أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > قليل من الظلم
إعلان

قليل من الظلم

 

فهمي هويدي

في الأجواء الراهنة بمصر ما عدنا نتطلع إلى إقامة العدل، وإنما صرنا نرضى بقليل من الظلم.

يوم الأربعاء الماضي (1/10) أصدرت المحكمة قرارا بإخلاء سبيل سارة خالد طالبة كلية طب الأسنان بجامعة المستقبل، التي كانت قد أدينت في «جريمة» تعليق «دبوس» عليه شارة رابعة في قميص ارتدته.

وبسبب من ذلك صدر حكم بسجنها 30 شهرا. إلا أن محكمة الاستئناف برأتها وأخلي سبيلها بعدما قضت في السجن عشرة أشهر.

شيء جيد أن يخلى سبيل الفتاة وتتم تبرئتها، لكن ذلك يستدعي سؤالين،

أولهما لماذا تم اعتقالها أصلا، واعتبر تعليق دبوس في قميصها جريمة تستدعي الحكم عليها بالسجن؟

السؤال الثاني الأهم هو: كم عدد الأبرياء الذين ألقي القبض عليهم واتهموا بارتكاب «جرائم» من ذلك القبيل الذي يبعث على الدهشة، ولايزالون محتجزين في السجون يتجرعون المرارة والهوان.

منهم من صدرت بحقه أحكام مشددة وغير مبررة،

ومنهم من لايزال تحت «الحبس الاحتياطي» الذي لم يعد له أجل معلوم، ولكنه صار حيلة قانونية لاستمرار الاعتقال وإطالة أجله.

إن مواقع التواصل الاجتماعي تحفل بكم كبير من القصص والبيانات التي تتحدث عن مظلومية أولئك الشبان والفتيات بل والأطفال القصر، التي إن صحت فإنها ترسم صورة قاتمة ومفزعة للحاضر، لا تتيح إمكانية التفاؤل بالمستقبل.

حتى أزعم أن مجموعات النشطاء الشجعان ــ الرجال منهم والنساء ــ قد حولوا الشبكة إلى حائط للمبكى صرنا نتابع عليه كل يوم سيل الشكايات التي تعبر عن معاناة المظلومين فتسمعنا أصواتهم وتنقل إلينا أحزانهم وأوجاعهم.

ولولا جهد أولئك الشرفاء الذين يدفعون ثمنا غاليا لقاء إصرارهم على الدفاع عن المظلومين، لما تناهت إلينا تلك الأصوات ولظللنا ذاهلين عن كم المظالم والانتهاكات الحاصلة،

وهي التي تتجاهلها وسائل الإعلام وتتستر عليها منظمات حقوق الإنسان الحكومية.

في حين تضللنا التصريحات الرسمية التي تصر على أنه لا يوجد في مصر معتقلون سياسيون، وأن ذات العدل مصونة لا تمس، وان قضاءنا الشامخ يؤدي دوره على أفضل وجه.

لا يكاد المرء يصدق أن دعوة أطلقت لمناقشة «أزمة الأطفال المعتقلين في مصر».

وأن شابا عمره 18 سنة اسمه محمود محمد خرج في ذكرى الثورة (يناير الماضي) مرتديا قميصا قطنيا (تي شيرت) عليه شعار «وطن بلا تعذيب»، فألقي القبض عليه ولايزال في الحبس من نحو 250 يوما.

وأن شابا آخر اسمه أحمد فكري في الصف الثالث الثانوي ألقي القبض عليه بتهمة التظاهر في الإسكندرية، في حين أنه كان سائرا وحده!

ــ وأن ثالثا اسمه نادر محمد في الصف الثاني الثانوي بمدرسة السواحل الرياضية اعتقل لنفس السبب.

وثمة طالب رابع في العشرين من العمر اسمه أيمن علي موسى حكم عليه بالسجن 15 عاما.

مما قرأت أيضا أن تسعة شبان خرجوا مطالبين بإطلاق سراح زميلة لهم اسمها آيات حمادة، فألقي القبض عليهم في ميدان طلعت حرب بالقاهرة،

وبعدما أمضوا عشرة أشهر في الحبس الاحتياطي، صدر حكم بالسجن مدة سنتين لكل واحد منهم.

واستغربت حين قرأت أن طبيبا اختلف مع مديره فقدم الأخير ضده بلاغا يتهمه بالضلوع في النشاط السياسي،

وعند تفتيش بيته عثروا لديه على سبعة آلاف جنيه فاتهم بتمويل النشاط الإرهابي

ــ وبعد إطلاق سراح ما هينور المصري التي كانت من ضحايا ذلك الظلم ذكرت أنها التقت في سجنها بالاسكندرية بسيدة اسمها «طنط وداد» تبلع من العمر 55 عاما وتمشي بصعوبة مستعينة بعكاز وقد وجهت إليها تهمة الانتماء إلى جماعة محظورة.

وقرأت بيانا لاتحاد طلاب هندسة القاهرة تساءل فيه عن مصير أحد الأوائل النابهين ــ اسمه عبدالرحمن كمال ــ كان قد عين معيدا بالكلية، لكنه اختطف من بيته ونقل إلى مكان مجهول،

ولم يكن البيان يطالب بإطلاق سراحه، لكنه كان يسأل عن المكان الذى اختفى فيه.

الحديث عن المظلومين لا نهاية له، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل 130 سجينا أغلبهم في أبوزعبل وطرة لم يجدوا حلا للتعبير عن احتجاجهم وإيصال أصواتهم إلا بالإضراب عن الطعام.

من هؤلاء محمد سلطان المضرب منذ 247 يوما وإبراهيم اليماني (167 يوما) وأحمد المصري (82 يوما) ومجدي خليفة (60 يوما) …إلخ

في غياب الشفافية، ما عدنا نعرف أعداد الموجودين بالسجون المصرية الآن، ولكن الحقوقيين المستقلين يتحدثون عن رقم يتراوح بين 20 و40 ألفا. يتوزعون على سجون معلومة ومجهولة.

ولا توجد لدينا مصادر موثوق منها يُطمأن إلى نتيجة فرزها وتصنيفها لتلك الألوف.

من ثم فمن المبكر أن نتحدث عن تحقيق نزيه يسمح للعدل الذي ننشده ان يأخذ مجراه، خصوصا في قضايا العنف التي سقطت فيها أعداد كبيرة من القتلى.

وإلى أن يأتي الله بفرج من عنده، فربما احتملت الأجواء أن نتحدث عن ضحايا الاعتقال العشوائي الذي طال طلاب الجامعات وشمل الذين تمت ملاحقتهم ودمرت حياتهم بسبب قانون التظاهر،

إضافة إلى القصر والإناث الذين يتعذر وصمهم بالإرهاب أو تهديد أمن الدولة.

هؤلاء جميعا أخذوا نصيبهم من المظلومية، ولابد أن هناك أكثر من وسيلة للاكتفاء بما نالوه وإطلاق سراحهم، تخفيفا للاحتقان وتهدئة للأجواء الذي لابد له أن يحدث في نهاية المطاف.

علما بأن الإبقاء على الجرح مفتوحا دون أى تفكير في تخفيف آلامه تمهيدا لمداواته وإغلاق ملفه له مخاطره التي لن يدفع ثمنها المظلومون وحدهم، ولكن الوطن أيضا.

ذلك أنه لن يعرف الاستقرار إلا إذا وضع حد للظلم فيه.

………………

تمت القراءة 257مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE