أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > في السابعه صباحا
إعلان

في السابعه صباحا

 

فهمي هويدي

الحضور المبكر مهم ولكن الإنجاز أهم.

أما الأكثر أهمية من الاثنين فأن يتم ذلك في ضوء رؤية للإصلاح والنهوض.

أتحدث عن القرار الذي أبرزته الصحف المصرية أمس على صفحاتها الأولى، وعلمنا منه أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه بأن تبدأ الإدارات الحكومية عملها في الساعة السابعة من صباح كل يوم.

وهو أمر مهم أرجو أن يكون المسؤولون في الدولة هم أول من يلتزم به.

وسوف يكتسب القرار أهمية خاصة إذا اعتبر الحضور المبكر للعمل في أجهزة الدولة بمثابة دعوة لإتاحة فسحة أطول لإنجاز مصالح الناس التي تعد تعقيدات الإدارة الحكومية أكبر عقبة تعترض طريقها.

وما زلت غير قادر على استيعاب فكرة أن يستمر الإرسال التليفزيوني حتى الثالثة أو الرابعة صباحا، ثم يطلب من الموظفين أن يخرجوا من بيوتهم في الساعة السادسة ليكونوا في مكاتبهم في السابعة.

ولست واثقا من أنهم سيكونون في هذه الحالين صالحين لإنجاز شيء من مصالح الناس.

ولا أستبعد أن يتولى بعضهم تعويض نومهم الذي حرموا منه في المكاتب.

إنني أخشى من الحماس لزيادة ساعات العمل في إدارات الحكومة. كما أنني لا أخفي عدم ارتياحي لكثرة تحركات المسؤولين وحضورهم في الشارع. ومن ثم حرصهم على أن يظلوا دائما في دائرة الضوء وعلى شاشات التليفزيون.

وأزعم أن كفاءة المسؤول لا تقاس بعدد الساعات التي يقضيها في مكتبه، ولا بعدد الجولات الميدانية التي يقوم بها كل أسبوع.

ولدينا خبرة سابقة مع رئيس للوزراء لم يكن يغادر مكتبه، حتى أنه خصص غرفة للنوم ملحقة به.

كان يؤثر الاستراحة فيها حتى لا يضيع وقته في الذهاب إلى بيته والعودة منه.

وكانت تجربة الرجل نموذجا لما ينبغي أن يتجنبه أي مسؤول.

أعني أن يطول بقاؤه في المكتب دون أن يحقق إنجازا يذكر، الأمر الذي يذكرنا بنموذج الذي يركض كثيرا دون أن يتقدم خطوة إلى الأمام.

خبراء الإدارة لهم كلام نفيس فيما نحن بصدده. وعندهم أن المسؤول يفكر ويخطط ويراقب على البعد، في حين أن مساعديه وأجهزته هم الذين يقومون بعملية التنفيذ.

وكفاءته تقاس بمقدار انتظام العمل وتقدمه في غيابه وليس في وجوده.

بما يعني أن المرفق يديره نظام ومسؤولون أكفاء ينفذون ويراقبون. وليس وزيرا يستهلك جهده ووقته فيما ينبغي أن يقوم به غيره.

التجربة الماليزية تقدم نموذجا جيدا لما أدعو إليه.

ذلك أن رئيس الوزراء الدكتور مهاتير محمد حين تولى السلطة في عام 1981 فإن أول قرار أصدره دعا فيه إلى بدء العمل في دواوين الحكومة في وقت مبكر.

وقال صراحة إنه يتطلع بذلك إلى تغيير نمط حياة الماليزيين.

ولم يكتف بالدعوة إلى تغيير عادات الماليزيين ولكنه أولى اهتماما كبيرا بتنمية الموارد البشرية.

وظل تركيزه الأكبر على التعليم الذي خصص له ربع الموازنة العامة.

وعمل على الارتقاء بكل مراحله من رياض الأطفال إلى الجامعات والدراسات العليا.

وبالنسبة للأطفال فإنه وضع كل المدارس تحت رعاية الدولة ولم يسمح للقطاع الخاص أن يتاجر بالعملية (كما هو الحاصل عندنا).

وقام بتزويد جميع المدارس الأخرى بالانترنت ووسائل الاتصال الحديثة.

وإضافة إلى ذلك فإنه أوفد آلافا من الطلاب الماليزيين للدراسة في الخارج، الأمر الذي مكنه لاحقا من التوسع في إنشاء الجامعات التي وصل عددها الآن إلى أكثر من 500 جامعة.

وبالتوازي مع كل ذلك فإنه توسع في التعليم الفني والتدريب المهني.

المهم أنه خلال السنوات التي أمضاها مهاتير محمد في السلطة فإنه نجح في مضاعفة متوسط دخل الأسرة الماليزية من مائة دولار إلى 16 ألف دولار سنويا.

وحقق ما يمكن أن يوصف بأنه معجزة اقتصادية وتنموية، وضعت ماليزيا في الصف الأول مما عرف باسم النمور الآسيوية.

الإنجاز الذي حققه مهاتير محمد أسهم في صنعه عنصران أساسيان.

الأول هو الرؤية الاستراتيجية الشاملة التي تم في ظلها ترتيب الأولويات.

إذ رغم أنه درس الطب، إلا أنه كان مهجوسا بهموم بلده في وقت مبكر. وعبر عن مشاعره تلك في الكتاب النقدي الجريء الذي ألفه في عام 1970 بعنوان «معضلة الملايو» وهو ما دفعه للانضمام إلى «منظمة الملايو القومية المتحدة». الأمر الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة في عام 1981.

وحين تولى السلطة فإنه انشغل مع الخبراء الماليزيين بوضع خطة النهوض بماليزيا خلال عشر سنوات ثم بعد عشرين سنة،

وفي الخطة أولى التعليم اهتمامه الأكبر ومعه التنمية البشرية، ثم حدد أهدافا واضحة للقطاعات الأخرى مثل الصناعة والسياحة وغير ذلك. (زرع مليون شجرة زيت نخيل خلال عامين).

الاعتبار الثاني الذي ساعد الرجل على تحقيق الإنجاز في بلاده هو أنه حافظ على الوئام المدني ومن ثم السلم الأهلي بين العناصر الثلاث المكونة للبلد (الملاويون والصينيون والهنود)،

وهو ما أشاع جوارا من الاستقرار سمح له بأن يواصل رسالته طوال 21 عاما، إلى أن قدم استقالته في عام 2003 مكتفيا بما أنجزه.

إن السؤال المهم الآن هو:

إلى أي دائرة ينتمي قرار الحضور في الساعة السابعة صباحا،

وهل هو دعوة إلى الانضباط وعسكرة دواوين الحكومة

أم أنه خطوة تترجم فكرة تحسين الخدمة التي تقدم إلى الناس،

أم أنه جزء من رؤية للمستقبل.

ربما كان مبكرا طرح هذه الأسئلة فضلا عن تعذر الإجابة عنها في الوقت الراهن،

مع ذلك أرجو أن تتفق معي على أهميتها.

………………..

تمت القراءة 125مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE