط .
ولا شك الآن أن الثورة وشرعيتها المنتخبة في معركة صفرية مع انقلاب غاشم ، وفي المعارك الصفرية لا تصلح المفاوضات ولا تنجح المساومات ، فإن المفاوضات والمساومات في ظل صراع ثوري صفري ؛ إنما هو بداية حقيقية لسرقة الثورة وتحجيمها واحتوائها ثم القضاء عليها ، فهكذا علمنا تاريخ الحركات الثورية في مصر .

وأخيرا نقول بأن ما يحدث الآن في واقع الأمة الاسلامية كلها ، وليس في مصر فقط من أحداث جسام ، يستوجب علينا جميعا أن نصطف في هذه المعركة الصفرية ، ولكن يجب أن يقف الاصطفاف في المعارك الصفرية علي أرضية مشتركة ومرجعية واحدة ، ونظرا للأحداث الفارقة والمنعطف الخطير الذي تمر به الأمة الإسلامية الآن وليس مصر فقط ، والتي تشير لنا بوضوح بأن حدثا عظيما جللا سيحدث لهذه الأمة بل للعالم أجمع ، ولن يجدي مع هذا الحدث رفع رايات متعددة سامة ، أو ايدلوجيات متباينة مستوردة ” لا علمانية ، ولا ليبرالية ، ولا قومية ، ولا شرقية ولا غربية ” ، ولكن النافع المجدي مع هذه الاحداث هي راية ومرجعية واحدة ، ألا وهي ” إسلامية .. إسلامية ” ، ولذا يجب أن تكون مرجعية الجميع ” إسلامية ” ، وتكون هي الأرضية المشتركة التي يقف عليها المصطفون ، فإن لم يكن كذلك فلا تتعبوا خيلكم في الركض وراء اصطفاف يحمل سموما قاتلة ورايات منحرفة ، فالانتصار الحقيقي في المعارك الصفرية ، يعني أن تقضي علي عدوك تماما ، ولا تبقي في صفك من إذا خرجوا معكَ ما زادوكَ إلا خبالا .
فاحذروا الاصطفاف الذي لا يقف علي أرضية إسلامية واحدة ، ولا تتجرعوا مثل هذا الاصطفاف من أجل الوطن ، لا تتجرعوه من أجل الأمة ، فالاصطفاف فيه سم قاتل .

بقلم : أيمن الورداني ..

كاتب وصحفي ومصري
Email : Ayman.w1997@yahoo.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *