الرئيسية > كتاب اللواء > شوكة دحلان !
إعلان

شوكة دحلان !

 

د. عادل محمد عايش الأسطل

عانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني(فتح) منذ انطلاقتها في أواخر الخمسينات الفائتة، العديد من الخلافات الداخلية، بناءً لتباينات في وجهات النظر بين قادتها المؤسسين حول مسألة ما، أو بشأن صراعات لمكاسب قيادية، والتي أنتجت انشقاقات ونزعات أخرى، بداية بانشقاق “أحمد جبريل” ومروراً بانشقاق “صبري البنا- أبونضال” 1974، و”أبو خالد العملة “عام 1976، و”عبد الكريم حمدي-أبو سائد” في العام 1980، والقيادي، “نمر صالح” في أعقاب الحرب الإسرائيلية للأراضي اللبنانية عام 1982، وانتهاءً بالحركة الانشقاقية (فتح الانتفاضة) التي قادها “سعيد مراغة- أبوموسى” في العام 1983، وبرغم أنها كانت تترك أثرها على قوة الحركة وعلاقاتها الخارجية، إلاّ أنها استطاعت المحافظة على نفسها، نظراً لوسع قاعدتها الشعبية، ودعم جهات عربية وأسباب أخرى، مكّنتها من تكريس سيطرتها على الجزء الأكبر من القضية الفلسطينية، ومن ثم إلى تغيير مسارها، من الكفاح المسلح إلى الطريق السياسي، والتي بدأت بإعلان الجزائر عام 1988، ومروراً بمؤتمر مدريد 1990، وانتهاءً باتفاق أوسلو 1993، والذي تم بناءً عليه، تصميم وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية.

على أرض الوطن، لم يكن الوضع أفضل حالاً، وبغض النظر عن معاناة الحركة، من قِبل حركات وفصائل، كحركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما، لمُعاداتها المشروع السياسي، حين اصطدمت بخلافات داخلية قيادية، مثل تنازع الصلاحيات كما حصل بين الرئيس “ياسر عرفات” و”أبومازن” أثناء رئاسته لمجلس الوزراء الذي جرى استحداثه تبعاً لمتطلبات المرحلة، وخلافات أخرى كانت تثور فيما بين الأجهزة السلطة نفسها، والتي تصل إلى المواجهة بالحديد والنار.

بلغت الخلافات أوجها داخل الحركة، في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد2 عام 2000، نتيجة قرار واشنطن وإسرائيل تغيير القيادة الفلسطينية، والذي أفسح المجال لـ “دحلان” باتجاه السيطرة على السلطة، بمساعدة قُربهِ – كما الزعم- من الرؤى الأمريكية والإسرائيلية، مستغلاً فترة الانتفاضة 2، بإحداث حالة من الفوضى والانفلات الأمني، في مواجهة الرئيس “ياسر عرفات”، والتي أدت في النهاية إلى انقسام الحركة بين تيارين: تيار “دحلان” بالاشتراك مع “أبومازن ” برغم علمهما المُسبق بنوايا سيئة متبادلة، والثاني: التيار الذي يمثله الرئيس “أبو عمار”.

سارع “أبومازن” منذ لحظة تولّيه السلطة أوائل 2005، إلى تنفيذ خطّته ضد “دحلان”، وذلك باستخدام ما لديه من صلاحيات وإمكانيات، لإزالة “دحلان” نهائياً عن المشهد السياسي والوطني والتنظيمي، معتمداً على انكشاف أسرار خطِرة، بعد سيطرة حركة حماس على السلطة منتصف عام 2007، وتحميله مسؤولية تسليم القطاع لحماس من غير ثمن، الأمر الذي اضطر “دحلان” إلى تعظيم اتصالاته مع المقربين منه والمتعاطفين معه، في تحدِ علنيٍ للسلطة وتحديداً للرئيس “أبومازن”، حيث اتسعت مرة بعد أخرى، هوّة الخلافات بينهما، وصلت إلى قيام الحركة بشطب اسمه من سجلاتها، وتعريته من كل صلاحيته، وتقديمه إلى القضاء، برغم علمها أن جملة الإجراءات لن تحسم الأمور، فعقب كل الإجراءات والملاحقات ضده، كان “دحلان” يعتبر أن المسؤولية الملقاة على عاتقه، لا تنبع الأعباء كونه مسؤول أمام الذين منحوه تأييدهم فقط، بل تنبع المسؤولية السياسية والأخلاقية، كما حاز قوّةٍ أكبر، حينما واصل وبلا أي تردد أو حيرة، المزيد من التحدي، بعد تمكّنه من جلب المزيد من أولئك الذين أُصيبوا بخيبة أمل من “أبومازن” لأي سبب كان، فعلاوة على استعداده لأثبات سلامته، والبرهنة على صوابيه مواقفه، ورد التهم إلى النحور، فقد تقدّم بالخطى أكثر، حين بدأ بإظهار قوّته عملياً في الميدان الساخن بطبيعته، والتي توضحت بجلاء، في إلغاء الاحتفال بذكرى الراحل “أبوعمار”، والتي قام بتعويضها في مناسبةٍ ثانية، حينما قام نهاية الأسبوع الفائت، بدعوة أنصاره إلى التظاهر في مواجهة السلطة و”أبومازن” تحديداً، بسبب قرار الحركة إلغاء عضويته وعدداً من أتباعه، ووعد بتصعيدها تباعاً.

بالتأكيد، فإن حركة فتح هناك وهنا، ساءها جدّاً مشاهدة تلك التظاهرة، وهي وإن أبدت عدم دهشتها، إلاّ أنها تشعر بالمضض العميق في قرارة نفسها، باعتبارها تطورات لا تُبشر بخير، خاصةً بعدما أصمّت حماس آذانها عن دعوتها لمنع التظاهرة، باعتبارها مشبوهة، وتهدف إلى شق الصف الفلسطيني، علاوةً على أنها، تجئ في وقت أكثر حساسية من ذي قبل، في ضوء أن الحركة، تصارع جبهات متعددة، داخلية، وعلى المستويين إسرائيل وحماس.

ولا ريب فقد مثّلت قضية “دحلان” القضية الأصعب لدى الحركة، باعتبارها (الشوكة في الحلق)، بسبب أنها ليست كالمشكلات الانشقاقية التي عاصرتها سابقاً، فالذين انشقوا ذهبوا إلى حال سبيلهم، واتخذوا أسماءً أخرى لتنظيماتهم، لكن هذه المرّة، فإن “دحلان” ينافس على قيادة الحركة ذاتها وبنفس اسمها، ولا يُستبعد في نظرها، أن يميل بتفكيره إلى قيادة السلطة الفلسطينية لاحقاً، وهذا ما يملأ صدرها خشية، في ضوء ترتيبات إسرائيلية على الأقل، للخلاص من أبومازن” بناءً على نشاطاته باتجاه المجتمع الدولي، باعتبارها نشاطات انفرادية، ويزيد في البلاء، تلك التكهّنات التي تُشير إلى نسج منظومة العلاقات بين “دحلان” وحركة حماس، وحتى في ضوء احتمالات ضئيلة نحو تحقيقها، لعدم إمكانية الخلط بينهما كالزيت والماء، وهي تأتي في باب لغة المصالح، أو في سياق المماحكة والابتزاز السياسي لـ”أبومازن”، ولكن هذا لا يبدو كافياً أمام فتح في ضوء أن حماس لا تزال تفتح المجال أمام دحلان، كي يمارس أنشطته المختلفة داخل القطاع، وبأن يفعل ما بوسعه في ضد السلطة باعتباره لديها أداةً ضغطٍ فاعلة على الأقل.

بالتأكيد، فإن حركة فتح ستواجه مرحلة مصيرية، بسبب أن الوقائع المُشاهدة على الأرض تقول بأن تقلبات ستحصل، سيما وأن “دحلان” يسعى جاهداً باتجاه بناء نفسه كبديل حقيقي لـ”أبومازن ” وحتى في ظل مرشحين ومقربين أخرين، لكن كل ما تقدّم، لا ينفي حصول معجزة، تعود بالعِجلِ إلى بطن أمه، سيما وأن الساحة الفتحاوية تنشط سرّاً وعلانيةً في سبيل توحيد صفوفها، بعدما أدركت الحركة، الثقل السياسي الذي يتمتع به التيار الدحلاني، ودرءاً لشرور قد تأتي مستقبلاً.

خانيونس/فلسطين

20/12/2014

 

 

عن د . عادل محمد عايش الأسطل

د . عادل محمد عايش الأسطل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE