أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > عن الجهاد والخدمة الجهادية
إعلان

عن الجهاد والخدمة الجهادية

صباح علي الشاهر

الجهاد مصطلح إسلامي، ولعله أشهر المصطلحات المعاصرة، وهو يعني بإختصار جميع الأفعال والأقوال التي تصب في مصلحة الإسلام، وهو لغة ( بذل الجهد)، والجهاد في سبيل الأوطان لون من ألوان الجهاد، يختلط دائماً في الجهاد الأعم ألا وهو الجهاد في سبيل الإسلام ، ويصعب تمييز هذا عن ذاك، ولعل تجربة المجاهدين الجزائريين خير مثال على ما نقول، وهو بهذا المعنى، كونه جهاداً في سبيل الإسلام لا ينتظر جزاءاً أو شكوراً من أحد، فهو عمل الغرض منه مرضاة الله، وأجره الحقيقي آجل وليس عاجل.

وإذا خرجنا من المصطلح الديني، إلى المصطلح المدني، فإننا سنجد مصطلح النضال، أو الكفاح، بمقابل مصطلح الجهاد، ونجد مصطلح المناضل، والمكافح، بمقابل مصطلح المجاهد، والنضال والكفاح، كما الجهاد، لا يستهدف القائمون به النفع الذاتي، بل إنهم يستهدفون النفع العام، والمصلحة العامة، وهم أناس آلوا على أنفسهم خدمة أو طانهم عبر طريق النضال الوعر  والشاق، ومن دون أن يكلفهم أحد بهذه المهمة، لذا فهي مهمة طوعية، وقرار ذاتي يتخذه الشخص المعني، وقد يكون الهدف منه خدمة الوطن فعلاً، كما في حالات الدفاع ضد عدو خارجي، أو نضال الثوار من أجل تغيير الأوضاع المتردية، ولمصلحة الشعب كله، والوطن على إمتداده، دونما تفريق أو تمييز،  وهذا النوع من الجهاد عليه شبه إجماع، لأنه نضال أو جهاد تحت راية الوطنية العراقية بشمولها، أو خدمة حزب، كالحزب الشيوعي، أو البعث، أو الدعوة، أو ما إليه من أحزاب أو تنظيمات، وهو نضال يستهدف الوصول إلى السلطة، ووضع قادة هذه الأحزاب وكوادرها في مفاصل القرار الأساسية، بزعم تنفيذ برامجهم التي هي في خدمة الشعب، أو جماعة، طائفية، أو أثنية، أو عرقية،أو مهنية، تستهدف منح هذه الجماعة أو الطائفة، أو الأثنية، أو العرقية، أو المهنية، حقوقها التي تستحقها، وهو حراك سياسي، وإن إرتدى رداء الوطنية والوطن، سيكون معيار الحكم عليه لاحقاً من خلال التطبيق والممارسة ، وهما المعيّاران الوحيدان للتقييم.

إذا كان للعضو في الحزب، خدمة تفرغيّة فيه، فإن على الحزب منح هذا العضو المُتفرغ حقوقاً تقاعدية من ميزانيته الخاصة، وليس من ميزانية الدولة، التي لم يتوظف هذا العضو في أي من دوائرها أو مؤسساتها، علماً بأنه لا وقت محدد لتقاعد المناضل، فالمناضل يظل مناضلاً ما دام فيه رمق، وفي الإحزاب المعروفة لدينا ينتهي تفرغ العضو المتفرغ بنهاية حياته، لذا فإنه لن يحضى بصفة مُتقاعد، هذا إذا لم يُفصل أو يُطرد لأي سبب من الأسباب، وفي هذه الحالة يحضي بصفة مفصول أو مطرود ، أو مستقيل أو منشق.

من حق أي حزب، أكان في السلطة أو خارجها، أن يكرّم أعضاءه، وبأي شكل يرتأي، ولكن ليس من حقه، أن يرّحل هذا التكريم إلى ميزانية الشعب والدولة، وهو وإن كان على رأس السلطة، فإن الخزينة العامة ليست مالية الحزب التي يتصرف بها كما يشاء، وإنما سيكون مؤتمناً عليها، ومراقباً على حسن التصرف فيها.

المعروف أن أكثرية العراقيين كانوا وما زالوا منشغلين بالسياسة، وأن نسبة كبيرة منهم تنتمي إلى أحزاب، وكل هذه الأحزاب تدعي أنها كانت تجاهد ضد النظام السابق، فهل يعقل أن تمنح كل هذه الأعداد الغفيرة خدمة جهادية؟

هل نتحوّل إلى شعب يستلم رواتب من دونما عمل؟

ثم ألم نسن قانون السجناء السياسيين، وأعقبناه بالمعتقلين السياسيين؟ أليس هؤلاء هم الجهاديون ، بالإضافة للشهداء والمُعاقين؟ 

ألا تمنح الدولة راتباً لكل بيشمركة، أكان كردياً أم غير كردي، وبتزكية منتسب بيشمركة آخر، أو حزب من الأحزاب المتعاونة مع الحركة الكردية؟

أليس لدينا مؤسسة كبيرة وعريضة، في كل محافظة ومدينة للمهجرين، ولها ميزانية ضخمة ؟ ثم ألم تسلم هذه الأحزاب السلطة، كلها تقريباً، لأعضائها ومنتسبيها، والمحسوبين عليها؟

ألم يمنحوا السجين السياسي، والمعتقل السياسي إمتيازات، وتفضيلات على غيره، معارضين بذلك الدستور الذي ساوى بين المواطنيين؟  

لكم تبدو ( الخدمة الجهادية ) هذه مسألة صعبة الهضم؟

كيف أصبح الجهاد خدمة، والخدمة ينبغي أن تكون، باديء ذي بدء، مهنة؟ فهل الجهاد مهنة ، أم واجب؟

مؤكد ليس كل الذين ستُحسب لهم ( الخدمة الجهادية ) هم من المجاهدين حقاً، تماماً مثلما لم يكن من تمتع بإمتيازات السجناء والمعتقلين السياسين  سجيناً أو مُعتقلاً سياسياً، فأغلب السجناء والمعتقلين السياسين، لم تُروّج معاملاتهم، لأنهم ليسوا من الأحزاب إياها، وأكثرهم لم يقدم معاملته لأنه يؤمن بأنه كان مناضلا وليس أجيرا، لذا فلم يكن معنيّاً أساساً بهذه المكاسب.  

لقد جرى سيل من الكلام الذي لا حدود له هذه الأيام، حول ( الخدمة الجهادية )، قليل مما قيل مُحق، وهو المتعلق بغرابة، ولا معقولية فقرة الخدمة الجهادية، وكونها طريقاً للتزوير والفساد ، ربما بأكثر مما كانت عليه إمتيازات السجناء والموقوفين السياسين،  وأغلبه الأعم تخرصات ومماحكات، وبعضه مما يستوجب الرد عليه.

لا يبدو مقنعاً هجوم بعض الأقلام، في وسائل الإعلام التي إمتهنت الردح بإيقاع (الوحدة ونص )، خصوصاً إذا عرفنا أن هذه الأقلام، والأصوات، تتقاضى رواتب تقاعدية مجزية بإعتبارهم سجناء ومعتقلين سياسين، أو منتسبين سابقين في تنظيمات البيشمركة سابقاً، والله يعلم إن كانوا كذلك أم لا، فلماذا يستكثرون على غيرهم، ما أباحوه لأنفسهم؟ ولماذا إنتسابهم للبيشمركة يستحقون عليه راتباً تقاعدياً، وإنتساب الآخرين إلى بدر، أو المجلس الإسلامي، أوحزب الدعوة، لا يستحقون عليه راتباً تقاعدياً ؟ علماً بإننا نرى أن لا هؤلاء ولا أولئك يستحقون راتباً تقاعدياً لقاء عملهم الحزبي، وحتى النضالي، فهذه بدعه لم يعرفها سوى العراق، المُتخم بالبدع.

وذهب بعض الإعلاميين بعيداً، بحيث عد الملايين الذين تشردوا في أرض الله الواسعة من متسكعي مقاهي أوربا، وزعم أنه وأمثاله هم المجاهدون الحقيقيون، حيث واجهوا الحروب والحصار، في حين أن الذين كانوا في الخارج كانوا يتمتعون بنعيم العيش، ولا أدري من أين جاء بهذه المعلومة الغريبة، عن النعيم الذي عاشه المنفيون في الخارج!

هذا الردح اللامسؤل هو الأخطر، لأنه يقسّم العراقيين، إلى عراقيين مجاهدين، وهم الذين ظلوا بالداخل، وعراقيين مُتنعمين وهم الذين في الخارج، علماً أن ليس كل من بقى في الداخل مناضلاً، فبعضهم كان سيفاً مُسلطاً على رقاب الشعب، وكان مُنتفعاً، يقف فوق الناس، وما كل من هو في الخارج مناضلاً أو مجاهداً، فبعضهم لم يكونوا أكثر من تجار أو مرتزقة، أو عملاء، أو لم تكن لهم قضية أصلاً، لذا فإن إطلاق مثل هذا القول بإطلاقه، بالإضافة إلى سخفه وضحالته، فإنه كالسم الزعاف ينخر في الجسم العراقي الواحد، الذي يجاهد كي يكون موّحداً رغم كثرة معاول الهدم.    

 

تمت القراءة 456مرة

عن صباح علي الشاهر

صباح علي الشاهر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE