الرئيسية > كتاب اللواء > روسيا ذات الوجهين
إعلان

روسيا ذات الوجهين

 فهمي هويدي 

ثمة رسالة في احتفال موسكو بحلول السنة الهجرية وحديث وزير الخارجية الروسي في المناسبة عن انتماء روسيا إلى العالم الإسلامي.

 وهو الاحتفال الذي أقيم بعد ثلاثة أسابيع من افتتاح مسجد موسكو الكبير والوحيد الذي بناه تاجر تتري عام ١٩٠٤، بعدما تم تجديده وتوسيعه ليصبح أكبر مسجد في أوروبا. 

فهمي هويدي

فهمي هويدي

ولفت الانتباه أن حفل الافتتاح حضره الرئيس بوتين والرئيسان التركي والفلسطيني إضافة إلى ممثل للأزهر.

ولا أحسب أنها مصادفة أن يحدث ذلك بعد التدخل العسكري الروسي في روسيا ومحاولة موسكو إقناع مسلمي العالم العربي أنها تقف إلى جانبهم ضد الإرهاب الذي يهدد المنطقة،

فضلا عن السعي لطمأنة مسلمي الاتحاد الروسي (٢٥ مليونا)

 بأن قرار الرئيس بوتين ليس موجها ضد المسلمين في المشرق ولكنه موجه ضد الإرهابيين الذين يهددون دوله المسلمة.
تفوق بوتين على نابليون بونابرت، حين جاء إلى مصر غازيا في عام ١٧٩٨م.

ذلك أن الأخير أصدر منشورا وجهه إلى علماء المسلمين ومشايخهم ذكر فيه أن «الفرنساوية مسلمون مخلصون، والدليل على ذلك أنهم نزلوا في روما الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا، الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة الإسلام».
بوتين كان أكثر وعيا. ذلك أنه جاء مباركا من الكنيسة الأرثوذكسية ومؤيدا من قبل مفتي المسلمين في روسيا.

ذلك أن البطريرك كيريل الأول رأس الكنيسة في موسكو اعتبر أن القوات الروسية في سوريا تخوض «حربا مقدسة».

 وهو من وصف فوز الرئيس بوتين بفترة رئاسية ثالثة بأنه «معجزة الرب»

 وقال عنه إنه «إصلاحي أرسلته العناية الإلهية لإنقاذ البلاد».

أما المفتي فقد أيد التدخل العسكري الروسي ووصفه بأنه حملة ضد الإرهاب الأصولي.


طوال نصف القرن الأخير ظلت الحسابات السياسية حاكمة للعلاقة بين موسكو والعالم العربي ومصر في مقدمة دوله.

وحين كانت العلاقة بين القاهرة وموسكو في أوج قوتها خلال سنوات الحرب الباردة، فإن أغلب الوفود المصرية التي زارت الاتحاد السوفييتي آنذاك كانت تبحث في موسكو أمور التسليح بوجه أخص.

 لذلك حين وجهت الدعوة في عام ١٩٧٠ إلى شيخ الأزهر الدكتور محمد الفحام لزيارة الاتحاد السوفييتي، وكنت ضمن الوفد المرافق له، فإن ظرفاء المصريين أشاعوا أنه ذهب لعقد صفقة لشراء مدافع لشهر رمضان.

إذ لم يخطر على بال أحد أن تتناول الزيارة دورا تخرج عن ذلك النطاق.
اختلف الأمر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات، فبرز دور الدين في المجال العام.

إذ ذكر فيلم أصدره المكتب الإعلامي للكنيسة الأرثوذوكسية أن «الشعب عاد إلى جذوره المسيحية وقيمه الروحية، وملأت الكنيسة الفراغ الأخلاقي الذي خلفه غياب القيم مع انهيار الاتحاد السوفييتي». 

وحين احتلت روسيا شبه جزيرة القرم أعلن بوتين أن ضمها له «دلالة مقدسة». لأن الأمير فلاديمير الذي اعتنقت روسيا المسيحية على يديه في نهاية القرن العاشر الميلادي تم تعميده في القرم.
في تلك المرحلة انضمت روسيا إلى عضوية منظمة المؤتمر الإسلامي (عام ٢٠٠٣)

ودبت الحيوية بصورة نسبية في محيط المسلمين الذين يمثلون (14٪ من السكان ويشكلون أغلبية في 8 من بين 21 جمهورية داخلة في الاتحاد الروسي. وكانت مضاعفة أعداد المساجد أبرز علامات تلك الجدية.

وفي تصريح للمفتي طلعت تاج الدين رئيس الإدارة الدينية المركزية أن عدد المساجد التابعة للإدارة كان 94 مسجدا في عام ١٩٨٩، ولكنه ارتفع إلى ألفي مسجد بعد ذلك (لم يذكر تاريخ الإحصاء الأخير).
صحيح أن الإسلام في روسيا يعد الديانة الثانية، إلا أن الثابت أنه دخل إلى البلاد ووصل إلى حوض نهر الفولجا رسميا قبل قرن من إعلان الأرثوذكسية دينا لروسيا.

وهو ما سجله تقرير لوكالة نوفوستي الروسية.

ومن الثابت أن المغول في القرن الثالث عشر سيطروا على أجزاء واسعة من روسيا وسيبيريا وأجبروا دوقية موسكو على دفع الجزية إلى إمارة القرم.
الشاهد أن علاقة روسيا بالإسلام والمسلمين ليست جديدة، وإنما هي ضاربة القدم في التاريخ.

وباستثناء المرحلة السوفييتية التي كانت معادية للدين عموما، فإن روسيا القيصرية لم تشترك في صراع له صبغته الدينية مع العالم الإسلامي.

وحين دخلت في عراك مع الدولة العثمانية أو مع الامبراطورية الفارسية فإن ذلك كان مرجعه التنافس حول التوسع والوصول إلى المياه الدافئة والأراضي الخصبة.

 مع ذلك ظلت الكنيسة الأرثوذكسية في القرن الثامن عشر توفر الغطاء الأيديولوجي لحروب القياصرة،

واعتبرت أن لروسيا دورا في حماية الأرثوذكس العثمانيين في الشام والأناضول والبلقان.
حين تلوِّح روسيا بورقة الدين وتخاطبنا بلسانين مسيحي وإسلامي، فإنها تقدم على مغامرة غير محسوبة.

إذ إنها بتدخلها في سوريا تدافع عن مصالحها لا ريب،

وفي الوقت ذاته فإنها تحاول استعادة دورها في زعامة الكنيسة المشرقية، من خلال حماية الأرثوذكس والأقليات هناك. 

وحين تتحالف مع إيران في سوريا وتتطلع إلى توسيع عملياتها العسكرية في العراق فإنها بذلك تستنفر المشاعر السنية الصوفية بين مسلمي القوقاز،

الأمر الذي قد تكون له تداعياته الداخلية التي لا تؤمن عواقبها.

وقد ظهرت بعض تلك الأصداء في حملات اعتقال بعض الشيشانيين التي لجأت إليها السلطات في موسكو خلال الأسبوع الماضي، الذين اتهموا بالتحضير لعمليات إرهابية في العاصمة.

في ذات الوقت فإن الأصداء تظل مفتوحة على جميع الاحتمالات في العالم السني وفي تركيا بوجه أخص،

الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ذكريات التدخل السوفييتي في أفغانستان عام ١٩٧٩.

……………………

تمت القراءة 481مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE