الرئيسية > كتاب اللواء > صوت الضمير.. في الغرب
إعلان

صوت الضمير.. في الغرب

 

بقلم: شعبان عبدالرحمن (*)

وسط أهوال الحرب التي يشنها الغرب على العالم الإسلامي، وتشعل أوار الغضب والعداء لدى الشعوب تجاه ذلك الاستعمار الحديث؛ ثمة إشارات إيجابية تصدر بين الحين والآخر من داخل المجتمعات الغربية، وعبر بعض مؤسسات المجتمع المدني والقانوني، بل وبعض الحكومات.. ولكننا في الشرق لم ننتبه كثيراً لذلك، ولم نتوقف عنده، فضلاً عن الاستفادة منه والتواصل معه.

أتوقف قليلاً لتسليط مزيد من الضوء، وأعود قليلاً إلى الحرب الأخيرة على غزة، وما أحدثته من ردود أفعال غاضبة وغير مسبوقة في الغرب ضد وحشية الكيان الصهيوني، ونحو تأييد الحق الفلسطيني.. وأشير في هذا الصدد إلى استدعاء ست دول من أمريكا الجنوبية لسفرائها من الكيان الصهيوني، إضافة إلى مواقف البرازيل والسويد المنددة بالعدوان، وظهور مندوبة إسبانيا في البرلمان الأوروبي مرتدية الكوفية الفلسطينية، وإعلان «سعيدة وارسي»، أول وزيرة بريطانية مسلمة، استقالتها؛ رفضاً لسياسة حكومة بلادها حيال العدوان الصهيوني على ‏غزة.. وكل ذلك يمثل موقفاً قوياً ولافتاً يصدر لأول مرة من الغرب.

كما أن تلك المظاهرات الحاشدة التي ملأت شوارع العديد من العواصم الغربية تمثل إشارة أخرى، فقد شهدت باريس أضخم مظاهرة خرجت بالرغم من تهديد السلطات لمنظميها بعدم الخروج، كما شهدت لندن ومعظم العواصم الأوروبية مظاهرات مماثلة صاحبتها حملة شعبية غير مسبوقة لمقاطعة البضائع والشركات «الإسرائيلية».

ولم يكن ذلك الموقف الغربي المؤيد للحق الفلسطيني في غزة جديداً؛ حتى لا يلتفت إليه أحد ويمر عليه مرور الكرام هكذا.. كانت هناك على امتداد العقود الماضية مواقف مؤيدة للحق العربي، وكانت صادمة للكيان الصهيوني من شخصيات هي ملء السمع والبصر وذات تأثير كبير في الغرب، ولكنها في لحظة صدق مع النفس نطقت بكلمة الحق، ودفعت ثمناً باهظاً، ولكن لم يتواصل معها أحد من الشرق العربي لتثمين مواقفها – على الأقل – وعلى سبيل المثال أتوقف أمام الحالات التالية:

ذلك الموقف الذي أعلنته العميدة السابقة لصحفيي «البيت الأبيض»، الأمريكية المخضرمة «هيلين توماس»، تلك الصحفية (توفيت عام 2013م) التي غطت أخبار البيت الأبيض لنحو خمسة عقود، وتابعت أخبار نحو عشرة رؤساء أمريكيين، وكانت تلقب بـ»أيقونة الصحافة الأمريكية»، لكنها خسرت كل مواقعها ومناصبها وكل هالات التكريم داخل الدوائر الأمريكية عندما استيقظ ضميرها في لحظة صدق مع النفس قائلة عام 2010م: «إن على الإسرائيليين أن يخرجوا من فلسطين ويعودوا إلى ديارهم، هؤلاء الناس محتلون، وعليهم أن يرجعوا إلى ألمانيا أو بولندا..».

موقف آخر لا يقل جسارة صدر من كبير القضاة في بريطانيا اللورد «فيليبس» منصفاً الشريعة الإسلامية عندما أعلن «عدم وجود ما يمنع من اللجوء لقواعد الشريعة الإسلامية في حل النزاعات؛ فالشريعة الإسلامية عانت من سوء فهم واسع النطاق».

ولعل «كبير القضاة» وهو يجازف بهذه الشهادة بحق الشريعة الإسلامية لم يغب عن ذهنه الحملة الكبيرة التي تم تجريدها ضد كبير أساقفة كانتربري « د. روان ويليامز» عقب تصريحات مماثلة أنصفت الشريعة الإسلامية، عندما قال في فبراير 2008م: «إن استخدام بعض جوانب الشريعة يبدو لا مفر منه»، واقترح أن تؤدي الشريعة دوراً في بعض جوانب قوانين الزواج، وتنظيم المعاملات المالية، وحل النزاعات».

وهناك العشرات من مشاهير الفن والسياسة والاقتصاد في الغرب الذين اعتنقوا الإسلام، وتحولوا إلى دعاة لهذا الدين الحنيف، ويشارك بعضهم في حوار الحضارات وهم على استعداد للتواصل مع العرب والمسلمين.

ولم يخلُ الميدان الأكاديمي بمنظومته التعليمية الواسعة من صوت الضمير الحي، وأشير – في هذا الصدد – إلى اثنين من كبار الأكاديميين، هما: «جون ميرشامير»، أستاذ العلوم السياسة، ومساعد مدير برنامج سياسة الأمن الدولي بجامعة شيكاغو الأمريكية، و»ستيفن والت»، أستاذ العلاقات الدولية بكليّة جون كندي بجامعة هارفرد، اللذان يمثلان – بحق – صوت الضمير الأكاديمي الحي.. فقد قام الرجلان بما يشبه العملية الاستشهادية ولكن في ميدان البحث العلمي النزيه والشفاف.. ففي منتصف شهر مارس 2006م أصدر الرجلان ما يمكن تسميته بأجرأ دراسة أكاديمية في الولايات المتّحدة «اللوبي الإسرائيلي وسياسة أمريكا الخارجية»، قاما خلالها وبطريقة علمية نزيهة بتشريح اللوبي الصهيوني وتعرية أخطاره على الولايات المتحدة حاضراً ومستقبلاً، وهو ما لم يجرؤ أي أكاديمي على فعله قبلهما.. المهم أن تلك الدراسة جاءت موثقة بشكل بالغ الدقّة، وهو ما وضع كل من يحاول النيل منها أو تكذيب ما جاء فيها في مأزق كبير، ولم يجد اللوبي الصهيوني حلاًّ معها سوى الضغط على جامعة هارفارد التي حملت الدراسة شعارها لسحب الشعار والتخلي عن الدراسة!

واللافت للانتباه هنا، أن «جون ميرشامير»، و»ستيفن والت» لم يقفا وحدهما أمام موجة الضغوط والابتزاز المتواصلة من اللوبي الصهيوني، وإنما انضم إليهما جمع كبير من الأكاديميين، فقد أجرى معهد «أبحاث الشرق الأوسط» في واشنطن استطلاعاً على 2300 أكاديمي أمريكي لمعرفة رأيهم في تلك الدراسة الجريئة؛ فأعرب 91% منهم عن اعتقادهم بأن: «ما جاء في الدراسة دقيق تماماً، وأن تكتيكات اللوبي «الإسرائيلي» تعرض الولايات المتحدة إلى ظهور شعور معاد لها في الشرق الأوسط».

لا نبالغ إذا قلنا: إن تياراً جسوراً برز على الساحة الأمريكية من داخل المؤسسة العلمية والأكاديمية، وبدأ يتحدث بصوت مسموع ليس عن طريق المظاهرات، ولكن عن طريق مخاطبة العقل والوجدان عبر الدراسات العلمية الموثقة.

هذا التيار الأكاديمي ينضم إلى المئات من الجنرالات والمفكرين والساسة والكتَّاب الذين استيقظ ضميرهم المهني – كل في مجاله – منددين بالسياسة الأمريكية في العراق وفلسطين وغيرها من بلاد العالم.

أعتقد أن هؤلاء جميعاً يمثلون «مؤسسة الضمير الحي» في الغرب ويحيط بهم – بلا شك – مئات الآلاف من الشعوب الغربية.

إن هؤلاء جميعاً يمثلون تياراً معتبراً يخدم قضايانا بقوة وحيوية لا تقل عن دور الجيوش، ولو أنفق إعلامنا وساستنا ومؤسساتنا الفكرية سنوات من الجهود لما أثمرت ما تثمره جهود هذا التيار الذي يمثل «مؤسسة الضمير الحي» في الغرب.. والسؤال: لماذا لم تفكر مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا ومؤسساتنا العلمية ومفكرونا وكل المهتمين بقضية الحرية والاستقلال بمد جسور التعاون مع تلك المؤسسة الغربية المهمة وإقامة تعاون واسع معها وتوحيد الجهود ضد ذلك العبث الذي تمارسه السياسات الاستعمارية؟

———————————–

(*) كاتب مصري – مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية

Shaban1212@gmail.com

https://www.facebook.com/shaban.abdelrahman.1?fref=ts

twitter: @shabanpress

 

 

تمت القراءة 199مرة

عن شعبان عبدالرحمن

شعبان عبدالرحمن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE