أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > صراع الإبداع والإتباع ..
إعلان

صراع الإبداع والإتباع ..

قراءة في قصيدة ” سيرة الإرث ” للشاعر طلال الطويرقي

بقلم : هايل المذابي – اليمن

Strings1983@gmail.com

أولاً / النص

(سيرة الإرث)

(طلال الطويرقي)

 

الآن تتسع الغيوم لغينا،

والبحر للحدقاتِ،

يا وله المسافر حين تكتمل العبارة

دونما ذكرى

ولذا سنترك كل شيء يافعا للماءِ

كيما يدرك الماضون وجهتنا،

وننسى كل ما تركوا لنا.

الآن تندلق المسافة في يقين الصمت

والذكرى تحط على فضاء الروح

بالوله المصفى

دونما قيد

وندخل في سراديب المسافة مترفين.

هاهم تزم ملامح الأيام ضحكتهم

وتوغل في براءتها الأنيقة

ثم نوغل في فصاحة الأحداق إذ دمعت

ونذكر كل ما تركوا لنا

تركوا لنا ترطيب ضحكتهم كما لم يفعلوا،

تركوا مقاعدهم تنز لم يتألموا،

تركوا دخان حطامهم يعلو،

ومروا مثلما قلنا لهم.

تركوا لنا ترويض رغبتهم ولم يتعثروا،

تركوا ركام ذهولهم بالكاد يرتشف الحقيقة مرةًْ،

ولغير ما كنا نواطئهم مضوا.

 

*

مروا ولم نترك مكانا شاغرا لمرورهمْ،

سنوا لرغبتهم رماح وشاية نفذت بهمْ،

وتحلقوا لحضور أنتهم ولم يمضوا

بعيدا في تألقهم بها.

*

ينسون فوق ثيابهم عطرًا

به تزداد حصتهم ولا يبكونَ،

تأخذهم ملابسهمْ

لأبعد من مجرد زهوهم بجفافها.

*

تركوا لنا قبلا مبللةً

لنذكر أنهم بذروا الحياة لحزننا لم يبخلوا،

وتجشموا تعب المسير لوجدهم في السر لم يترددوا.

تركوا لنا الأحلام ننشرها

ونجهد في تتبع طيفها الظمآنِ

نكبر في تناسيها

وتصغر كلما اتسعت بنا الأيام كالذكرى.

*

قالوا لنا:

كنا بقرب دموعكم نطفوا ولم تتنبهوا،

كنا نمر بقرب موعدكم لدرء رصاصة كذبت،

وكان لنا المثول أمامها من دونكمْ.

قالوا لنا:

لم تتسع لمرور خيبتكم مقاعدنا ولم تتراجعوا،

ولذا تركنا الحزن يأخذكم لغيم دموعهِ

فرحًا بكمْ.

*

تركوا لنا تحديد وجهتهمْ،

جنائزهم بلا كفنٍ،

وقبرًا جاهزًا لعظامهمْ.

تركوا لنا أيضًا

رنينًا عاليًا برؤوسنا،

وصداع رأفتهم بنا.

تركوا جماجمهم تكز بقرب رجفتنا

دموعًا مرةً لغيابهمْ،

ولوحدهم راحوا يعزون الغياب نيابة عنا..

*

ثانياً / القراءة

في مطلع قصيدة الطويرقي ” سيرة الإرث ” يقول :” يا وله المسافر حين تكتمل العبارة / دونما ذكرى / ولذا سنترك كل شيء يافعا للماءِ / كيما يدرك الماضون وجهتنا، / وننسى كل ما تركوا لنا. ” وهي دعوة إلى التحرر والتمرد على التقليد المتعارف عليه في الإتباع، والتمرد على ما خلفه الأسلاف ..

إن أعمق حاجات الإنسان هي أن يخلق ويبدع ويُصيّر، قال تعالى ” فتبارك الله أحسن الخالقين ” ..

وواضح أن أزمة الذهن العربي, عدا تقديس الأسلاف ( atavism) وعبادة الماضي, واعتقاده بمقولة (لا جديد تحت الشمس ) هي أنه فقد قدرته على الخلق, لا أعني فقط قدرته على خلق عالمه, وتصميم الدنيا التي يحيا فيها بل, وهو الأهم، قدرته على تصميم نفسه, على إعادة الصياغة, على أن يكون لديه جديد كل ليلة , الذهن الذي يحفظ أو ينقل أو يقلد يصاب بالشلل إن فقد ماهيته أن يخلق ويبدع ويصير، ولا غرو من أن كل ذهن فقد قدرته على تصميم نفسه سيقوم غيره بتصميمه ..

لم يكن دقيقاً ما قاله بورخيس عن الكتب , من أن الناس في حقيقة الأمر يظلّون يتوارثون كتاباً واحداً بعناوين مختلفة وأن نصاً واحداً كتب مرّة واحدة وبات يتكرر من دون توقف ..

ولكأني بزهير شاعر ” الحكمة ” يهمس في أُذن بورخيس حين قال منذ عصور:

ما أرانا نقول إلاّ معاراً                      أو معاداً من قولنا مكرورا

ولكأني بأبي عثمان الجاحظ لم يبتغ شيئاً سوى الرد على أولئك جميعاً حين قال : ” ما على الناس من شيء أضر من قولهم ما ترك الأول للآخر شيئاً.. ” وكذلك قول أبو عثمان المازني ” لا ينفع المتقدم تقدمه إذا قصّر كما لا يضر المتأخر تأخره إذا أجاد..”

منذ عصور سحيقة والعرب تحديداً ما برحوا يرسفون في أغلال التقليد والإتباع درجة أنهم فقدوا قدرتهم على الخلق والإبداع ..

وبالعودة إلى قصيدة طلال نجد أكثر من مجرد فكرة التمرد على الإتباع ، يقول : ” هاهم تزم ملامح الأيام ضحكتهم / وتوغل في براءتها الأنيقة / ثم نوغل في فصاحة الأحداق إذ دمعت / ونذكر كل ما تركوا لنا / تركوا لنا ترطيب ضحكتهم كما لم يفعلوا، / تركوا مقاعدهم تنز لم يتألموا، / تركوا دخان حطامهم يعلو، / ومروا مثلما قلنا لهم. / تركوا لنا ترويض رغبتهم ولم يتعثروا، / تركوا ركام ذهولهم بالكاد يرتشف الحقيقة مرةًْ، / ولغير ما كنا نواطئهم مضوا. / “

إن من تأخذهم هيبة البحث عن حقيقة معينة لا يستطيعون كشفها إذ أنهم حكموا على أنفسهم –سلفاً –بالعجز والفشل ,والذين تمتلكهم هيبة العلماء السابقين يستحيل عليهم فهم أي شيء جديد, إذ أنهم لا يؤمنون بأي اكتشاف ذاتي يتوصلون إليه والأجيال التي تعبد جيلاً سابقا, وتعتقد أنه وصل إلى قمة العقل والمعرفة , تبقى هذه الأجيال – في أوحال الجهل لأنها تفقد الثقة بقدرتها على فهم أي شيء لم يفهمه ذلك الجيل السابق.

و التقليد قد يوجد – دون وجود علاقة عاطفية بين المقلدِّ والمقلدَّ بل بمجرد أن المقلدِّ ضعيف النفسية وغير مستعد للبحث بنفسه حول القضية أو الخلق والابتكار والابتداع فيتبع غيره في ذلك.

ولا نستغرب أن نجد على مستوى العقيدة أيضاً أن تكون حجة عبدة الأصنام والأوثان قديماً والآن وتعليلهم لعبادتهم بقولهم ” هذا ماوجدنا عليه من سبقونا ” أو ” آباؤنا ” وهذا ما أطلق عليه علماء الاجتماع بـ” البرهان الاجتماعي” .

إن الفكرة الجوهرية للقصيدة ومحورها الذي تدور في فلكه هو ” التقليد ” خصوصاً أنها تتحدث عن سيرة ” الإرث ” يقول طلال :

” تركوا لنا قبلا مبللةً / لنذكر أنهم بذروا الحياة لحزننا لم يبخلوا، / وتجشموا تعب المسير لوجدهم في السر لم يترددوا. / تركوا لنا الأحلام ننشرها / ونجهد في تتبع طيفها الظمآنِ

نكبر في تناسيها / وتصغر كلما اتسعت بنا الأيام كالذكرى. “

إن ثقافة التقليد عموماً وكمفهوم معاصر ” Traditionalisation ” هي ثقافة الجماعة والإجماع , ثقافة الأمة , ثقافة تعتبر نفسها ( ومن ثمة الأمة التي هي تعبير عنها ) نموذجاً ومثالاً ,وتعتبر كل جديد بدعة وضلالاً وخروجاً عن إجماع الأمة ولعل هذا ما يريد الشاعر الطويرقي الانتباه له في قصيدته .

إنها ثقافة الصهر والانصهار المؤطرة لموقع الفرد ولدوره ولوعيه ، لأحلامه ومتخيله حيث لا مجال لحرية أو لاستقلال الفرد .

ونحن في هذا العصر نشهد انتعاش ثقافة التقليد ,ووعي التقليد بذاته ,بل تسخيره للكثير من المعطيات التقنية والتنظيمية والثقافية للحداثة في صراعه ضد مظاهر التحديث.

افترض أن الثقافة التقليدية المنتعشة والمغتناة , بمكاسب الحداثة تطور وظيفتها في الصهر والضبط والمراقبة والعقاب وذلك من خلال العديد من الآليات منها الأمثلة (Idealization) والنمذجة للذات ,ومقابلها شيطنة الآخر ، منها الإجماع والتأكيد على وحدة الأمة التي هي كلية إنصهارية لا تجتمع على ضلال .فالضلال فردي والصواب جماعي ، ومنها التخوين على المستوى السياسي والتكفير على المستوى العقدي ,والاتهام بالعمالة الحضارية على المستوى الثقافي والفكري. ومنها رفض التجديد والإبداع واعتباره بدعة وابتداعاً, أي خروج عن الجادة وعن المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك ضال . وأيضاً تحديد سقف واطئ لحرية الضمير أو الوعي أو حرية الاعتقاد, إذ لا يحق لأيٍ كان المساءلة أو النقد .

هذه البنية العقدية هي نواة الثقافة العربية, بل إن هذه البنية تتحكم في كل البنيات الثقافية المشتقة وتوجهها, كمثال على ذلك نذكر بأن البنيات السياسية العصرية ذاتها ,التي من المفترض أنها تنطلق من بنية فكرية مغايرة تقوم على مبدأ تعدد القيم والمرجعيات والرؤى, تعيد إلى درجة كبيرة إنتاج هذه البنية العقدية التقليدية حيث تفرض الأنظمة السياسية العصرية نوعاً من الإجماع الداخلي ,ولا تسمح حتى بوجود تيارات رأي داخل صفوفها, بل إن البنية التنظيمية لهذه الأحزاب تكاد تكون بنية قدسية تراثية, وكثيراً ما تطغى اللغة الدينية متمثلة في مصطلحات الحلال والحرام في الخطاب السياسي الرسمي أو الحزبي ، وهذا ديدن القصيدة وفلكها : ” تركوا لنا تحديد وجهتهمْ، / جنائزهم بلا كفنٍ، / وقبرًا جاهزًا لعظامهمْ. / تركوا لنا أيضًا / رنينًا عاليًا برؤوسنا، / وصداع رأفتهم بنا. / تركوا جماجمهم تكز بقرب رجفتنا / دموعًا مرةً لغيابهمْ، / ولوحدهم راحوا يعزون الغياب نيابة عنا.. )).

تبقى مسألة أخرى وهي حالة الصراع بين الخلق والتقليد والاتباع تنبهنا له قصيدة الطويرقي، وثمة من يؤكد من الأصوليين أن كلمة ( إبداع ) وكلمة (خلق ) ليستا من صفة الإنسان بل من صفات الله فهو وحده ( خالق ) و(مبدع) وليس بإمكان الإنسان أن يصنع شيئاً من لا شيء . وقال أيضاً :إن مصطلح ( الإبداع ) لم يرد في الفكر الإسلامي الكلاسيكي فهو نتاج الحياة المعاصرة ومستورد من الغرب !!.

وهنا أعود إلى قصيدة طلال وأورد قوله :

” ولذا سنترك كل شيء يافعا للماءِ / كيما يدرك الماضون وجهتنا، / وننسى كل ما تركوا لنا. / الآن تندلق المسافة في يقين الصمت / والذكرى تحط على فضاء الروح / بالوله المصفى / دونما قيد / وندخل في سراديب المسافة مترفين. “

هنا أيضاً يستلب الإنسان من إمكاناته وقدراته ويهمّش, أي يغترب عن ذاته, بيد أن المعركة بين الجديد والقديم أو بين التقليد والخلق كانت دائماً قوة فاعلة في التاريخ ,قد تحتدم في عصر أكثر من غيره ولكنها لا تتوقف كلياً .

وفي المجتمع العربي هناك قوى تبدع وتجدد وتغير, كما أن هناك قوى تتبع وتقلد وتحافظ مكررة الأمس ,هذا ما نجده في مختلف المجالات الثقافية ,كما نجده في السياسة وغيرها ..

ومن الواضح أن القوى التي تبدع غير ما عرفه الماضي ليست غريبة عن التراث العربي ,وكانت في مختلف العصور في صراع مع القوى التقليدية المضادة..

لذلك نعتبر أن قوى التجديد كانت هي ونتاجها دائماً جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية .. وبهذا المعنى الإبداع أصيل كما الإتباع ,والعرب في مختلف أزمنتهم انقسموا بين مؤيدين للاتجاه التقليدي ومؤيدين للاتجاه التجديدي في إطار الصراع العام نتيجة للتناقضات الداخلية والخارجية .

بذلك نجد أن الثقافة العربية ليست جوهرياً ( ثقافة تقليدية ) بل هي ثقافة صراع بين القديم والجديد ,ففي كل عصر من العصور العربية هناك نظام سائد يمثل مصالح وقيم طبقات وجماعات محرومة , بمعنى أن الثقافة العربية تتمحور حول الصراع بين قوى متناقضة وليس حول الماضي أو حول المستقبل أو حول طرف من أطراف الصراع..

قد يغلب منحى على آخر في زمن ما ( وقد يكون منحى الإتباع أو الإبداع ) ولكن الصراع هو المحور دائماً ..

وكما أن هناك من يقيسون الحاضر والمستقبل على الماضي, هناك من يأخذون بهاجس الحداثة الذي يقوم على إدانة التقليد أو المحاكاة ,ورفض النسج على منوال الأقدمين والتوكيد على التفرد والسبق ,وعلى الابتكار .

والثقافة العامة هي معتقدات هؤلاء وأولئك متصارعة ,لذلك لا يجوز الكلام عن ذهنية عربية واحدة بل هناك ذهنيات عربية متناقضة وفي حالة مواجهه مما يدل على خطأ الاستنتاج بأن عبارات كالإبداع وإعادة النظر والحداثة لا تعني للمجتمع العربي إلا خروجاً على الأصل ولذلك أيضاً نعتبر الثقافة العربية ثقافة متحولة باستمرار والثابت فيها هو الصراع نفسه ,وليس التقليد أو الإبداع والخلق بحد ذاته…

 

 

تمت القراءة 231مرة

عن هايل المذابي

هايل المذابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE