أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > رسالة اعتذار مفتوحة لمثقفي الكويت وشعبها وحكومتها
إعلان

رسالة اعتذار مفتوحة لمثقفي الكويت وشعبها وحكومتها

د . موسى الحسيني

drmalhussaini@gmail.com

29/4 /2015

رغم اني كنت من اقدم معارضي نظام البعث في العراق ، الا انه لم يكن لي موقف محدد عند احتلال العراق للكويت  للايام  الخمسة او الستة الاولى من الاحتلال ،كنت كغيري من الناس مدهوشا بتسارع الاحداث ، وما وقع ،  حتى طار تشيني للسعودية واعلان السعودية  طلب المساعدة الاميركية ، ادركت ان الموضوع لم يعد  يعني علاقة الكويت بالعراق بل  تحرك اميركا والغرب عموما لضرب العراق وتدمير قوته  . كانت احداث الستة اشهر السابقة لاحتلال العراق للكويت ، تؤشر  الى ان هناك انزعاج اميركي – غربي من تنامي قوة العراق العسكرية وخوف منها على اسرائيل  ، ما يعني ضرورة تدمير تلك القوة  .

وضاعت الكويت وحق الكويتين في تقرير مصيرهم ، وما ينقل عن معاناتهم من الاحتلال ، بموضوع الاعدادات الاميركية الغربية لضرب العراق ، فكنت من القلة من معارضي النظام ممن وقف مع العراق ، ان حقا او باطل ، رغم ان الكثير ممن يعيش على هامش المعارضة من الجنود  الفارين او من الباحثين عن تطوير اوضاعهم المعيشية  سارعوا لتشكيل تنظيمات وهمية ( احزاب وحركات ) تستنكر الاحتلال  .  نقل لي مصدر مطلع في حينها ان السفارة الكويتية في دمشق سجلت في الاسابيع الثلاث الاولى 67 تنظيما عراقيا اغلبها وهمية لاوجود لها .

استمر موقفي هذا ، بل كنت من القلة القليلة التي تُحَمل الكويت مسؤولية العدوان على العراق ، وحصلت الواقعة بالهجوم على العراق ، الذي نُفذ بطريقة من الواضح انها لاتريد اخراج الجيش العراقي من الكويت بقدر ما تهدف لتدمير العراق ، نوعية الاسلحة المستخدمة والضربات الجوية  التي استهدفت كل المنشات العراقية والبنى التحتية ، عسكرية كانت ام مدنية . ما يؤشر فعلا  الى حقد غربي دفين على العراق وليس حبا او مؤازرة للكويت او رغبة بعودتها الى سابق عهدها . تبع ذلك الحصار ونتائجه  ، فكنت من اشد المؤيدين للعراق ضد الحصار وضد موقف المعارضة التي تؤيدة بموقف لايحسب الا بحسابات الخيانة الوطنية . وكنت اول عراقي كسر جمود الصمت  ضد الحصار بمجموعة من المقالات نشرتها صحيفة السفير في حينها ، دون ان التفت الى سيل الاتهامات التي بدات تنهال عن كوني ، بعثي مستتر ، اوخلية  مخابرات عراقية نائمة ، رغم انه الى حد الاحتلال في 2003 ، لم تكن لي اي صلة باي جهة رسمية عراقية  ، فموقفي كما اعتقد كان  واجب وطني تمليه قناعتي .

عند وصولي الى لندن في بدايات  عام 2000 ، وبدء ظهوري المتكرر على قناة المستقلة ، كنت اتحين الفرص  للنيل من الكويت كدولة وحكومة .  مرة في عام 2002 اتصل بي الدكتور محمد الهاشمي ليطلب مني المشاركة في برنامج الحوار الصريح  لذلك اليوم وكان وقته الساعة السادسة ، لكنه ترجى ان اتي بوقت مبكر بساعة او اكثر على موعد البرنامج  لان هناك اشخاص يريدون رؤيتي والحديث معي وتم الاتفاق على الساعة الرابعة والنصف ، فوجدت في انتظاري كل من الدكتورة  معصومة  المبارك  ، والاستاذ سامي فرج ، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية  في الكويت وشاب قيل انه الملحق الثقافي ، وفتح الثلاثة معي موضوع  موقفي المعادي للكويت ، وكنت مصرا على ان هناك مؤامرة على العراق استخدمت دولة الكويت   طعما لتنفيذها ، مستندا هذه المرة على وثيقة نشرها محمد حسنين هيكل في كتابه عن حرب الخليج ، بان هناك اتفاق اميركي كويتي على استفزاز العراق وجره للعدوان على الكويت .، بقدر ما كان الاستاذ سامي فرج هادئا جدا ودبلوماسيا في حديثه ، كانت الدكتورة المبارك  استفزازية بتلويحها لي بمكافاة ان دخلت معهم في برنامج على الهواء وتراجعت عن مواقفي السابقة ، ما اغاضني جدا ، فعمري لم احسب ، يوما ، حسابات  الربح والخسارة في قناعاتي المعلنة .ولعل موقفي الحالي من حكام العراق الجدد مثال واضح ، فكلهم معارف واصدقاء  يمكن الاستفادة من عروضهم  التي قدموها شرط الاقرار بالعملية السياسية ، ووقف نقدي لهم ، ولعلي انا والاستاذ عوني قلمجي الضابطين الوحيدين من المعارضة القديمة ممن لم نطالب لابتعويضات ، ولا بالهبات التي تقدمها الحكومة للمعارضين القدامى ، وكلانا كان محكوم بالاعدام . لذلك اغضبني عرض الدكتورة المبارك ، وكتمت غيضي وتظاهرت بالقبول ، حتى دخلنا الاستديو ، فكنت هجوميا بشكل مستفز . طبعا كل ذهب في طريقه  بعد انتهاء البرنامج ولم نتقابل   بعدها .

استمر موقفي هذا بدون مراجعة ، وانا اتابع ما يحدث في العراق من خراب وتخريب انتهى باحتلال العراق والسير باتجاه تقسيمه ، وانا لاالوم الا الكويت ، بحالة من شبه انعدام الوعي  الذي يصيب الانسان احينا امام الاحداث الكبار ، فتتغلب عليه صور نمطية محددة وافكار مسبقة ، لاتقبل الا راي واحد ، كانت الكويت  اداة لمؤامرة مسبقة على العراق . رافقني هذا الشعور  حتى نهايات شهر كانون الثاني 2015 ، كنت في المغرب ، ووجدت عند احد باعة الكتب القديمة ، عددا  قديم من عالم المعرفة عنوانه “الكويت والتنمية الثقافية العربية   ” تاليف الدكتور  محمد حسن عبد الله ، اشتريته بثمن بخس  ( 10 دراهم  مغربية )  ، بنية ان اطلع على كيفية ان ينافق او يتزلف بعض الكتاب العرب لحكومات الخليج طمعا بمكافاة .. عند عودتي الى لندن يوم 7 /1 / 2015 ، بدات اقرا بالكتاب ، ومن الصفحة الاولى بعد المقدمة ، بدات اشعر بالخجل مع نفسي عن الصورة التي  اعطيتها للدكتور محمد حسن ، وبدات اعتذر له مع نفسي  وللمثقفين الكويتين ، لحكومة الكويت التي قدمت الكثير من المساعدات المالية والثقافية لمختلف  الدول العربية، مساهمة منها في تنمية الثقافة العربية  ، والتي  اعطت كل هذه الحرية والدعم لهؤلاء المثقفين الكويتين كي يساهموا وينشطوا في نشر الثقافة القومية الملتزمة بقضايا العروبة  في مختلف المجالات

لم يقل الدكتور محمد حسن عبد الله  الكثير من الاشياء التي لااعرفها ، الا اني كما قلت وبتاثير الافكار النمطية  المسبقة التي كنت اعيشها  ،كنت لااقرا ولا افكر  الا باتجاه واحد . لكن  هذا لاينفي اقراري بين الحين والاخر في التطرق لفضل المثقف الكويتي على تنمية مشاعري القومية . عندما كتبت مثلا مقالي المعنون ” من اوراق مناضل عصي على الانكسار ” ، لم انكر ولم اتخلف عن الاشارة الى  دور  مجلة العربي في بلورة وتنمية وعيي العروبي ، فمنذ عمر التسع سنوات وكان الشيوعيين يؤذوننا ويتهمونا بالبعثية  ، كنت جالسا مع والدي عندما جاء موزع الجرائد جبار ( نسميه جحا ) ليعطي والدي حفنة الجرائد التي كان يتابعها ، ورايت بيده عددا من مجلة العربي  ، تصفحها والدي وادهشني ما بها من صور ، فطلبت تصفيحها من بعده فما كان من والدي الا ان يشتريها لي كان سعرها اما  90 او 100 فلس ( لااتذكر بالضبط ) ، واوصي جبار بان يحتفظ لي بنسخة  من كل عدد جديد . اكثر ما شدني  فيها  موضوع استطلاعي ( اعرف وطنك ايها العربي ) . لا اتذكر بالضبط  هل كان موضوع ذلك العدد عن مشيخة الشارقة او ام قومين او جوبا .من خلال مجلة العربي تعرفت على البعد الجغرافي للعرب والعروبة ، وبدا اعتزازي بعروبتي ينمو مع كل عدد ، ومنها تعرفت على مدينة اغادير واثار الزلزال الذي ضربها عام 1960  ، وعلى الحياة في الجامعة الاردنية ومدن بالبحرين  ، وشيئا عن رقصة السماح الحلبية ،واسواق القاهرة ومقاهيها  والحياة في صنعاء وغيرها من  الامور والتفاصيل  عن مدن عربية كثيرة . وقصائد الشاعر الفلسطيني ابو سلمى ، الى متى وارضنا تنتظر ، ورجاء وغيرها من القصائد الاخرى . واتذكر مرة وانا في صف السادس الابتدائي جائنا معلم  الرياضة عباس  وبيده مجلة العربي ليقرا علينا قصيدة ابو سلمى ( الى متى وارضنا تنتتظر ) ، فانتابني غرور طفولي في اني  املك نفس العدد وكنت قد حفظت نفس القصيدة .

كانت الكويت ما زالت تحت سلطة  الانتداب البريطاني  وهي تنشر هذا الوعي القومي العربي . منذ العدد الاول ، كانت توجهات المجلة واضحة كما هو ظاهر من مقدمة العدد التي كتبها رئيس التحرير الدكتور احمد زكي وفهرس محتوياتها التي نقلها الدكتور محمد حسن في الصفحات من 25-27 .كان اخر عدد دخل العراق بعد ادعاء عبد الكريم قاسم بتبعية الكويت للعراق ،  يتضمن استطلاعا عن القوة الجوية السعودية ، ولا شك انه كان انذارا او تهديدا للعراق ، فانقطعت العربي  عن العراق . وفقدت معها مصدرا اساسيا من مصادر معرفتي الغرة ، لكني عاودت  على متابعة شرائي لكل عدد من اعدادها بعد سقوط نظام عبد الكريم قاسم ، الى عام 1968 بعد دخولي الكلية العسكرية حيث قلت قرائتي ومتابعاتي الثقافية .

تذكرت او ذكرني الدكتور محمد حسن عبد الله  ، لو لم يكن للكويت من مساهمات ثقافية قومية عروبية غير مجلة  العربي لكفى ذلك افتخارا بالتزاماتها حيال القضايا القومية العربية  ، وعيا بمتطلبات المستقبل العربي واعدادا للجيل او الاجيال العربية لمواجهة هذه المتطلبات بوعي وبصيرة  تتناسب وحجم الاحداث ، وواقع السياسات الدولية ..

لكن الدكتورمحمد حسن  ، في كتابه عن مساهمات الكويت القومية العربية الثقافية  ، عرفني بمساهمات الكويت الاخرى ، مثل مساهمتها بانشاء اول تلفزيون في امارة دبي ( قبل قيام اتحاد الامارات العربية المتحدة )، وتاسيس الجامعة اليمنية ، ثم يذكرنا بمساهمات الكويت الثقافية من خلال دوريتي عالم المعرفة وعالم الفكر  والمسرح العالمي ، الثقافة العالمية ، وابداعات عالمية ، وغيرها من الدوريات التي تشكل منبعا ثقافيا غزير بالمعرفة والاطلاع على  اخر تطورات القكر والثقافة العالميين . وكنت قد اشرت الى اهمية هذه الدوريات وسبقها في خلق الوحدة الثقافية العربية  في محاضرة لي عن ” مدرسة الثقافية العربية المغربية ” التي ساهمتُ بها في ندوة  ( الادب في خدمة التنمية والسلم الاجتماعي) التي اقامتها جمعية منتدى الافاق  للثقافة والتنمية بالتعاون مع مركز لندن للتدريب والدراسات ، في لندن بتاريخ    23/  11  2014 .

لم اتوقف عند قراءة الدراسة  التي قدمها الدكتورمحمد حسن عن مساهمات الكويت الثقافية ، بل توجهت  لقراءة  بعض مما كتبه  الكتاب الكويتين ، مثل الكراس القديم للدكتور احمد السقاف المعنون ” تطور الوعي القومي في الكويت ” لأجد فيه تحزب الى حد التعصب للعراق في حربه مع ايران ، واعتقد لو ان الرئيس العراقي صدام حسين قرأ هذا الكراس  عند تصاعد الازمة مع الكويت لكفى شفاعة مهما كان موقف الكويت السياسي تجاه العراق ، رغم ان    هذا الدور الكويتي الداعم للعراق في حربه مع ايران لم يغب عن بال  الرئيس صدام ، حتى انه كرم امير الكويت بوسام الرافدين من الدرجة الاولى ، تقديرا لموقفها من العراق خلال حرب الثماني سنوات .

  احمد السقاف هذا كان واحدا من مثقفي الكويت الذي وقفوا وراء تاسيس مجلة العربي وتحديد سياستها القومية العربية ،  ايام الانتداب البريطاني ، وهو من اختار الدكتور احمد زكي  لرئاسة تحريرها . طبعا ما كان له ان يقوم بذلك دون رغبة ودعم  حكومة الكويت المحلية ، رغم ان الكويت كان مازالت محدودة  المواردة ودولة في طور البناء  .

 عدت ايضا  لقراءة كتاب الدكتور المناضل احمد الخطيب ، ” الكويت من الامارة الى الدولة ” ، الذي لم اقرأه رغم انه وصلني هدية من احد الاخوة الكويتين من حوالي السنتين ، وخضع هو الاخر  للحكم المسبق الذي سيطر علي ، فاهملت قرائته  ، بتصورانها  محاولة لتدعيم  كيان الدولة الكويتية امام ادعاءات العراق بتبعية الكويت ، الا اني اكتشفت فيه من الحقائق  المسندة بالوثائق عن دور الحركة القومية العربية في  الكويت  التي عملت جاهدة على نشر الوعي القومي العربي  في غيرها من الاقطار العربية . في وقت مبكر جدا منذ  اوائل الخمسينات وحتى قبل ذلك بكثير كماأشار لذلك الدكتور محمد السقاف .  نشط قوميوا الكويت  في نشر الوعي باهمية  الوحدة العربية  والهوية العربية ، ما كان يُوجب ان تدعم خطواتهم ونشاطاتهم هذه  لتحقيق وحدة  الاهداف والتوجهات القومية  بين الدول العربية . واذا كان هناك قصور من هذا الطرف او ذاك ، لم يكن الخلل بالكويت شعبا او مثقفين او حكام ، بل  كما ذكر الدكتور الخطيب  بالاحزاب والقوى القومية  التي رفعت شعار الوحدة دون ان يكون مفهوم الوحدة  واضحا لديها : ” حتى قضية الوحدة  التي كانت المدخل لتحررنا  لم تجد الاهتمام الذي تستحقه، فلم يكن عندنا مشروع وحدوي واضح يجيب عن مشكلات الاختلافات الاقليمية  ومشكلات الاقليات . لا بل الاحزاب العربية المنادية بالوحدة  بما فيها حركة القوميين العرب وحزب البعث لم يكن عندها  اي تصور واضح حول نوعية الوحدة  التي نطالب بها  .”(ص: 325 ) . لعل ذلك الخلل في الفكر القومي العربي هو ما سبب  صعود ( الوحدويين القطريون ) كما سَماهم  الاستاذ ميشيل عفلق  في كتابه في سبيل البعث . الى قمة القيادة في الحزب  وفشل الحزب في تحقيق الوحدة بين سوريا والعراق على الاقل ، رغم سيطرة الحزب على الحكم في القطرين .

ما حصل في محادثات الوحدة الثلاثية عام 1963 ، حيث اكتشف المجتمعون ان ليس هناك من برنامج وحدوي واضح ، فاستعانوا وقتها بالدكتور عبد الرحمن البزاز ليكتب ما نشره فيما بعد تحت عنوان ” الدولة الموحدة والدولة الاتحادية ” ، يؤكد ما طرحه الدكتور احمد الخطيب من وجهة نظر .

من خلال كتاب الدكتور احمد الخطيب نتعرف الى دور الكويت  في انفجار الثورة في جنوب اليمن ، وما قدمته الكويت من مساعدات  في مجال التعليم والصحة والاسكان لجمهورية جنوب اليمن  الوليدة بفضل جهود ومساهمات احمد اسقاف  رئيس مكتب الخليج وجنوب اليمن في وزارة الخارجية الكويتية (ص : 337 ) .

حتى الحركة القومية  الناصرية في العراق ،  لقيت من الدعم ما  انقذ استمرارها ،  بعد ان اعتقل بعثيوا 8 شباط كل قياداتها ، وقرار حركة القوميين العرب ارسال  عناصر قيادية حركية للمساعدة هناك ،ليتبرع القوميون الكويتيون للذهاب الى بغداد ،  فيستقيل امين عام مجلس الامة ( علي الرضوان ) من منصبه ويترك عبد العالي ناصر وسليمان العسكري دراستهما الجامعية في القاهرة ليتوجهو الى العراق  (ص275-276 ) .

لم نسمع ايضا يوما ان يستقيل مدير شرطة دولة بسبب منع الاحتجاجات والمظاهرات التي ظهرت استنكارا للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، الا في الكويت عندما قدم المرحوم جاسم القطامي استقالته مستنكرا منع المظاهرات  هناك. كما لم نسمع ان وزيرا للصحة استقال من منصبه بسبب حريق يقع في احد المستشفيات ، ويذهب ضحيته اثنين من العاملين كما فعلت الدكتورة معصومة المبارك . مؤشر الى حس وطني وقومي عالي بالمسؤولية والواجب ، ما يفرض الاحترام والتقدير للمثقف الكويتي .

حتى المسرح الكويتي ، كان الى ما قبل الاحتلال منبرا لبث الحس والوعي القومي عند الانسان العربي ، يبرز ذلك واضحا من خلال مسرحيتي ( بي باي لندن ) و( بي باي عرب ) اللتان قدمهما الممثل المسرحي الكوميدي عبد الحسين عبد الرضا والفنان المرحوم غانم الصالح مع مجموعة اخرى من الفنانين الكويتين .اعمال ترقى وتنافس ما قدمه الفنان السوري دريد لحام من مسرحيات نقدية لاوضاعنا العربية باسلوبه الساخر .

الامثلة كثيرة لايمكن حصرها  في مقال قصير كهذا وادعو من يرغب الاستزادة بالعودة لما ذكرت من المصادر .

الا ان التصريحات  الرسمية  لحكومة الكويت المستقلة  وشيوخها بعد الاستقلال ، وتاكيدهم على الهوية العربية للكويت ، لايمكن  تجاوزها .

فعند انتهاء  المجلس التاسيس من وضع الدستور في 15 كانون الثاني 1962، قال الشيخ جابر الاحمد الصباح  وهو يلقي كلمة الحكومة  باعتباره نائبا لرئيس مجلس الوزراء : ” ان الكويت اميرا وحكومة  وشعبا يؤمن ايمانا راسخا  بان القومية العربية والوحدة العربية  هما الطريق الصحيح  الذي يجب ان تسير فيه الامة العربية  لتصل الى الهدف الذي يصبوا له كل فرد من افرادها ، وان الكويت في سبيل ذلك لن يوصد ابوابه في وجه اشقائه العرب  في حدود طاقاته ” ( الكويت والتنمية الثقافية العربية ، ص :18 ).

وعند انعقاد الجلسة الاولى للمجلس التاسيس ، التي حضرها امير البلاد في حينها المرحوم عبد الله السالم اكد في كلمته الافتتاحية على ان :” ستستمر الكويت دائما ، باذن الله ، في طريقها الذي اختطته لنفسها ، دولة عربية تتضامن مع شقيقاتها الدول العربية في كل ما يعود بالخير على الامة العربية ” ( الخطيب ، ص : 229 ).

  لم  تتوقف تلك التوجهات  عند حد الاقوال ، بل تم ترجمتها في مواد الدستور  ، فالمادة الاولى نصت على ان ” شعب الكويت  جزء من الامة العربية “

والمادة  157 نصت على ” ان سلامة الوطن امانة في عنق كل مواطن ، وهي جزء من سلامة  الوطن العربي الكبير “

ورغم ، هزة الاحتلال ، مازال المثقفون  الكويتين يواصلون  جهودهم في نشر الوعي والثقافة العربية ، واطلاع المثقف العربي على اخر مستجدات  تيارات الفكر العالمي من خلال عالم المعرفة ، وعالم الفكر ، ومجلة العلوم الاجتماعية التي يصدرها  مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت ، مع تسعة  دوريات علمية اخرى  اضافة الى مجلة العربي ، وكتاب مجلة العربي ، ودوريات  المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، تباع في كل الاسواق العربية ، باسعار زهيدة  قد لاتصل الى كلفة نقلها . في ظاهرة تؤشر الى تكوين ثقافي  وانتماء عروبي ، تلقائي ورغبة  وحماس فطري عند المثقف الكويتي للارتقاء بوعي الهوية عند القارئ العربي بمختلف مستوياته الفكرية .

دور كويتي مميز ، تبز فيه الكويت  ومثقفيها كل الدول العربية الاخرى ، صحيح ان مصر الناصرية  قامت بادوار ممائلة كثيرة ، كما هو العراق ، وسوريا في  بعض العهود ، لكن ما يميز التجربة الكويتية انها تنبع من حس قومي فطري لايحمل اي توجهات واغراض  سياسية ، يبدو انهم ( مثقفي الكويت ) يعتقدون بضرورة  نشر الوعي بين المواطنين العرب  وتركهم لخياراتهم  في ما يرونه صالحا لمستقبلهم ، ما يذكرني باسلوب وطريقة المفكر القومي العربي ساطع الحصري الذي لم ينتمي يوما لحزب ، ولم يفكر بتشكيل حزب سياسي ، كان كل همه وغاياته هو خلق جيل من المعلمين الواعين  لحاجات امتهم ووطنهم ، المدركين  لمسؤولياتهم ، وترك الحرية لهم في اختيار ما يرونه مناسبا لتحقيق  اهداف الامة العربية ومواجهة مشكلاتها .

كل هذا جعلني اخجل من نفسي لمواقفي السابقة  التي تندرج بين الاستهزاء والاستخفاف بالكويت حكومة ومثقفين وبين الاتهام لهم بسيطرة التوجهات الشعوبية عليهم والعمالة ، ولا امتلك الا الاعتذار علنا من تلك المواقف ، ودعوة المثقفين العرب والهيئات والمؤسسات الثقافية العربية  للتحرك لتكريم المثقف الكويتي ، ادباء وكتاب وشعراء وفنانين ، الاموات منهم والاحياء ، بل لااغالي ان قلت ان المثقف الكويتي يستحق منا ان نخصص له يوما في السنة لتكريمه على ما قدم من خدمات جليلة في نشر الثقافة العربية وما لعبه من دور في استنهاض الوعي القومي العربي ،هذا الذي قدم الكثير من الاعمال تعبيرا عن نزعات التشبث بالهوية العربية ، والثقافة العربية ، مساهمات  عبرت  عن نفسها باعمال كبيرة  هي صروح في الثقافة العربية . مثل الدكتور احمد مشاري العدواني مؤسس سلسلة عالم المعرفة ،واول رئيس للمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، واحمد السقاف لما بذله من جهود في تاسيس مجلة العربي ودعم المؤسسات الثقافية والعلمية في اليمن ، واحمد الخطيب وادواره في خدمة القضايا القومية ، وجاسم القطامي ، والدكتور محمد الرميحي ، والدكتور سليمان ابراهيم العسكري ، والدكتور عاد سالم العبد الجادر، والدكتورة معصومة المبارك ، والمهندس عادل اليوحة الامين العام  للمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب  ، هو ومن سبقة في هذا المنصب ، ومعذرة لمن فاتني اسمه من هذه النخبة المميزة بمواقفها واسهاماتها بنشر الوعي والثقافة العربية  وكل العاملين في المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، على ما قدموه ويقدمون من خدمات جليلة للفكر العربي ، والثقافة العربية ، دون ان ننسى بقية مثقفي الكويت وكتابها وممثليها ايضا خاصة الاستاذ عبد الحسين عبد الرضا وزملائه الاخرين .

مع الاعتذار للمثقفة ، الكاتبة والاديبة والشاعرة الكويتية في قلة اطلاعي على نتاجاتها ، اتمنى تعويض ذلك بالمستقبل .

واكرر شكري الكثير للاستاذ الفاضل الدكتور محمد حسن عبد الله على رائعته هذه عن دور الكويت في تنمية الثقافة العربية . واعتذاري عن كل المواقف السابقة حيال الكويت ومثقفيها خاصة ..

تمت القراءة 488مرة

عن د . موسى الحسيني

د . موسى الحسيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE