الرئيسية > كتاب اللواء > عاجل:- بين التأوهات السياسية وأمريكا كضرورة شيطانية المنطقة الى أين؟
إعلان

عاجل:- بين التأوهات السياسية وأمريكا كضرورة شيطانية المنطقة الى أين؟

 

*كتب: المحامي محمد احمد الروسان*

*عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية*

واضح أنّ ما يجري في شرقنا الأوسط، هو حرب السيطرة على هذه المنطقة الحيوية، حيث الغاز ومسارات خطوط آنابيبه عصبها ومحركها، والأطراف الرئيسيّة المشاركة في هذه الحرب، بجانب إيران وتركيا والسعودية وقطر “واسرائيل”، الكثير من الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا، والأخيرة لا تملك حقول غاز في منطقتنا وان كانت تملك محميات أمريكية، لكنها تريد امتلاك الفيتو على تحديد مساراتها ازاء شمال أوروبا وجنوبها، كون واشنطن استراتيجياً تعمل على اضعاف كل دول القارة الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وحصتها من العوائد، ومن المحتمل أن تدخل مصر إلى ساحة الصراع في المستقبل، من هنا يجب تفهم الوضع الحسّاس لإيران، حيث تقف بكل وضوح وقوّة في وجه تغيير النسق السياسي في سورية وعنوانه الرئيس الدكتور بشّار الأسد، لأنها تعتبر أنه إذا ما سقطت الحكومة السورية، فهذا يعني تعاظم في قوّة منافسيها في المنطقة، وأنّ استراتيجيات ادارات التوحش الأمريكية سوف تستهدفها ومن ورائها الفدرالية الروسية والصين وعبر تركيا ذاتها، حيث ايران نفسها الخاصرة الروسية الضعيفة، وسيكون هذا في عمق أجندة زيارة الرئيس الروسي لتركيا ولقائه نظيره التركي هذا الأسبوع.

اذاً ما يجري في المنطقة، هو حصيلة جمع نتائج التصادم الدولي حول المصالح الأقتصادية وأوثق استثماراتها وعلاقاتها، بجانب صناعة الأزمات والأرهاب والأستثمار في العلاقات العسكرية، والسيطرة على الموارد الطبيعية وعلى منابع الطاقة ومسارات عبورها ووصولها، بأقل تكلفة وبأسرع وقت الى مصانع ومجتمعات منظومات الدول المتصارعة.

 انّ الأتفاقيات الأستراتيجية بين أقوى المكونات الدولية موجودة، والخلافات صارت محصورة في الأهداف وكيفية المعالجات، ومقاربات المصالح الدولية الأقتصادية والسياسية، خاصةً مع وصول الفدرالية الروسية الى المياه الدافئة، حيث منابع النفط والغاز والصخر الزيتي واليورانيوم واستثمارت موسكو الحقيقية في ديكتاتوريات الجغرافيا، للوصول الى عالم متعدد الأقطاب وحالة من التوازنات الدولية للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

 حيث يعتقد الكثيرون أن الجمهورية الإسلامية بدعمها حكومة الرئيس بشار الأسد اتبعت سياسة خاطئة غير منطقية ولا تتوافق مع المصالح الوطنية، وقد خدشت هذه السياسة صورة الجمهورية الإسلامية لدى الرأي العام الدولي وعلى صعيد المنطقة، كما أنها تدفع للاعتقاد بأن الحكومة الإيرانية غير متعاونة على الصعيد الدولي، وأن السياسات الغربية المتبعة تجاه طهران هي سياسات مشروعة وأن ما تراهن عليه خاسر من البداية، كما أن المراهنة عليه كان أمراً بعيداً عن الرؤية السياسية الصحيحة ويجافي العقل و التعقل.

أعتقد أنّ الموقف الإيراني الثابت والمصر على دعم النسق السياسي السوري، ينبع من أنّ سورية هي بوّابة إيران للعالمين العربي والإسلامي، بجانب ما تم بناءه من تحالف استراتيجي عميق على خطوط علاقات دمشق طهران قبل أكثر من أربعين عاماً. ولكن الأدهى من الأسباب والتي تجعل إصرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على سياساتها اتجاه سورية، مسألة حياة أو موت ؟ تتقولب من أنّ إيران تعتبر في المنطقة كالجزيرة الوحيدة وسط بحر من الجيران غير المتعاونين (كدول مجلس التعاون الخليجي وأذربيجان)، ولا يستسيغ المنافسين لطهران(مثل تركيا والسعودية وقطر”واسرائيل”) تفوق ايران وتمتعها بقوّة كبيرة، وكذلك التيارات المعادية للشيعة والحركات السلفية والوهابية التي لها جذور في الدول العربية و باكستان وتصل حتى آسيا الوسطى.

من هنا فإن الإيديولوجية السياسية التي تتبعها الجمهورية الإسلامية، لا تجيز لها إمكانية الاستفادة من التحالف مع القوى العظمى(كالولايات المتحدة الأمريكية)، وبعض قوى المنطقة  الطارئة على كل شيء، التي تتشابه مع موقعها(الكيان الصهيوني البغيض)لكسب نقاط قوة بهدف تحصين موقعها المتفرد بين دول المنطقة. لهذا تعاظم بشكل كبير أهمية الدول المعدودة في المنطقة التي تجمعها مع إيران علاقات جيدة كالعراق وأفغانستان وسورية(والتي من حكم القضاء والقدر تعتبر ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لإيران).

بعيداً عن العوامل التي أوجدت هذه الظروف، وبإلقاء نظرة على البنية السياسية والمذهبية لمعارضي الحكومة السورية والدول الداعمة لهم، تظهر مؤشرات تدل على أن انتصار المعارضين على الحكومة السورية الفعلية، وتقاذف السلطة من جهة لأخرى سيترافق مع مرحلة سياسية كاملة تنعدم فيها الرغبة بإقامة علاقات جيدة مع إيران، في حين سيتجه هؤلاء نحو السعودية وسيهيمون عشقاً بالغرب (بالرغم من أن البعض يعتقد أن عدم تدخل الغرب المباشر في الأزمة السورية جعل المعارضين يتذمرون).

بعبارة أخرى تغيير النسق السياسي في سورية، يعني إضافة حلقة أخرى إلى سلسلة منافسي إيران في المنطقة وفقدانها حليف استراتيجي قوي.

كما تعتبر محطة حزب الله وما يشكله في وجدان الشعب الإيراني وحكومته، سبب استراتيجي آخر في الإصرار الإيراني المسلم على دعم النسق السياسي السوري:- ففي ظروف تعلن فيها إسرائيل باستمرار عن نيتها شن حملة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، كما تصّر الولايات المتحدة على أن كل الاحتمالات مطروحة أمامها بالنسبة للملف النووي الإيراني، فإن وجود حزب الله في لبنان باعتباره قوة عسكرية لا يستهان بها والذي تجمعه علاقات متميزة مع الجمهورية الإسلامية، وبحكم مجاورته للكيان الصهيوني يفتح المجال أمام توجيه ضربات لهذا الكيان ويمكن أن يلعب دور الذراع الإيراني الرادع في وجه هذه التهديدات. وتعتبر سورية أهم جسر يربط إيران بحزب الله وتغيير الحكومة يعني قطع هذا الارتباط لهذا يعتبر موضوع بقاء الحكومة السورية الحالية أمراً حيوياً وهاماً بالنسبة للجمهورية الإسلامية.

كذلك تعتبر سورية عمق استراتيجي لإيران، فموضوع توأمة الأزمة السورية والملف النووي الإيراني وتربعهما على سلم أولويات السياسات الغربية، ضيّع فرصة التركيز على أحدهما وفي المحصلة تضاءلت قدرة الغرب على دفع هذه القضايا في مسير رغباته، ويتجلى هذا الأمر في أكثر من سيناريو، وهو شن هجوم عسكري ضد إيران أو سورية، رغم تطورات الحالة السورية ومناخاتها الجديدة واستمرار المفاوضات الأيرانية مع السداسية الدولية حتى تموز القادم 2015 م.

الغرب(كما يدعّي)يضع خيار الحل العسكري بالنسبة للقضية النووية الإيرانية على الطاولة (إلى جانب الخيارات الأخرى)، وبدون حل الأزمة السورية بما يحقق رغباته ستكون قدرته على شن هجوم على إيران ضئيلة، وإذا كان قادراً على التدخل العسكري في سورية سيكون الدعم الإيراني مانعاً جديّاً أمام تحقق هذا الأمر، من هنا يتم تعريف كلا البلدين إيران وسورية بأنهما يشكلان عمقا استراتيجيا لبعضهما البعض، الأمر الذي يعزز من علاقاتهما ومن موقفها في مواجهة الغرب. على أي حال تؤكد المعطيات الواقعية على الدعم الإيراني للحكومة السورية، لكن هناك أمر بالغ الحساسية في هذا السياق حيث يتوجب الانتباه إليه جيداً وهو: كيفية ترجمة هذا الدعم وفي المرتبة التالية الأخذ بعين الاعتبار التخطيط للسيناريوهات المحتمل تطبيقها في سورية حتى لو كان احتمال سقوط الحكومة السورية ضئيل. لكن في حال ظهور هكذا احتمال ستجبر إيران على ترك كل الساحات والميادين السياسية في سورية لمنافسيها وهذا الأمر يستلزم تخطيط دقيق وإتباع ديناميكية ذكية في السياسة الخارجية.

وجدير بالذكر أنه لا أحد من داعمي المعارضين السوريين مهتم بالحرية والديمقراطية ولا تعنيه بشيء الموازين الأخلاقية ولا أرواح وأموال الشعب السوري، بل هناك شيء واحد يوجّه الدول التي تدعم المعارضين في سورية وهو مصالحها ومنافعها حيث يشيرون بوضوح بالغ بأنهم سيستخدمون أي طريقة لتحقيق أهدافهم وتأمين مصالحهم.

هناك نقطة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار وهي الرأي العام، وخاصة الرأي العام في الداخل الإيراني، لأن الوجدان الأخلاقي لعامة الناس هو المستهدف الرئيسي في الحرب النفسية وحرب الدعايات الإعلامية التي تخوضها وسائل الإعلام الأجنبية. وتمثلت إحدى هذه الأساليب بتعزيز قوة الميليشيات المسلحة وإقحامها في عمليات عنفيّه وتوظيف ردود فعل الجيش العربي السوري على هذه العمليات إعلامياً. في حين تُملي المعايير الإنسانية  على تقديم حلول سلمية للأزمة السورية تُنهي إراقة الدماء، والأخير ما يؤكده دائماً مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وما مسألة انخفاضات في أسعار النفط في العالم الآن، ما هي الاّ أحد مظاهر الأرتباط الوثيق بين الحرب المزعومة على الأرهاب وعروقه في المنطقة، وبين الأهداف الأقتصادية الأخرى لهذه الحرب المزعومة غير المقنعة الاّ لمن هو شريك بها.

وتعتقد أمريكا ومن يوحي لها بهذا الأعتقاد، أنّ تخفيض سعر النفط سوف يؤثر على ايران وروسيا وفنزويلا وبالتالي على سورية، وأنّه شكل آخر من أشكال العقوبات الأقتصادية، وقد يكون ذلك صحيحاً في أحد مآلاته وله تأثيرات محدودة الى حد ما، مع استفادات صينية عميقة مؤقتة لهذا التخفيض حيث الأخيرة أخطر أعداء واشنطن هكذا تصورها أمريكا، وحيث بكين أكبر دولة تستورد النفط لحاجاتها له ولنمو اقتصادها وصناعاتها، ثم ستعود واشنطن من جديد الى رفع أسعار النفط لضرب الأقتصاد الصيني من جديد، فتستفيد روسيّا وايران وحلفاء واشنطن وهكذا دواليك، هذه لعبة أمريكية مزدوجة بنتائج سلبية وايجابية على الجميع بما فيها أمريكا نفسها، للمحافظة على التوتر في العالم وجعل أمريكا ضرورة شيطانية لابدّ منها.

 لكن بالمقابل تناسى من يقف وراء هذا الأنخفاض لسعر النفط، أنّ الكثير من الدول الحليفة لواشنطن تتكبد خسائر فادحة بما فيه الأقتصاد الأمريكي نفسه، حيث مشاريع الطاقة البديلة الكبرى في الداخل الأمريكي والتي تم الترويج لها سابقاً، ستصبح غير ذي جدوى بالمعنى الأقتصادي مع انخفاض سعر النفط، وبالنتيجة الخسائر ستلحق تباعاً بالأقتصاد الأمريكي الذي يعاني بعمق من ركود وحالات تضخم مالي كبيره، كما سيتضرر الجميع من الدول في منظومات العلاقات الدولية في الأمن والسياسة والدبلوماسية. 

ومرةّ ثانيةً قامت أمريكا بلعبة تخفيض أسعار النفط رغم خسارتها من الصخر الزيتي، لغايات ضرب روسيّا وايران وفنزويلا بضربة واحدة مع دفع دول المشيخات العربية لمواصلة ضخ النفط لأغراق السوق، حيث للولايات المتحدة الأمريكية(استراتيجية صامته)تسعى لتجربتها في المنطقة العربية والعالم، بعد أن فقدت استراتيجياتها الحالية أقدامها بما فيها (استراتيجية الوقت)التي تراهن عليها الآن في حربها المزعومة على الأرهاب، بأنّ ينتج عن ضرب مجتمعات الدواعش منظومات صديقة لها، أو القيام بضربات ملتبسة وحسب وجهة النظرة الفرنسية والتركية حيث المعني وحدات الجيش العربي السوري في حلب تحديداً، كونه هناك محاولات لكي تكون حلب مشمولة بخدمات التحالف الجوي لضرب الدواعش ومنظمة خراسان المنظمة الوهم.

انّ مضمون(استراتيجية الصمت الأمريكية)هي وقود بشري، ووسائل جاهلية، تستخدم الدين والمذهب، والقبيلة والأقتصاد والفقر، كقنابل في الحرب العالمية الثالثة أهم من النووي والكيميائي، عبر الصراعات الأثنية والعرقية والقوميات المختلفة في كل المنطقة الشرق الأوسطية لأنشاء دويلات اثنية وقومية متصارعة.

تحاول كل من الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية العربية الى افلاس روسيّا، من خلال تخفيض سعر النفط، فنتائجها الأيجابية على واشنطن كما تعتقد في اطار السياسة والعسكر والأقتصاد والتأثير أكبر من السلبيات وممكن لها في الحد الأدنى وعبر لعبة الطاقة وأسعارها هذه، أن تجعل حياة الروس وايران صعبة دون التمكن من انهائها.

حيث الأهداف مزدوجة لكلا العاصمة السعودية والأمريكية، فالسعودية تدفع ايران الى حالة من الأحتضار والموت البطىء، بسبب خفض أسعار النفط ونوع من العقوبات لدفعها الى اتفاقات تسعى لها الرياض في جلّ الملفات السوريّة واليمنيّة والعراقية واللبنانية والفلسطينية بما يتفق ومصالحها، وهذا ما تعتقده السعودية ونخبة حكمها السياسية من العائلة المالكة بني أميّه العصر الحديث.

في حين تسعى واشنطن دي سي الى حالة من توتير العلاقات بين الرئيس فلادمير بوتين، مع النخبة الروسية السياسية الحاكمة والمؤسسات التجارية كركيزتين أساسيتين من ركائزه السياسية الداعمة له ولمنظومة الحكم الروسية، بالرغم من أنّ مفاعيل وتفاعلات هذه الضغوط لن تغير شيء يذكر من آليات استراتيجيات الصراع الروسي الأمريكي التي ينتهجها ويجيد عملها الرئيس فلادمير بوتين، وان كانت تدفعه الى الميل نحو المزيد من الهدوء والبراغماتية السياسية دون التراجع قيد أنملة في ما يجري في سورية والمنطقة، وعن دعم النسق السياسي السوري والى آخر نقطة ولحظة حياتية، وتداعيات ومآلات زيارة وليد المعلّم لموسكو ونتائجها ماثلة أمام الجميع.

ولا ثمّة خطب ومفارقة في تفضيل موسكو وايران لسعر برميل النفط في أن يكون بحدود مائة $ أو أكثر، لغايات المحافظة على التوازن المالي في ميزانيتهما، حيث قد تضطر ايران مثلاً في حال استمر سعر النفط بالتراجع الى رفع أسعار النفط ومشتقاته في الداخل الأيراني، وهذا من شّأنه أن يقود الطبقة الوسطى هناك الى مزيد من الدفع المالي كأثمان اقتصادية ومالية مقابل برامج الحكومة الأقتصادية المختلفة والتي يستفيد منها الفقراء.

بعبارة أخرى التعويض عن الخسائر الأقتصادية، مقابل نتائج سياسية في الداخل الأيراني ربما لن تكون الى جانب حكومة السيد حسن روحاني، ان لم تتداركها الدولة الأيرانية بحكمة وذكاء وصبر كحياكة السجّادة الأيرانية المشهورة، والتي تتطلب صبر وحكمة وذكاء مع القدرة على تقطيع الزمن والذي هو نتاج مدرسة الوقت والزمن السورية. 

ومنذ بدايات الأحداث في الداخل السوري، أدرك الجميع بعمق من الأصدقاء والأعداء على حد سواء، أن الأحداث في هذا البلد(سورية)مرتبطة “بلعبة” محكمة تستهدف إيران حليفَ سورية رقم واحد. وبعبارة أخرى استهداف “حلقة” تكتيكية سورية، لأستهداف الحلقة الأستراتيجية الكبرى ايران، فقد كان فك ارتباط سورية عن إيران وتفكيك”كتلة المقاومة”التي شكلتها دمشق وطهران أحدَ أهداف الميليشيات المعارضة للحكومة في سورية والمدعومة من قوى أجنبية. فمن شأن مثل هذا الشرخ بين دمشق وطهران أن يغيرَ التوازنَ الاستراتيجي في الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل الصهيونية.

ويرى فريق من الخبراء المهتمين بكلا الملفين أو الحلقتين، بأنّ تغيير النسق السياسي في سورية لا يشكل وبأي صورة من الصور الطريقة الوحيدة أو الرئيسة، بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، لمنع سورية من الوقوف إلى جانب إيران. كما أن الاقتتال الطائفي ليس نتيجة عشوائية لغياب الاستقرار في سورية، بل مشروعاً مساعداً عملت الولايات المتحدة وحلفاؤها على إذكائه بهدف واضح يتمثل في “بَلقنَة” الجمهورية العربية السورية، ولأسرائيل الصهيونية أكثر من أية دولة في المنطقة، المصلحة الأستراتيجية الكبرى في تحقيق هذا الهدف. ويمتلك الإسرائيليون العديد من الوثائق العلنية، بما في ذلك “خطة بينون”، التي تبين أن تدمير سورية وتفتيتها إلى دويلات طائفية صغيرة يشكل أحد الأهداف الإستراتيجية وليس كلها، وينطبق الأمر والحال نفسه على المخططين العسكريين الأمريكيين.

وعلى غرار نموذج(العراق)المجاور، ليس هناك حاجة لتقسيم سورية بشكل رسمي، إذ يمكن تقسيم الدولة والجغرافيا السورية مثل لبنان تماماً، على طول إقطاعات متعددة وامتدادات جغرافية سيطرت وتسيطر عليها مجموعات مختلفة خلال نموذج الحرب الأهلية اللبنانية، والهدف هو تحييد سورية كدولة اقليمية حقيقية وبصفتها لاعباً خارجياً.

منذ سنة 2006م حرب تموز والهزيمة الإسرائيلية الكبرى في لبنان في تلك السنة، كان هناك تركيز متجدد على التحالف الإستراتيجي بين دمشق وطهران. فقد وقفت كلا العاصمتين بقوة في وجه المخططات الأمريكية الصهيونية في المنطقة. وقد كانت طهران وسورية لاعبَين رئيسييَن في التأثير على الأحداث في جلّ الشرق الأوسط، من شرق المتوسط إلى الخليج. فقد لعب تحالفهما الإستراتيجي دون أدنى شك، دوراً هاماً في تشكيل الطبيعة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن نقّاد دمشق يقولون إنها لم تفعل سوى القليل لمواجهة إسرائيل، كان السوريون في هذا التحالف الشريكَ الذي حملَ العبءَ الأثقل في مواجهة إسرائيل، فسورية هي التي زودت حزب الله والفلسطينيين بالملاذات الآمنة والمعلومات اللوجستية، والعمق الإستراتيجي الحيوي ضد إسرائيل الصهيونية.

من زاوية أخرى في الحدث السوري، أسهبت بيانات قادة المعارضة السورية المدعومة من الخارج، أهدافَهم الخارجية التي كانت انعكاساً للمصالح التي يخدمونها. حتى أن القوّات المناوئة للحكومة وقادتها أعلنوا أنهم سيعيدون توجيه سورية ضد إيران، وقد استخدموا في خطابهم هذا، لغة طائفية حول العودة إلى “فلكهم الطبيعي بين العرب السنة”، ويصب هذا في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل الصهيونية معاً، فطالما كان كسر المحور بين دمشق وطهران هدفاً رئيسياً للسعودية، ومشيخات النفط العربية والبعض العربي الآخر، منذ الثمانينيات من القرن الماضي كجزء من خطة لعزل إيران خلال الحرب الإيرانية – العراقية. وفوق ذلك، تشكل اللغة الطائفية المستخدَمَة جزأ من بنية مركبة، فهي لا تعكس الواقع، بل تعكس فكرة ورغبة استشراقية تنطوي بشكل مزيف، على فكرة مفادها أن المسلمين الذين ينظرون إلى أنفسهم كشيعة أو سنة متنافرون مع بعضهم البعض بصفتهم أعداء.

من بين قادة المعارضة السورية المدعومة خارجياً فقط، الذين يعملون على تنفيذ الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة واسرائيل الصهيونية، برهان غليون، عبد الباسط سدا، رئيس ما يسمى بالأتلاف السوري المعارض، الى معاز الخطيب ومن هم على شاكلتهم من تلك المسامير الصدئة، في أحذية اتباع اتباع المشروع الصهيو – أمريكي في المنطقة. هذا وقد تحدث برهان غليون الرئيس السابق ﻠ “المجلس الوطني السوري” في اسطنبول المدعوم من الخارج ﻠ “وول ستريت جورنال” في سنة 2011م:- إن دمشق ستنهي تحالفها الإستراتيجي مع إيران وتوقف دعمها لحزب الله والفلسطينيين حالما تسيطر القوات المناوئة للحكومة على السلطة، وقد قامت شخصيات المعارضة هذه، المدعومة من الخارج، بتعزيز السرود العريضة التي تزعم أن السنة والشيعة يكرهون بعضهم البعض. وبالتزامن مع ذلك روجَ الإعلام الرسمي في البلدان التي تعمل على تغيير النظام في سورية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، أن النظام في سورية هو نظام علوي متحالف مع إيران، لأن العلويين فرع من الشيعة. وهذا أيضاً غير صحيح، لأن سورية وإيران لا تشتركان في إيديولوجية واحدة؛ إذ إن تحالف البلدين ناتج عن تهديد مشترك وأهداف سياسية وإستراتيجية مشتركة، كما أن سورية لا يقودها نظام علوي؛ إذ تعكس بنية الحكومة التنوعَ الإثني والديني للمجتمع السوري.

وفيما يتعلق بالكيان الصهيوني الطارىء على الجغرافيا والتاريخ في المنطقة، والطارىء حتّى على ذاته ونفسه، يرى أنّ الموضوع السوري يتعلق بإيران وكلاهما موضوع واحد. وكأنه لا علاقة لتل أبيب بما يحدث في سورية، يصر المعلقون والمحللون الإسرائيليون الآن، وبشكل علني، أن إسرائيل بحاجة إلى التعامل مع إيران من خلال التدخل في سورية، وقد تبلورَ التورط الإسرائيلي في سورية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والناتو منذ العام 2012 م. وكان واضحاً أن إسرائيل تعمل في مجموعة مكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا والناتو والسعودية وقطر والبعض العربي الأخر وتحالف 14 آذار الذي يشكل الأقلية اللبنانية، والمغتصبين المدعومين من الناتو الذين سيطروا على الجماهيرية العربية الليبية ودمروها وقتلوا زعيمها العربي البدوي معمّر القذافي.

إن الصراع في سورية العربية ليس شأناً إسرائيلياً فقط، فالنزيف البطيء في سورية يهم أطرافاً أخرى تريد تحطيم الدولة السورية ومجتمعها إلى أجزاء متناثرة، والولايات المتحدة أحد أهم هذه الأطراف، يليها الدكتاتوريون العرب، كما أن الناتو كان دائماً متورطاً فيما يحدث بشكل سري.

إن تورط الناتو في سورية جزء من إستراتيجية الولايات المتحدة في استخدام التحالف العسكري للهيمنة على الشرق الأوسط، ولهذا السبب تم اتخاذ القرار بنصب جزء من الدرع الصاروخي في تركيا، ولهذا السبب أيضاً يتم نشر صواريخ “باتريوت” على الحدود السورية مع تركيا، كما أن “مبادرة اسطنبول للتعاون” و “الحوار المتوسطي” برعاية الناتو من مكونات هذه الخطط أيضاً، وإضافة إلى ذلك، ألغت تركيا “الڤيتو” الذي سبق أن استخدمته ضد انضمام إسرائيل الصهيونية إلى الناتو.

يعيد الناتو توجيه نفسه نحو الحرب غير المتساوقة، كما يتم التركيز الآن على العمليات الاستخباراتية، وقد انكبَ المخططون الإستراتيجيون في الناتو وبشكل متزايد، على دراسة الأكراد والعراق وحزب الله وسورية وإيران والفلسطينيين والنسيج الديمغرافي الخليط في الأردن. وفي سيناريو الحرب الشاملة، يحضّر الناتو نفسه لأدوار عسكرية سرية في كل من سورية وإيران ثم في الصراع العربي الأسرائيلي، والذي تم اختصاره قصداً من بعض العرب بالمسار الفلسطيني – الأسرائيلي ضمن ما تسمى بعملية السلام في المنطقة.

هذا ويتم العمل أيضاً على زعزعة العراق بشكل أكبر، فبينما تم اختبار حلفاء إيران في دمشق، لم يتم اختبار حلفائها في العراق بعد، فبعد سورية، سوف يتحول اهتمام مجموعة الدول التي تعمل ضد سورية إلى العراق، وقد شرعوا سلفاً في تحريك العراق على أساس خطوط التماس الطائفية والسياسية، وتلعب تركيا وقطر والسعودية أدواراً هامة في تحقيق هذا الهدف، والواضح الآن هو أنّ الفروق بين المسلمين الشيعة والمسلمين السنة التي عملت واشنطن على تعميقها منذ الغزو الآنغلو – أمريكي للعراق في سنة 2003م تتفاقم الآن عبر الطائفية الكردية.

يبدو أن الكثيرين في المؤسسة السياسية الإسرائيلية الصهيونية،  يعتقدون الآن أنهم نجحوا في تحطيم “كتلة المقاومة” ومحورها، وسواء كانوا على صواب أم لا، فهذا موضوع خاضع للنقاش والتحاور والتداول، لا تزال سورية واقفة على قدميها، و “حركة الجهاد الإسلامي” الفلسطينية(التي كانت المجموعة الفلسطينية الأكثر نشاطاً في محاربتها لإسرائيل من غزة في 2012م و 2014 م)، وفصائل فلسطينية أخرى سوف تقف مع إيران حتى لو تمكنت مصر من تقييد يدي “حماس”، وهناك أيضاً حلفاء إيران في العراق، كما أن سورية ليست خط الإمداد الوحيد لإيران لتسليح حليفها حزب الله، الواضح أيضاً أن الحصار والحرب الكونية على سورية هي واجهة في الحرب السرية متعددة الأبعاد ضد إيران. ومن شأن هذا وحده أن يدفعَ الناس إلى إعادة التفكير، في تصريحات المسؤولين الأمريكيين وحلفائهم حول قلقهم على الشعب السوري على أساس من الإنسانية والديمقراطية.

هناك مرحلة إستراتيجية في حرب البنتاغون السريّة ضد طهران وعليها، حتّى وقبل الأنتهاء من الملف السوري ضمن الخيارات المحدودة والمحصورة عبر التسويات السياسية الراهنة، أو مآلات نتائج تمديد المفاوضات النووية الى تموز 2015م، حيث تستثمر الولايات المتحدة الأمريكية باستراتيجية الوقت وانتظار تطورات الميدان واللعب في مكونات المحور الخصم لها في المنطقة والعالم، بما فيها مكونات ديمغرافية ومفاصل الدولة الفدرالية الروسية ومكونات ديمغرافية ومفاصل الدولة الصينية.

www.roussanlegal.0pi.com

mohd_ahamd2003@yahoo.com

خلوي:- 0795615721   منزل – عمّان : 5674111

سما الروسان في 30  – 11 – 20143 م.

 

تمت القراءة 389مرة

عن محمد أحمد الروسان

محمد أحمد الروسان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE