الرئيسية > كتاب اللواء > كيف يطيب للسوريين، أن يتمتعوا بالحج وإخوانهم يموتون جوعاً؟!
إعلان

كيف يطيب للسوريين، أن يتمتعوا بالحج وإخوانهم يموتون جوعاً؟!

 

المصيبة الكبرى.. التي تفتت الأكباد.. وتمزق الفؤاد.. أنه لا يزال كثير من السوريين.. لم يتعلموا الدرس.. بعد..   ولم يغيروا ما بأنفسهم شيئاً.. حتى يغير الله أحوالهم.. حسب وعد الله الصادق:

د . موفق السباعي

( إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ ) الرعد 11

بالرغم من أنني:

ومنذ بداية الثورة الشامية.. وأنا أكتب.. مقالات عديدة.. أسلط فيها الضوء على سلوكيات.. وتصرفات بعض السوريين..

بقصد الإصلاح.. وتطهير النفوس من أدرانها.. وأوشابها.. واستخراج الخبث.. والدغل.. من صدورهم..

وما كنت – يشهد الله – أبتغي التشهير بهم.. أو تشويه سمعتهم.. أو نشر عيوبهم.. ومساوئهم..

معاذ الله.. وأنا واحد منهم..

وأنا أعلم.. أن هذه الرسائل.. تفرح الأعداء.. وتغيظ الأصدقاء.. وتحزن المؤمنين…

ولكن:

السوريين.. قد تشتتوا.. وتفرقوا.. وتهجروا.. وتبعثروا في أرجاء المعمورة..

ولا يوجد طريق لإيصال هذه الرسائل.. إليهم مباشرة.. إلا عن طريق هذا المنبر المفتوح..

ومما يدمي الأفئدة.. ويملأ النفوس حزناً وأسىً..

تلك الطامة الكبرى.. التي يعجز الإنسان عن وصفها.. ويقف القلم محتاراً كيف يكتبها.. وبأي لغة يسطرها!!!

أنفق بعض السوريين.. اللاهثين وراء المظاهر.. والسمعة.. والشهرة.. والرياء.. عشرات الملايين من الدولارات لرحلة الحج..

ما استفاد منها.. إلا شركات الطيران.. وعبيد.. وخدم آل سعود فقط!!!

أما هم.. فرجعوا بالخزي.. والخسران المبين..

وجوههم كالحة.. وأفئدتهم ميتة.. وضمائرهم مقفلة..

ودعوات الفقراء.. والمحتاجين.. تطاردهم في غدوهم.. ورواحهم..

لا بارك الله.. حجكم..

ولا شكر.. سعيكم..

ولا تقبل.. دعواتكم..

ولا ردكم.. سالمين..

كان يمكن أن تطعم هذه الأموال.. عشرات الألوف من الأفواه الجائعة..

وتكسو مثلها من الأجساد العارية..

وأن تجهز مثلها من المجاهدين بالسلاح.. والعتاد للصمود أمام جحافل الأعداء..

فهل هؤلاء السوريون.. الذين أنفقوا الأموال الطائلة في رحلة الحج..

وتركوا خلفهم الأيتام.. والأرامل تتضور جوعاً.. وتكابد الأمراض والأسقام..

وهي ترنو ببصرها.. في العيد.. متطلعة هنا وهناك..

وتنتظر على أحر من الجمر.. الحصول على كسرة خبز.. أو مِزعة لحم.. تسد جوعهم.. أو شربة ماء.. تطفىء عطشهم.. أو حبة دواء.. تداوي جراحهم.. وتسكن آلامهم…..

هل هؤلاء الذين يفعلون بأهليهم.. وأقربائهم.. وجيرانهم.. هذا الفعل المشين.. هم من الفصيلة البشرية؟؟؟!!!

هل يحملون بين جوانحهم.. مثقال ذرة من مشاعر العطف والحنان.. أو أحاسيس الحب والمودة الإنسانية؟؟؟!!!

سيقولون:

أنهم يريدون بأدائهم لطقوس.. وشعائر الحج.. وجه الله تعالى؟؟؟ّ!!!

كذبوا – ورب الكعبة -…

(لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ )… الحج 37

يقولون بألسنتهم.. ما ليس في قلوبهم..

وزين لهم الشيطان أعمالهم.. وصدهم عن السبيل المسقيم…

وقال لهم:

اركضوا إلى مكة سريعاً.. ودعكم من الفقراء.. والمساكين.. فقد تصدقتم عليهم الكثير..

ولهم رب يطعمهم..

ثم..

غداً تدعون الله عند الكعبة.. وفي عرفات.. فيتنزل عليهم.. الطعام.. والشراب.. من السماء.. فلا تشغلوا بالكم..

هذا هو تدليس إبليس اللعين.. ليضل الناس عن المنهج الصحيح…

فهم لا يريدون وجه الله حقاً..

إنما يريدون النزهة.. والسياحة.. والسمعة.. والشهرة.. والتفاخر أمام العبيد.. أنه حج كذا.. وكذا من الحجج!!!

وقد ينبري أحدهم.. وقد أخذته الحمية.. حمية الجاهلية..

وهل شققت على صدورهم.. حتى تقول عنهم هذا؟؟؟!!!

العمل الظاهر.. يدل على ما في السرائر..

كما قال البدوي قديماً:

البعرة.. تدل على البعير…

والأثر.. يدل على المسير..

وسماء ذات أبراج.. وأفلاك.. تدل على الخالق.. المبدع.. القدير..

وقد قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:

هل رأيت الله؟؟؟

قال: كيف أعبد ما لا أراه؟؟؟!!!

أرى الله في كل ركن من أركان هذا الكون الفسيح.. أرى آثاره.. ومقاديره.. وخلقه…

وهكذا…

لو كان هؤلاء القوم.. يريدون وجه الله..

لوجدوا الله في المخيمات المهترئة.. الكئيبة.. التعيسة.. عند الأطفال الرضع.. والأيتام البؤساء.. والأرامل المنكوبات.. والمستضعفين من الشيوخ والنساء والولدان..

ولوجدوه أيضاً عند المجاهدين الذين يتطلعون.. وينتظرون أحياناً.. رصاصة واحدة.. ليطلقوها على أعدائهم فلا يجدوها.. فيضطروا إلى الإنسحاب…

إمرأة غير مسلمة.. كانت تعمل بالفن.. تدعى ( جولي ) زارت المخيمات جميعها في تركيا.. والأردن.. ولبنان.. عشرات المرات مواسية أهلها.. ومدافعة عن حقوقهم.. ومهتمة بشؤونهم لغاية شريفة.. ونبيلة.. في نفسها!!!

فهل زار يوما ما.. المخيمات شيخ سوري بارز؟!

أليس أولى لهم.. أن يحجوا إلى المخيمات والأراضي المحررة.. وينقذوا أهلها من الجوع والمرض والفاقة .. ويتبركوا برعايتهم لها.. خير بمليون مرة من الذهاب إلى مكة.. وعرفات.. والتبرك بأحجارها التي لا تضر.. ولا تنفع ..

وهذا شيء معلوم من الدين بالضرورة..

إلا عند مشايخ السوء.. المتخلفين القاعدين.. الملتصقين بالأرض..   الذين لا يقرأون إلا الكتب الصفراء.. ولا يفقهون في ( علم الواقع ) ولا ( علم الأولويات ) ولا ( علم الجهاد ) ولا ( علم المجتمع ) ولا ( علم الحركة ) شيئاً.. أولئك هم شر البرية.. يُضلون.. ويَضلون..

والأدلة الشرعية.. الحركية.. التفاعلية مع الواقع.. ومع النفس البشرية.. والقصص.. والأحاديث الشريفة  المثبتة.. لوجوب.. وفضلية.. إنقاذ النفس المؤمنة من الموت.. على الحج.. كثيرة…

يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

( الأكباد الجائعة أولى بالصدقة من بيت الله الحرام )..

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست بواجبة.
وأما إن كان له أقارب محاويج، أو هناك فقراء تضطرهم الحاجة إلى نفقة: فالصدقة عليهم أفضل”.

وأما قصة ( عبد الله بن المبارك ).. فهي وحدها كفيلة.. بمن يزعم أنه يريد وجه الله في حجه.. أن يتأسى بفعله.. ويدحض زعمه الباطل..

وقصته بشكل مختصر:

في يوم تجهزه للحج.. رأى إمرأة تأخذ دجاجة ميتة.. من صندوق الزبالة..

فلما سألها عن سبب هذا التصرف الغريب.. قالت:

لدي أربع بنات يتيمات.. جائعات.. وليس لدي مال أشتري لهن الطعام.. والله تعالى قد أباح لنا أكل الميتة..

تأثر لحالها.. وذرفت عيناه بالدموع.. ودفع لها نفقة الحج كاملة.. وألغى حجه…

وحينما عاد أصحابه من الحج.. ذكروا له: أنهم كانوا يرونه بينهم في كل تحركاتهم..

فاستغرب .. وطلب من ربه أن يبين له السر..

فلما نام رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام.. وأخبره السر..

أن الله تعالى خلق ملكاً على هيئته.. وجعله يتحرك بين أصحابه.. وكأنه هو..

وأنه تعالى كتب له ثواب سبعين حجة.. إكراما.. ومكافأة له.. على جبر خاطر المرأة المسكينة..

فكم.. وكم.. من أمثال هذه المرأة الفقيرة.. موجود بين السوريين المهجرين.. المنكوبين؟؟؟!!!

هنا وجه الله.. سبعون حجة.. لمن يتبجح.. ويتشدق.. بأنه يريد وجه الله…

ويؤكد هذا القول.. الحديث الشريف التالي:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: 
” لئن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون على الله من أن يراق دم امرئ مسلم

أليست مئات الألوف من النفوس المسلمة ماتت جوعاً.. ومرضاً.. وتحت الهدم.. وبالصواريخ والبراميل المتفجرة.. وخلفت أيتاماً.. وأرامل!

أليس الأفضل.. والأقرب إلى رضا الله..  صرف أموال الحج على إطعام الجوعى.. وعلاج المرضى.. بدلا من صرفها على حج البروزة.. والرياء؟!

 

السبت 7 شوال 1438

1 تموز 2017

موفق السباعي

مفكر ومحلل سياسي

عن د . موفق مصطفى السباعي

د . موفق مصطفى السباعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE