أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > سيما أونطة
إعلان

سيما أونطة

 

 

روي أن “عمر بن الخطاب” ، عندما كان الإسلام رخو الخاصرة ، أتباعه لا يتجاوزن المئات ، كان يلتحق بنومه أفكار سوداء عن هجوم “الفرس” في أي وقت ، وكل وقت ، علي “المدينة” ، لذلك ، كان يخرج بالليل إلي أطراف “يثرب” ، يستوقف العائدين من جهة “العراق” ليسألهم إن كانوا قد رأوا أو سمعوا بأي تحركات مريبة لجيوش “الفرس” نحو “يثرب” ؟!

ودعا دعوة شهيرة :

” اللهم اجعل بيننا وبين “فارس” جبلاً من نار ” !!

حتي بعدما شب الإسلام عن طوق الدهشة ، واستطاع أن يربي مخالبه الخاصة ، ظل هذا الخوف ملازماً له ، وهو الخليفة ، لذلك ، أمر قادته بالتوقف عند حدود “العراق” و “إيران” وعدم التغلغل في شغاف هذين البلدين !!

لقد كان جدار خوفه منهم شاهقاً حتي أنه فشل في الصعود فوقه ، وحتي أنه لم يجرؤ ، وهو الأكثر جرأة بين أقرانه ، علي المجازفة بلقائهم إلا عندما احتشدوا لمعركة أخيرة في “نهاوند”!!

مفتتح ضروري سوف نحتاج عما قليل إليه ، لنفهم فولة المقال المواكب للعرس الديمقراطيِّ الذي عاشته مصر مؤخراً ، وهو وعدٌ بسلسلة من الأعراس الديمقراطية القادمة ، والطبول ،،

لقد انتهي العرس للأسف ، فطوبي للعريس الجديد ، وطوبي للإعلام الحر ، ولمتعهد الحفلات ، وللمعاقين الذين ساهموا في التأسيس للديمقراطية الحقيقية والإستقرار ، وطوبي للمواطنين الشرفاء ، ولزوجات المواطنين الشرفاء اللائي رقصن علي إيقاعات “تسلم الأيادي” و “نور جمالِك نور عجيب ، آمنت بالله ” و” خلي السلاح صاحي ، صاحي ” ،،

من اللياقة هنا أن يتصل الشكر بثورة “25يناير” لأنها جعلتنا نعرف لحراسة من هذا السلاح كان وما زال يقظاً ، ولمن ادخروا يقظته حتي جاءت اللحظة التي سولت لبعض البسطاء أنفسهم التطاول علي سادتهم ، وفكروا مجرد تفكير في المساس علي الأقل بما يوازي اشتراكات الأندية التي يدفعها السادة كل عام !!

وبالرغم من طقوس الفرحة التي يعيشها الآن كل بيت في بر مصر ، سأكون ناكراً للجميل ، وكئيباً بما يكفي ليلهمني القول ، ليس فقط لا تعجبني نظرة السلطة إلي المصريين بل يدهشني غباءها ..

فلم يعد معقولاً أو مقبولاً  بعد ثورة عظيمة أن يُخدع المصريون ، وأستثني بالطبع المواطنين الشرفاء ، بنفس الأساليب المستهلكة والمطروقة ، فهذا وحده دليل هائل علي فشل “ثورة يناير” ، فكذلك كان “النظام” قبل كل استحقاقات انتخابية يتحدث عن زيادة في الأجور ، وبناء مشاريع قومية ، ومحطات نووية ، وسفن فضاء ، ثم ينحسر كل شئ بعد انتهاء طقوس (الأعراس الديمقراطية) إلي دخان !!

كما لم يعد معقولاً أو مقبولاً ، أن نُخدعَ بالاعلانات التحريضية للتصويت لصالح ديمومة الوضع الراهن ، والمزمن ، هي هي ، تتبدل ألوان الجدران ، وتفقد أحجار الأهرامات وضوحها ، وطقوس إعلانات ما قبل كل استحقاق انتخابي نفس الطقوس ، كورال أطفال شديدي البراءة ، بينهم طفل يرتدي بشرة سمراء ، يغنون لمصر ، وعامل يرتدي العفريتة يبتسم في حبور ، وفلاح يحمل الفأس علي كتفه يضحك في سذاجة ، وتلاميذ يحملون سلاح التلميذ ، وعسكر يحملون العلم !!

هل نضب المعين إلي هذا الحد ، وهل خلت مصر إلي هذا الحد من “الفرارجية” وبائعي التين الشوكي الوطنيين ؟!

من السئ أننا كنا نتوقع الاستقرار بعد انتهاء العرس الديمقراطي ، وظفرنا بالخيبة ، وهذا هو النظام يفصح عن مخاوفه من تزيين ذكري “25 يناير” ، وهذا هو النظام ، للسيطرة علي مخاوفه مما يمكن أن تحمله هذا الذكري ،  يستدعي أساليب مبارك نفسها ، العفو عن مساجين قبل إنهاء العقوبة تكريماً لهذه المناسبة ، وخبر عن الشروع في بناء محطة “الضبعة” النووية ، وخبر صحفي يتوسد كالمكيدة رأس بعض الصحف عن “السيسي” يقول لفلول مبارك :

“انسوا ، زمن مبارك ولي” !!

من الجدير بالذكر أن فلول “مبارك” في الصعيد والدلتا قد بدأوا بالفعل حملاتهم الانتخابية من الآن ، هذا للعلم ..

وليس من محرضات الدهشة أن يقتفي “السيسي” أثر “مبارك” ، فالنبع واحد ، لكن الغريب ، بل الأغرب ، أن يقتفي “رئيس الحكومة” أساليب “القذافي” ، وكما قال “القذافي” ، أعز الله القارئين : أنا قائد الثورة ، التي هي بالأساس  ثورة عليه ، وهتف : “ثورة ثورة ثورة ” ، ظناً منه أن هذا تمويه ، أو أنها حفلة تنكرية ، قال رئيس الحكومة :

“أنا من أبناء ثورة 25 يناير”

لا يخفي علي أحد أن إيصال ما يريد المرء إيصاله يتوقف علي طريقته في التعبير عنه قبل كل شئ، لذلك ،كان مما يليق برئيس للحكومة ألأ يضرب بالواقعية في خطابه عرض الحائط ، كأن يقول وهو آمن من استنكار المستنكرين مثلاً :

“أنا من معمري ثورة 25 يناير” ..

كيف بهذه السطحية تعالج أمور هي قمة في التفاقم والفداحة ؟ ، وكيف يفكر مؤلف هذا السيناريو الركيك ؟

لقد تجاوزنا مرحلة الطفولة ، وأصبحنا والله نعتبر الأفلام الهندية مثاراً للسخرية ، ولم نعد نبكي من أجل ذلك الطفل الذي اختطفه النسر من أمه وهي تجمع الحطب ، ونبكي وهو يعثر بعد سلسلة طويلة من الصدف السخيفة علي أمه التي ظلمها حاكم الإقليم ، وننفعل معه في تحفز طبيعي وهو يثأر لها منه ، ثم يغني حين يكتشف أن المرأة التي يهيم بها عشقاً هي شقيقته !!

إنَّ للخيال منطقاً ، وهو معيار أيضاً للرقيِّ والتقدير السليم !!

مع ذلك ، فالسينما الهندية لا تعكس واقع “الهند” أو ثقافة الهنود ، وهي خرزة من العقد استراحوا لها لا أكثر ، فلقد توقف الهنديُّ أن يكون ذلك “المهراجا” القديم القادم للسياحة برفقة جوهرته الثمينة ، ليتخذ منه الفنان “فؤاد المهندس” محوراً للسخرية ، ويغني وهو في زي امرأة :

 “بيلعْبْلي حواجبه ، بيرقصلي ف شنبو” ..

فلا شك أن “الهند” قد ارتقت ، برغم فداحة المعوقات ، وربما بفضلها ، جذعاً طليعياً من جذوع الحضارة ، وأصبحت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه وفقاً لأي قناعة ، حين واظبنا نحن علي حراسة جذور الإخلاص للهامش ، مع ذلك ، ما زلنا نقول في موطن الرجم بالغفلة :

“انتا فاكرني هندي” !!

أكرر ، إنَّ للخيال منطقاً ..

تأمل أبطال السينما الأمريكية الخرافيين ، مثل سوبر مان والرجل الوطواط ، كائنات مجردة ليس لها صيغة بشرية سابقة ، أقصد ، لا يستطيع أحد أياً كان أن يدعي أنه ذلك الكائن أو رآه ، مع ذلك ، لا يستطيع أحد أن يستنكر وجوده ، رموز بلا جذور حقيقية ، وهكذا ابتكر الأنبياء الحاذقون “الله” ، فهو شئ مجرد لا يري ، وهذا هو سر حضوره الدائم ، “يسوع” مثلاً وهو شحاذ كان أذكي من “الإسكندر المقدوني” الذي ملك كل العالم القديم تقريباً دون أن يفطن إلي خطأه الجهم ، وهو أنه كان يحمل إلهه الجهاريَّ في جيبه لا أن يخفيه في طيات الرمز ، لذلك كان سهلاً ، كما كان ضرورياً أن يموت عقب موت “الإسكندر” غير مأسوف عليه !!

تخيل لو أن “الإسكندر” قال لسكان عصره أنه “الله” ليس فقط أنه “نبيٌّ” ، لا شك أنهم كانوا سيؤمنون به ، ولقد ظنه بالفعل أهل “السند” إلهاً ، وكان المؤجلون سوف يلتمسون الأعذار لهم ، أقول هذا بحماية انخفاض المعرفة في ذلك الوقت ، حتي أن العقل المدرك في ذلك الوقت ، إذا استثنينا حزمة من العقول الممتازة ، كان يضاهي عقل الرضيع في زماننا ،،

أما نحن ، ونحن نعيش في عالم لم يعد فيه شئٌّ يحتاج إلي تأويل ، كيف يريدون لنا أن نصدق أن “عفركوش” حتي يستطيع أن يفعل لنا ما فعله لـ”إسماعيل ياسين” ..

ربما كنا كذلك ونحن علي قيد الغفلة ، بل كان العثور علي ذلك الفانوس السحري أحد أهم الأفكار البيضاء التي كانت تلتحق بطفولتي ، ولست وحدي ، بل إن تزاحم أهل قريتي حول هذا الحلم تحديداً شكل حالة عامة استغرق فيها مخرج أفلام “الدومة” الكوميدية المغمور، العم “عبد الباري أبو عبد السلام” وأبدع فيلماً شفهياً ، شغل ليالي القرية الساهرة طويلاً !!

كانت أحداثه تدور حول شخصية العم الضخم ، والطيب ، وشديد التقوي في الوقت نفسه ،  “أحمد أبو تامر” ، وهو رجل فقير وكثير الخيبات ، وحسب السيناريو الذي وضعه العم “عبد الباري” ، كانت أمه تُعيِّره علي الدوام بفشله ، وتذكره علي الدوام بجارهم “غندور” الذي نجح رغم جسمه الدقيق في شراء “بقرة” من مجهوده الخاص ،،

يستأنف العم “عبد الباري” ، أصيب العم “أحمد” بـ”عقدة غندور” ، وتبدلت حاله ، واتجه إلي الله يرجوه فقط أن يجد الفانوس السحري ، فقط يجعله يعثر علي الفانوس كمطلب وحيد هو مستعد أن يضحي في سبيله حتي بدخول الجنة ، وبعد رياضة روحية طويلة ، وانضمامه إلي إحدي الطرق الصوفية ، كان عائداً بعد منتصف الليل من إحدي حفلات الذكر في قرية مجاورة ، فوجد الفانوس مضاءاً علي جانب طريق الجسر الغربي ، وهو لفرحته لم يطق صبراً وقفز وأمسك به والدموع تسيل من عينيه ، كل دمعة بحجم البرتقالة ، وراح يدعكه بأصابعه الغليظة الخشنة حتي أن “جلد عفركوش اتزلَّط” ، ثم تصاعد دخان كثيف يقف “عفركوش” فوقه وهو يتألم ، ثم اضطر رغماً عنه أن يضحك ضحكته الشهيرة ثم قال :

– حبيبي يا “أحمد” ، تطلب إيه ؟

أجاب العم “أحمد” بسرعة اندهش لها العفريت ، وكأنه كان يعد الجواب سلفاً :

– اقتل بقرة غندور !!

أيها السادة المزمنين ، نحن أيضاً ، لا نريد أكثر من وطن يقتل العقد التي باشرتم أنتم تربيتها في أعماقنا ..

بالإضافة إلي هذا أصبحنا نملك من الوعي قدراً يكفي ليلهمنا أن ندرك الآن أن “اسماعيل ياسين” نفسه لم يسلم ، كونه شخصية أثيرة يهيم بها جمهور عريض ، من استغلال السلطة  لأدواته في الترويج لها في سلسلة أفلام شهيرة مثل ، “اسماعيل ياسين في الجيش ، اسماعيل ياسين في الأسطول ، اسماعيل ياسين في البوليس الحربي ، اسماعيل ياسين في الطيران ، اسماعيل ياسين في مستشفي المجانين ،،

أيها السادة ، نعترف بأنكم السادة كما قال “الزند” ، أحد أهم ممثلي العدالة في مصر ، وأننا العبيد أبناء العبيد أحفاد العبيد آباء عبيد أولادكم السادة المؤجلين ،،

نعترف أيضاً بأنكم تعرفون حتي الآن كيف تتدبرون أمر العقول البسيطة ، وليس هذا لامتياز شخصي ، وإنما لأنه مشهور ومعروف ، حتي “ونستون تشرشل” ، رئيس وزراء بريطانيا العظمي ، كان قبلكم ، يعرف المصريين حين قال مقولته المشهورة :

” لو أن الشعوب يسيطر عليها بالكلام فالمصريون سيكونون المسيطرون ، ولكن الشعوب يسيطر عيها بالقوه العسكريه المتطورة”

هو يقصد بالعامية البريطانية : “المصريين بؤ” ..

سيدنا “عمرو بن العاص” كان يعرف أيضاً ، وأنا أثق في كلامه ، لا لأنه كان أحد دهاة العرب الستِّ المتفق عليهم ، ولا لأن المحللين السياسيين القدامي ، غير المأجورين ، قبل أن يصبح التحليل السياسيِّ مصدراً لتربية الثروات ، أجمعوا علي أن أحد أهم أسباب انتصار “معاوية بن أبي سفيان ” علي “علي بن أبي طالب” هو وجود “عمرو بن العاص ” بالإضافة إلي “المغيرة بن شعبة ” في خندقه ، وإنما أثق في كلامه لأنه وصف المصريين لرجل لا يجوز الكذب عليه أو يمكن أن يمر عليه مرور الكرام ، أعني “عمر بن الخطاب ” ، الملهم السابق لأوانه ، وهو وصف مهين وصادق في الوقت نفسه ، وثابت بالتواتر ، كما أكده “ابن حجر العسقلاني” ، وهو علامة مصري الجنسية ، عندما حقق كتاب “البداية والنهاية” لابن كثير ، يقول “عمرو” :

“أرضها ذهب ، ونساؤها لُعَبْ ، ورجالها لمن غلب ، تجمعهم الطبلة وتفرقهم العصا”

انتابني شك في البداية في سلامة قولة “نساؤها لُعب” ، وهو يقصد جميلات لدنات ، حتي تذكرت أن منطقة “فيصل” كانت في ذلك الزمن أرضاً زراعية ..

من المؤلم أن “ابن النابغة” ، أي “عمرو بن العاص” ، قال قولته تلك قبل حادثة شهيرة له مع المصريين ، فلقد روي “ابن جرير الطبري” بالإسناد :

أن “عمرو بن العاص” وفد إلى “معاوية” ومعه أهل مصر ، فقال لهم “عمرو” : انظروا إذا دخلتم على “ابن هند” -يعني معاوية- فلا تسلموا عليه بالخلافة ، فإنه أعظم لكم في عينه ، وصغروه ما استطعتم ، فلما قدموا عليه قال “معاوية” لحُجَّابه :

” إني كأني أعرف “ابن النابغة” وقد صغر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف ،،

فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له “ابن الخياط” ،  فدخل وقد تُعتِعَ فقال :

– السلام عليك يا رسول الله !!

ما لم يقله الطبري وقاله آخرون ، أن “عمرو” كان يخشي عزله عن مصر ، فأراد أن يلمح إلي “معاوية” من طرف خفي أن خلفه رجالاً شداداً يستطيع بهم الخروج عليه لو فكر في عزله ، فقال للمصريين : “هونوا من أمره وسلموا عليه عند دخولكم عليه بالسلام عليك يا معاوية فقط ، لا تقولوا يا أمير المؤمنين ” ، ووضعت الآذان المتلصصة “معاوية” في قلب الحدث ، فقال للحراس : “اضربوا المصريين بكل ما تملكون من قوة ، فضربوهم حتي سال الدم من بعضهم ، فلما تمكنوا بعد وجع شاق من دخول بلاط “معاوية” وكان “عمرو بن العاص” جالساً إلي جواره صاحوا :

– السلام عليك يا رسول الله !!

فقال لهم “عمرو” :

– قبحكم الله ، أمرتكم ألا تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة !!

فضحك “معاوية” ، كما لا يليق بأمير للمؤمنين ،،

أبو إسحاق كعب بن مانع ، وهو  ” كعب الأحبار ” قال أيضاً

” قالت الصحة : إنى ذاهبة ألى جزيرة العرب ، فقال الشقاء و أنا معك ، وقال البأس : إنى ذاهب الى الشام ، فقالت الفتنة وأنا معك ، وقال الخصب : إنى ذاهب ألى مصر ، فقال الذل و أنا معك” !!

أرجو ألا تدفعنا كلمة الشقاء في جزيرة العرب إلي الشك في كلام الرجل ، فهو غير مسئول عن خطأ الطبيعة في اصطفاء الخليج مؤخراً بآبار النفط ، مع ذلك ، فالشقاء هناك موجود ، وموجود جداً !!

كأنهم فعلاً قد استغرقوا في الحالة المصرية وعقلوها ، فالوصف ينطبق علي المصريين ، بل يتحد بهم ، فهم عبيد لمن غلب ، وهذا الوصف تحديداً يلمع كالخنجر في شخصية المصريين ، لا شخصية “مصر” من وجهة نظر الجغرافي “جمال حمدان ” ، ولأنه جغرافيُّ لا يمكن أن نركن إلي سلامة نظرته لشخصية المصريين كسكان لمصر لا مصر كتضاريس ومقومات وحدود ، وإن كان قد فطن إلي أحد أهم أسباب خضوع المصريين وهو ، بالإضافة إلي كونهم مجتمع زراعي بالأساس ، نهر النيل !!

لا أحب الخوض أكثر في هذا النهر لأسباب عدة ، لعل أهمها أنني لا أحب الجغرافيا كعلم ، كما أنني من الذين لا يؤمنون بالحدود ، أولئك الذين خلعوا ثوب الأنا وأصبحوا العالم الفسيح ، لذلك ، وطن الإنسان عندي هو الكون من القطب إلي القطب !!

وإذا أردت أن تستوعب شخصية المصري ، تخلي عن كل أفكارك السابقة عنه ، وعما قرأت في كتب التاريخ ، فهو من تأليف مؤرخي البلاط ، وتخلي عما اختزنت ذاكرتك عنه من أفكار مستمدة من سينما ثورة يوليو ، فهي سيما بايظة ، انس ذلك الرجل الذي يسير في الشوارع يهتف الاستقلال التام أو الموت الزؤام ، وعذابات الريس “عبد الواحد” ،،

وإذا أردت أن تتأكد أنهم نكحوا عقلك بتشويه كل ما سبقهم عن عمد ، اقرأ عن الملك “فاروق” شهادة القبطان “جلال بك علوبة” قائد اليخت “المحروسة” الذي حمله إلي منفاه ،،

يكفي الآن أن تعلم أن سكرتيره الإيطالي “أنطوان بوللي” ، ذلك القواد الذي تشاهده في كل عمل سينمائي لمس هذه الفترة ، لم يربي ثروة طائلة جراء ليالي “فاروق” الحمراء كما أفهموك ، بل لعشقه لمصر لم يغادرها أبداً ، وكان حتي وقت قريب يعمل في محل حلواني في مصر الجديدة !!

لعله يكفيك الآن  أيضاً أن تعلم أن الأمير “يوسف كمال” الذي أحرز الفنان “عادل أدهم” بفضل تجسيد شخصيته المشوهة في فيلم “وداد الغازية ” لقب “برنس السينما المصرية” ، كان من أهم المحسنين ورعاة الفنون في مصر ، وهو الذي كفل الفنان “محمود مختار” ، صاحب تمثال “نهضة مصر” الذي يلجأون إليه عندما يخدعوك بأغنية ” هي الحمي والوطني” ، حتي لمع نجمه ، وحتي النهاية !!

التاريخ ليس عادلاً أيضاً ، فهو لا ينتبه أبداً لسكان القاع ، ولا يسير إلا في الشوارع الأمامية المضيئة ، ولحسن الحظ ، انتبه بعض الملهمين ، ربما عن غير عمد ، إلي أهمية الشوارع الخلفية للتاريخ ، مثل “ابن إياس” ، ومثل “الجبرتي” ولكن بتصرفات أقل ارتفاعاً ، فاستطعنا بفضل هؤلاء أن نري الصورة في ضوء آخر ، وأن نري الأفق من الداخل ، وبأكمله ،،

إدوارد لين ، واحد من هؤلاء ، وهو مستشرق أنفق بعضاً من عمره في مصر ، خالط خلالها المصريين حتي استوعب الحالة المصرية تماماً ، وأضاء لنا انطباعاته عنهم في كتابه ” المصريون المحدثون .. شمائلهم وعاداتهم ” ، وهو كتاب جدير ، من أهم ملامحه أن المصريين دائماً يضعون في البداية حاجزاً نفسياً بينهم وبين الغرباء ، لظنهم في ذلك الزمان أن كل غريب وفد إلي مصر فهو حتماً جاسوس لملك بلاده !!

لكن “لين” وغيره ، راقبوا سرعة انهيار هذا الحاجز تماماً ، بل راقبوا استعدادهم التام لانخراط هذا الغريب في أدق تفاصيلهم ، وأنا بصفة شخصية لا يمكن أن أرتاب في هذا القول بعد حادثة كنت شاهداً عليها ، فمنذ سنين قليلة ، وفي أحد القطارات الذاهبة من القاهرة إلي الصعيد ، وأقسم بالعطر علي هذا ، أدهشني جداً أن يتفق خلال الرحلة أسرتان التقيا لأول مرة علي حافة الصدفة المحضة علي صهر بينهما ، وأطلقت امرأة من أفراد الأسرتين القلائل زغرودة ، لتتحول العربة فجأة إلي صخب كأنه الهدوء ، امتدَّ لجسد القطار كله ، فلقد تجاوبت كل نساء القطار ، حتي اللاتي لا يعرفن أصلاً علة الزغاريد مع المرأة بزغاريد أكثر عصبية ، تخيلت لحظتها أني أحلم ، أو أني في “مستشفي ماضي أبو العزايم” ..

أعلم أن الذين استقوا معلوماتهم من سينما ذلك العهد فقط ، من الصعب أن يصدقوا أن الكثيرين من المصريين كانت تربطهم بالأجنبيِّ علاقات  طبيعية جداً  ، وكان بينهم ود لا تشوبه شائبة ، وهكذا كانوا مع كل الغزاة ، إذا جاز لنا أن نستثني الأتراك ، ربما لتفاقم عنجهيتهم ..

بل حتي اللورد “كرومر” ، العقل المدبر لحادثة “دنشواي” ، كان نساء الصعيد كما الدلتا يعتبرنه الرجل الذي فوق الرجال ، وكن إذا ظلمهنّ أحد يقلن له في لهجة الوعيد :

“أنا رايحة للراجل في مصر يجيبلي حقي”

ولا يمكن أن أفوت هذه الفرصة دون أن أفضح عن عمد ، خدعة الجد “محمد أبو سليمان” الكبري لنا نحن صغار القرية ، فحتي الآن حين أفتش في ذاكرتي عن أشد إملاءات الطفولة الأولي التصاقاً بها ، أعثر دائما علي عبارتين ، “إنا أعطيناك الكوثر” ، و “كَمَراتْ كبُّودي راك” وهي تعني في اللغة الإنجليزية ، والعهدة علي الجد “محمد أبو سليمان” وحده ، صديقي تعبان !!

كان الجدُّ “أبو سليمان” قد توقف لعامين عن حراسة تراث العشيرة الفاشل ، سافر خلالهما للعمل في مخيمات الإنجليز ، وذلك عهد لم نشهده ، ليعود بعدهما محملاً بالحكايات الأسطورية ، وبحزمة من الكلمات الغريبة التي كانت تنزلق في شرخ أحاديثه أحياناً ، وربما عن عمد ، ويدعي أنها كلمات إنجليزية ، حتي كبرنا يا أمي وأدركنا أن الرجل مارس علينا عملية “نصب” منقطعة النظير ، وأنه بالتأكيد كان يتواصل مع الإنجليز بلغة الإشارة فقط !!

وربما كان توجس البدايات من الغرباء لدي المصريين فطرة أقل من أن تنبه نظرية الغيرة علي الوطن أو العقيدة ، فهم كانوا علي الدوام بعد أن يتمكنوا من امتصاص مخاوفهم ، يبادرون إلي اختصار المسافة بينهم وبين المحتل بنظرة فابتسامة فسلام فكلام فضيافة علي طعام منزلي ، هذا لا يمنع أن البعض كان يواظب علي حراسة خوفه حتي النهاية ، اقرأ “إدوارد لين” ، وغيره !!

ها نحن قد وصلنا إلي فولة المقال ،،

إن كل ما يحدث في مصر الآن من كوميديا رديئة هو عصف منسق بإنسانية الإنسان ، وهو خروج شديد الإفصاح عن نفسه عن منطق الثورة  ، وهو محاولات مذعورة لإعادة بناء جدار الخوف الذي انهار جرائها ، والأهم ، أنه مزدحمٌ بنية العقاب عن عمد لكل من شارك فيها  ، وإذا سارت الأمور في سياقها الراهن ، لا أستبعد أن يجئ يوم يطال العقاب فيه “سوزان محمد متولي الشعراوي” بائعة مناديل الثورة ، لكن المرعب أنهم يفطنون تماماً إلي أنها معركتهم الأخيرة ، وأن نواياهم مزدحمة بكل سئ في سبيل النصر الزائف في هذه المعركة ، وأقسم بالعطر ، لولا أنهم ، كما كان “عمر بن الخطاب” ممتلئاً بالخوف من “فارس” ،يتفقدون جيداً حتي هذه اللحظة مخاوفهم من القوي القارية ، “فارس” بلهجة هذا الزمان ، لأزهقوا الأرواح بظلال شبهة الرفض ، ولو استطاعوا لصنعوا مصداتٍ للهواء ليعزلوا مصر عن العالم ثم يجهزوا آمنين من العقاب علي المزيد من الأحلام المؤجلة ..

ساق العداوةَ آباءٌ لنا سَلَفوا / فلن تبيدَ وللآباءِ ، أبناءُ ..

مجازفة لابد منها ..

محمد رفعت الدومي

 

تمت القراءة 305مرة

عن محمد رفعت الدومي

محمد رفعت الدومي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE