أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > عن جموح العقل الأمني
إعلان

عن جموح العقل الأمني

 

فهمي هويدي

التصريحات التي أدلى بها الرئيس عبدالفتاح السيسى للصحفيين الشبان الذين التقاهم أمس الأول (الثلاثاء 2/12) كانت إيجابية ومطمئنة إلى حد كبير.

 لكن الممارسات التي تتم على أرض الواقع تبدو ماضية في اتجاه آخر لا يعكس لغة الخطاب التي تبناها في ذلك اللقاء أو غيره.

وهي ملاحظة إذا صحت فإنها تثير بعض الأسئلة التي تفتح الأبواب لدرجات مختلفة من الحيرة والبلبلة.
في أحد البرامج التليفزيونية التي جرى بثها مساء الثلاثاء قال صحفي من الذين حضروا اللقاء إن الرئيس السيسي فوجئ بما سمعه عن إيقاف الإعلامية عايدة سعودي العاملة بالإذاعة المصرية، بسبب تعليقها على خبر تبرئة الرئيس الأسبق حسني مبارك وأعوانه،

وقولها إنه إذا جاز للبعض أن يفرح لذلك فمن حق الذين صدمهم الخبر وأحزنهم أن يعبروا عن رأيهم أيضا.

واستنكرت في كلامها قمع المظاهرات التي خرجت معبرة عن ذلك الموقف الأخير.

ومن الواضح أن الرئيس أصدر تعليماته بإعادتها إلى عملها وإلغاء القرار التأديبي الذي اتخذ بحقها، وهو ما تم على وجه السرعة في مساء اليوم ذاته.
لحسن حظ المذيعة أن الرئيس التقى الصحفيين في اليوم التالي لإيقافها عن العمل، وأن بين الصحفيين الشبان من نقل إليه قصتها.

 الأمر الذي يعني أن إيقافها كان يمكن أن يستمر إلى أجل غير معلوم، وأن مستقبلها في الإذاعة كان يمكن أن يتهدد، لو أن مثل تلك المصادفات لم تحدث.

ولأن الأمر حكمته المصادفة، فلست أشك في أن الرئيس لم تصل إلى مسامعه قصة طالب الثانوى الذي فصل لأنه انتقد تبرئة مبارك في الإذاعة المدرسية بالدقهلية.

ولا قصة الشخص الذي ألقى القبض عليه حين حـَّدث ركاب مترو القاهرة عن أن تبرئة مبارك تستفز الرأي العام المصرى ودعا إلى التظاهر استنكارا لها.
وإذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد تناقلت مثل تلك الأخبار. فإننا لا نستبعد تكرار الإجراءات القمعية ذاتها بحق آخرين استشعروا الغضب والمهانة حين تمت تبرئة مبارك وأعوانه.

الأهم من ذلك أن السلوك القمعى سواء من جانب أدوات السلطة أو من الذين نصبوا أنفسهم حرسا للنظام ليس مقصورا على الموقف من قضية مبارك وحدها، وإنما هو سمة عامة لنهج التعامل مع أصحاب الرأي الآخر في الأجواء الراهنة.

وهو ما يستدعي ذات الأسئلة الحائرة حول مدى علم الرئيس بما يجرى،

وما إذا كان ذلك يعبر عن سياسة للنظام القائم،

 أم أنه ينسب إلى المؤسسة الأمنية،

أم أنه منسوب إلى بعض الأجنحة دون غيرها داخل السلطة والمؤسسة المذكورة،

إلا أنه في كل أحواله يظل منسوبا إلى النظام ولا يعفي رئيس الدولة من المسؤولية، حيث يفترض أنه هو من اختار فريقه الذي اختط ذلك النهج، كله أو بعضه.
إذا ذهبنا إلى أبعد في التحليل فسنجد أن هيمنة العقل الأمني تمثل إحدى مشكلات الساعة في مصر.

ونحن نلمس شواهد تلك الهيمنة في العديد من الإجراءات والخطوات التي اتخذت، بدءا من إصدار قانون تقييد حق التظاهر. إلى توسيع اختصاص المحاكم العسكرية، مرورا بإجراءات ملاحقة منظمات المجتمع المدني والتعديلات التي اقترحت على قانون تنظيم الجامعات.. إلخ.

وإذ يتضخم الملف الأمني على ذلك النحو، فإن هامش السياسى يبدو ضئيلا ومتصاغرا.

الأمر الذي لم يؤد إلى تراجع سقف الحريات العامة فحسب، وإنما اقترن ذلك أيضا بارتفاع منسوب الانتهاكات والإجراءات القمعية.

وما جرى للإذاعية عايدة سعودى مجرد رمز ونموذج مخفف للغاية لنهج القمع السائد، في حين أن النموذج أكثر وضوحا وأشد بطشا في الجامعات.

 ولدى المنظمات الحقوقية المستقلة الكثير الذي يمكن أن يستشهد به في هذا الصدد.
إن الإساءات التي تصدر عن خصوم النظام مفهومة ومقدور عليها في نهاية المطاف.

لكن الإساءات التي تأتى من داخل النظام ذاته، من بعض مؤسساته وحراسه، تمثل مشكلة حساسة للغاية.

 أزعم أنها أخطر وأكثر تعقيدا.

 لا تتوافر لدينا أدلة تؤيد ذلك التحليل، لكننا نستند إلى قرائن من قبيل مفارقة نموذج الإعلامية الذي سبقت الإشارة إليه، وإلى روائح نشمها ولغط نسمعه يعطى انطباعا بأن ثمة أوضاعا وأوراقا بحاجة إلى إعادة ترتيب في طوابق السلطة العليا.

 لكن كل ذلك لا يغير من حقيقة الثمن الفادح الذي يدفعه المجتمع والجراح الدامية التي أصابته، جراء تغييب السياسة فيه،

 والخطيئة الكبرى المترتبة على التعويل على المؤسسة الأمنية في صياغة حاضر مصر ومستقبلها.

خصوصا في ظل ثورة ممارسات تلك المؤسسة وكبح جماحها من أسباب اندلاعها.

…………………..

 

تمت القراءة 319مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE