أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > كرامة البشر وكرامة الحجر
إعلان

كرامة البشر وكرامة الحجر

فهمي هويدي

استهولت الخبر الذي تناقلته مختلف وكالات الأنباء العالمية عن قيام جماعة «داعش» بتفخيخ آثار «تدمر» التي تعد من أقدم المدن التاريخية في العالم.

ذلك أنها احتفظت ببقايا واحدة من أهم الممالك السورية القديمة التي ازدهرت في عهد ملكتها الشهيرة «زنوبيا». وكانت منافسا قويا لحضارة روما القديمة.

وسواء أكان ذلك تمهيدا لهدم آثار تلك المملكة(التماثيل والأعمدة والمسرح وأقواس النصر) أم للتحذير من محاولة إخراجهم من المدينة. فالثابت أنه تم تلغيم كل ذلك، وأن هدم تلك الآثار العظيمة أصبح واردا في أي لحظة.

ذلك أننا إذا كنا بصدد أناس اختلط لديهم الجهل والتعصب بالجنون، فكل شيء يصبح واردا.

وإذا كانوا قد سوغوا لأنفسهم إبادة للبشر فإن محو الأثر يغدو أيسر وأهون.
سوابقهم لا تشجع على إحسان الظن بهم من أي باب. فقد فعلوها في العراق بعد احتلال الموصل. وعمدوا إلى تدمير متحفها بما يحويه من تماثيل ومنحوتات تنتمي إلى الحضارات الآشورية والهلينستية التي عاشت في المنطقة قبل آلاف السنين.

وفعلها أقرانهم في أفغانستان حين سعوا إلى هدم تمثالي بوذا في باميان.

وكان مفجعا أن الحرب الدائرة في اليمن أصابت ٢٦ موقعا أثريا، من بينها سد مأرب، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد ويعد الآن أقدم سد معروف في العالم.

كما أصاب الدمار قلعة القاهرة في تعز ومدينة ربيد التي صنفتها منظمة اليونسكو ضمن التراث الإنساني العالمي. فضلا عن صنعاء القديمة بعمارتها البديعة التي لا نظير لها.
هذه الهجمة البربرية على الآثار والتاريخ شيء فظيع لا ريب، لكن الأفظع منه ما أصاب البشر من قتل وتشريد.

ذلك أن المرء إذا كان له أن يشعر بالحزن لتهديد آثار تدمر أو العراق أو اليمن، فإن الشعور بالصدمة والفجيعة لابد أن يتضاعف حين يستحضر قائمة الضحايا الذين يسقطون كل يوم في مهرجان الجنون الذي توزعت فقراته على أرجاء العالم العربي.

 ولست أخفي أنني شعرت بالذنب والخجل حين انفعلت لتفخيخ آثار تدمر وكدت انشغل بذلك الحدث، دون انتباه لما أصاب الشعب السوري الذي فقد خلال السنوات الأربع الماضية أكثر من مئتي ألف قتيل، وشرد من أبنائه أربعة ملايين. ولاتزال براميل المتفجرات تلقى على تجمعاته حينا بعد حين.
لقد اعتبرت أن الاكتفاء بالغضب لتدمير الآثار موقفا غير أخلاقي يمكن أن يغفر للسياح الذين تعجبهم في بلادنا آثارها وشمسها. ولا يكترثون كثيرا بالبشر فيها، ومنهم من يعتبر البشر جزءا من الديكور والفولكلور الحي الذي تبهجهم مناظره.

وذلك ما حدث حين لجأت عناصر طالبان عام ٢٠٠١ إلى تدمير تمثالي بوذا في أفغانستان.

إذ قامت الدنيا ولم تقعد آنذاك غضبا لذلك السلوك الهمجي، حتى جرت حينذاك مناقشة حول شرعية التدخل العسكري في هذه الحالة للدفاع عن التراث بدعوى أنه ملك للبشرية وليس للأفغان أو البوذيين وحدهم. حدث ذلك حين كان البلد كله يدمر وليس التمثالان وحدهما.
شيء من هذا القبيل حدث في أعقاب سيطرة داعش على «تدمر»، حين نشرت «الاكسبريس» الفرنسية (في ٢٨/٥/٢٠١٥) مقالة تحت عنوان «سورية عار العالم» لأحد كتاب الجريدة (كريستيان مكاريان) انتقد فيها سكوت العالم على الأخطار التي باتت تهدد ذلك الكنز الذي لا يقدر بثمن، معتبرا أن ما جرى صدم ضمير العالم بكارثة ينبغي أن ينهض الجميع لوقف تداعياتها.
الأمر بالنسبة لنا ينبغي أن يختلف.

ذلك أننا لا ينبغي أن نغفل الكارثة العظمى التي حلت بشعوبنا حين أصبحت ضحية لأنظمة مستبدة قاسية أو جماعات وحشية جاهلة. فذلك همنا الكبير الذي يظل على رأس القائمة.

كما أننا لسنا مطالبين بأن نختار بين الدفاع عن كرامة شعوبنا وبين الدفاع عن كرامة آثارنا التاريخية. إذ بوسعنا أن نضع الاثنين في المقدمة.

ذلك أن إعطاء الأولوية لشعوبنا لا ينبغي أن يكون على حساب الدفاع عن التاريخ والحضارة.

وإذا قلنا بأن مظلومية شعوبنا هي الهم الأول فلا يعني ذلك أنها الهم الأوحد. بل أذهب إلى أن استرداد المجتمع لكرامته وحريته يشكل الضمانة الحقيقية للدفاع عن آثارنا وتراثنا الحضاري وأوطاننا كلها.

علما بأن وحشية الجماعات الجاهلة من أصداء وحشية الأنظمة المستبدة التي تظل مصدر كل الشرور والمفاسد.

…………………

تمت القراءة 413مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE