أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > شامشيرا نموذجا
إعلان

شامشيرا نموذجا

 

ذات تاريخ، وقعت أفغانيتان تتفجران أنوثة في شرك حدودي نصب عند حدود وطنهما الشائكة، وقام جنود الدرك السفهاء بتجريدهما من عفافهما. وما إن نما الخبر إلى مسامع الملا محمد عمر حتى ثارت في عروقة دماء النخوة، فتحرك في كتيبة من ثلاثين رجل ليقود معركة لم تدم طويلا قرب قندهار. ولم تغرب شمس ذلك اليوم الربيعي حتى تدلت رقبة قائد عملية الاغتصاب فوق عود مشنقة ثورية بامتياز. وهكذا، شهد ربيع 1994 تكور أول بؤرة عنف في عنق وطن خرج للتو من رحم ديمقراطية روسية متسلقة.

Image1

شامشيرا نموذجا

وحين أطل الخريف برأسه الصفراء من فوق جبال بلوشتان، كان الملا عمر يتقدم فيلقا من ألف وخمسمئة مقاتل مدجج بالسلاح ليعبر الأراضي الأفغانية في اتجاه تركمانستان. وعند هيرات، نشبت أول معركة لهم مع جنود إسماعيل خان. ولم يأت شتاء 1995، حتى كانت كعوب بنادق طالبان تدق طبول النصر حول كابول. وفي سبتمبر 1996، فر رباني وحكمتيار نحو الشمال، ليعلن الملا عمر أفغانسان إمارة إسلامية.

لكن السعودية والإمارات اللتين سارعتا بالاعتراف بجمهورية أفغانستان الإسلامية، اضطرتا تحت ضغوط دولية لسحب اعترافهما لتبقى الباكستان لاعبا وحيدا على منصة الاعتراف الدولي. وفي أكتوبر عام 2001، رفعت أمريكا وحلفاؤها الحرج عن مؤيدي شرعية الملا بحملة برية شرسة بحجة البحث عن ابن لادن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهكذا سقطت ولاية أمير المؤمنين في بضع سنين، ليعود القادمون من تخوم باكستان إلى ديارهم يتلاومون. 

واليوم، تعيد فتاة شامشيرا الأفغانية نقش الجرافيتي نفسه على جسد وطن ظن الأمريكي المحتل أنه قد همد. وقرب مقام الشاه دو شامشيرا ومسجده، وتحديدا في ثلاجة الموتى يرقد جسد الفتاة المتفحم دون أن يجرؤ أحد أن يصلي عليه أو يدفنه في مقابر الصدقة في عهدة فريد أفضالي رئيس الشرطة هناك. وتحت حراسة مشددة يجلس والدا الفتاة القرفصاء ليتبادلا البكاء والدفاع عن فتاة “لم تعمد حتما إلى إحراق المصحف، لأنها فارقت رشدها منذ ستة عشر عاما أو يزيد.”

لكن أهالي القرية الذين تراقصوا فوق جسدها النحيل، والذين لم يرقبوا في استغاثاتها إلا ولا ذمة يؤكدون أن “البكر الرشيدة أهانت مقدسهم عن سوء طوية، وأنها أحرقت عن سابق إصرار وتعنت صفحات من القرآن على أعين الناس.” اليقيني أن عشرات من الحانقين اجتمعوا دون سابق تخطيط ودون إشارة من ملا ليقفوا فوق جسد فتاة شبه عارية ليستلوا أنفاسها الأخيرة ويكبروا، وقد وثقت الكاميرا كل ركلة قدم وكل رمية حجر وكل ضربة عصا، دون أن توثق شهقات الفتاة الأخيرة واستغاثاتها البائسة. حرق بحرق إذن، وعلى فرخندة تدور الدوائر. ولأن فتاة الثالثة والعشرين لم تترك صدرا يحترق لفراقها غير صدر أبوين يلوذان بالصمت والترقب، لم يستطع إمام المسجد المجاور أن يستنكر على الراجمين الرجم أو يطفئ الثقاب قبل أن يشتعل قرب النهر في جسد الفتاة الغض.

لكن الممثل الحقوقي هيذر بار يريد أن يتأكد أن الشرطة قامت بواجبها في دفع الناس ومقاومة السحل، وأنها لن تتهاون في القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة لينالوا قصاصا عادلا. من جانبه أكد صادق صديقي المتحدث باسم وزارة الداخلية أنه لن يتهاون مع أي شخص يثبت تورطه في الحادث. وأنه قد ألقى بالفعل القبض على أربعة من الجناة، وأن البحث جار لمعرفة ملابسات الحادث وتفاصيله. 

لكن صادق، الذي بدا غير واثق من قدرات رجاله على الحسم، يدرك جيدا أن القمع لن يستطيع إعادة الهدوء إلى شوارع كابول الساخطة، وأن أي تعاطف مع فرخندة التي جاهرت بالقبح وانتهاك المقدس كفيل بوضع أصابع الساخطين في عينيه ومؤخرته، وأن طلاب الباكستان فيما وراء الحدود جاهزون لعبور الحدود عند أول إشارة ملا. 

لن يموت العنف إذن بموت أسامة بن لادن، ولن تختفي الأحزمة الناسفة باختفاء الملا عبد المجيد محمد عمر طالما ظل المقدس يحرق على مرأى من الناس ومسمع. كانت الفتنة نائمة في جيوب كابول حتى أيقظتها فتاة شامشيرية جاهلة. ولأن الجهل لا يقتصر على حدود أفغانستان اللاهبة، بل يمتد من أقصى بلاد المسلمين حتى بوابات الأزهر، فعلى الواقفين على حدود التماس أن يمنعوا تجار العنف من ترويج بضائعهم المتفجرة في أسواق أوطان قابل للانفجار عند نزع أول فتيل. وعلى حارقي المقدس أن يتوقفوا عن دق طبول الفتنة خلف شاشاتهم الزجاجية وفوق جرائدهم الصفراء. وعلى العقلاء في هذا الوطن أن يخمدوا الأصوات الفرخندية قبل أن يرقص الموتورون فوق جثة الوطن وهم يهللون ويكبرون.

عبد الرازق أحمد الشاعر

Shaer129@me.com

 

 

تمت القراءة 408مرة

عن عبد الرازق أحمد الشاعر

عبد الرازق أحمد الشاعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE