الرئيسية > كتاب اللواء > رحيل قدرى كامل
إعلان

رحيل قدرى كامل

 

بقلم : على القماش

فى هدوء وصمت رحل عن دنيانا الفنان قدرى كامل كبير مرمى الاثار والذى اثار معارك عديدة لعل أشهرها كشفه عن تزوير اليابان للاثار المصرية التى عرضت هناك وكان مرافقا لها ، اضافة لما قدمه من فن نادر فى مجال الترميم لعل من أجمله قيامه وحده بترميم الاسلحة الاثرية النادرة بمتحف اكاديمية الشرطة ، ورغم هذا لم يشر اعلام الداخلية او اعلام او ابناء الاثار بخبر واحد عن رحيله

فى الثمانينات من القرن الماضى ، ومع مجىء فاروق حسنى وزيرا للثقافة ، عرفنا قدرى كامل ضمن من تصدوا بشجاعة لمخاطر اهمال ترميم الاثار ، او ترميهما على اسس الفهلوة لنهب الاموال الطائلة تحت ستار الترميم خاصة فى تمثال ابو الهول ، وقدم قدرى كامل خطة ترميم علمية للتمثال وغيره من الاثار الهامة ، الا ان فاروق حسنى اهملها ، وتبين ان السبب هو فتح خزائن الاثار والانفاق بسفه تحت ستار الترميم والذى سرعان ما كان ينهار فيعاد ويتكرر وتتكرر معه فتح الخزائن

وكان قدرى كامل ايضا من ضمن فريق العلماء المعارضين لمشروع الوزير بمنطقة الاهرامات والمعروف باسم ” طفطف وبوتيكات ومدرجات ” وهو المشروع الذى تصدى له علماء الاثار وفى مقدمتهم د . على رضوان و د . نعمات فؤاد حتى تم ايقافه ، وقد عاد المشروع مؤخرا بصورة اخرى ، اذ يبدو ان زمن معارضه العلماء لمشروعات الفساد قد توقف تماما

وفى النصف الاول من التسعينيات سافر قدرى كامل مرافقا لمعرض للاثار باليابان ، ومع توقعه بان الاثار يمكن ان يتم استبدالها باثار مزورة باحدث التكنولوجيا ،اخذ صور دقيقة ووضع علامات غير مرئية للاثار الحقيقية ، وجاءت المفاجأه بمهانة اليابان للاثار اذ تبين ان الجهة العارضة للاثار ليست الدولة بل شركة تجارية متواضعة ، قامت بعرض اثار مصر وسط السلع والاحذية ، لينتهى اليوم بانصراف المصريين المرافقين للمعرض بين سقف “فاترينات ” العرض يمكن رفعه واعادته بسهولة بعد انصراف المرافقين

وراقب قدرى كامل الاثار بدقة ، وبالفعل أكتشف تزوير العديد من اجمل الاثار المعروضة ، ولم يتوان للحظة واحدة طمعا فى بدلات السفر ، او حصوله مقابل الصمت بالتقرب للوزير ، بل أعلن على الفور وبشجاعة نادرة ، و بادلة علمية بارعة تزوير الاثار هناك ، وهو ما اثار عاصفة من الانتقادات خاصة مع نشر صور مهاننة كيفية نقل الاثار فى سوبر ماركت بالدور السابع باحد ” المولات ” وعرضها بجانب الاحذية

وثار وقتها الوزير المفسد ، واحضر مجموعة من ” حظيرته ” ليزعموا ان الاثار لم تزور ، وكان الطريف فى توقيعهم على محضر بسلامة الاثار بينما بعضهم رأى الاثار عن بعد وهى داخل ” فاترينة ” بالمتحف ، وبعضهم وقع دون ان يحضر من الاساس ، وواصل الوزير الجانب الاخر من التعتيم على الحقيقة والتدليس ، اذ قام بمجازاة قدرى كامل بدلا من مكافأته ، الا ان شهادة العلماء لقدرى كامل وقتها كانت أرفع وسام واكبر الف مرة من مكافأت الوزير

وكان موقف قدرى كامل الجرىء سندا لكسب القضية التى اقامها العلماء ضد الوزير ، وعودة الاثار من اليابان ، ومن المفارقات العجيبة انه فى اليوم التالى لعودة الاثار من اليابان قام زلزال فى نفس المدينة التى كانت تعرض بها الاثار

وواصل قدرى كامل معاركه فى كشف فساد ترميم الاثار خاصة فى الكنيسة المعلقة ووقف معه علماء نذكر منهم المرحوم د . على صبرى ود . حجاجى ابراهيم بالتعاون مع راعى الكنيسة القمص مرقص عزيز ، الا ان فاروق حسنى استغل كاتب السلطة الهارب ابراهام سعده ليحول الموضوع الى هجوم على القس بزعم ان رجال الدين لا علاقة لهم بترميم الاثار ، رغم ان الرأى فى الترميم كان لعلماء الاثار وفى مقدمتهم المتخصص وكبير المرميين قدرى كامل

ووسط هذا الخضم كشف عدد من الاثريين الشرفاء بالاقصر فى مقدمتهم سيدة عبد الراضى ونعمة سند عن سرقة اثار الكرنك بمشاركة البعثة الفرنسية والتى احدثت كوارث بالمعبد ، وقد تبين ان مرمى البعثة من الهواة ، ورفض الشرفاء الاغراءات وتعرضوا للتنكيل ، بل استمر هذا الظلم ملازما ملفاتهم حتى اليوم بمنعهم من السفر مع المعارض بينما تم منح الفرص لمن هم اقل كفاءة وخبرة وربما شرفا

ومع اثارة الموضوع فى مجلسى الشعب والشورى ، وأصبح حديث الرأى العام ، جمع الوزير اعوانه فأطاعوه ، واصدروا تقريرجاملوا فيه بعض البعثة الفرنسية واشاروا الى سلامة ترميم الكرنك وعدم وجود سرقات

ولان هذا النفاق الرخيص يضر بأغلى ما تملكه مصر من كنوز ، لجأ شرفاء الاثار للقضاء ، وتم تشكيل لجنة ضمت كبار العلماء والمتخصصين فى مقدمتهم شيخ الاثريين عبد الحميد زايد وكبير المرممين قدرى كامل ، واعدت اللجنة تقريرا علميا أثبت بحق ما تعرض له معبد الاقصر من تخريب على يد الفرنسيين و ” الوكلاء المغفلون ” لهم فى مصر

واستمرت معارك خبير ترميم الاثار قدرى كامل دفاعا عن اثار مصر خاصة فى الندوات التى نظمتها اللجنة الثقافية ولجنة الاداء النقابى فى نقابة الصحفيين ، حيث كشف بشجاعة عن سرقات عديده لقطع اثريه نادره من مواقع مختلفه دون ان يبدى احد المسئولين اى اعتراض ودون اى ضجيج ، وعلى سبيل المثال الباب الاثرى الفخم لمدرسة ليسيه المعادى حيث تم نقله للحرف الاثريه للترميم منذ 14 سنه كامله ثم اختفى ولن يعد

واضاف : ان احد مرممى الزجاج المعشق اخذ الشبابيك الفخمه من مسجد السيده زينب وهى نوافذ معشقه بالزجاج بشكل فنى رائعه وقام باستبدالها بنوافذ جديده ، وعندما سأل عن نوافذ ذات القيمه الفنيه القديمه رد رجال الاثار ان مسجد السيده زينب غير مسجل فى تعداد الاثار..اى من يريد ان يسرق او يستبدل او يستفيد بفارق الاسعار بين النوافذ ذات القيمه النادره وبين النوافذ العادية ، فليفعل ولا رقيب

اما عن اللمسات الجمالية فى ترميم الاثار فقد شارك قدرى كامل فى ترميم العديد من التماثيل الكبرى خاصة المعروضة بالميادين وفى المحافظات المختلفة ، كما قام وحده وبجهد وعبقرية نادرة ومثابرة فائقة ، بترميم جميع معروضات متحف اكاديمية الشرطة بما يضمه المتحف من بنادق ومسدسات وغدرات وغيرها من الاسلحة ، بعضها يرجع الى عهد محمد على وكثير منها ذات شهرة عالمية لاستخدامها من قبل شخصيات هامة من ملوك وامراء او قواد فى الحروب العالمية

وفى مجال الابداع قد لايتنبه الكثيرين الى ان اللوحات المعروضة بالفنادق الكبرى فى مصر والتى كانت تستخدم كخلفيات جمالية فى المناسبات لجذب الزوار والسياح، واشهرها التى كانت تعرض فى شهر رمضان ، وكانت على لوحات بمقاسات كبيرة جدا وعليها رسومات بايحاءات من القاهرة القديمة خاصة العصر المملوكى كانت من تصميم الفنان قدرى كامل

ورغم هذا الاثراء الذى قدمه قدرى كامل فى الحياة الثقافية ، سواء بتصديه للفساد ، او بترميمه للاثار ببراعة فائقة الا انه رحل فى هدوء ، اذ يبدو ان الاعلام اصبح لايهتم سوى بمن يعمل فى حزب سياسى ذو صوت عالى ، او اصحاب غسيل الاموال ، او الراقصات والغوازى ، بينما يغيب الوفاء عن تكريم العلماء ، وكأن ” المفسدين ” يقفون وراء عدم تكريمه ردا على ما قام به ، وان كنا نعرف ان مثل قدرى كامل لم يكن ينتظر تكريما ، فهو يعلم مكانته فى قلوب محبيه من الوطنيين والمثقفين بحق ، ويعلم ان ما يؤديه هو واجبه الوطنى تجاه بلده ، ومخلصا لوجه الله والوطن  

لقد كان من عادة قدرى كامل – رحمه الله – ان يبادر بالاتصال فى العيد بمعارفه واصدقائه ، الا ان هذا العيد كاد ان ينتهى دون ان يتصل ، فقمت بالاتصال فى مساء اخر ايام العيد ، فردت ابنته رضوه والتى اعرفها من صوتها حيث كان يداعب ابنتى عندما ترد على اتصاله لانها تحمل ايضا اسم ابنته ، فاذا بها تفاجأنى برحيله ، حاولت ان ” الملم ” الصدمة ، وسألتها لماذا لم تقم والدتك باخبارنا ، فواصلت الصدمة بانها هى الاخرى توفت فور رحيله ، وكانت مدرسة للغة الفرنسية طيبة ودودة

أثق فى ان الله سيخرج من هذا النبت الطيب فروع طيبة ، وان تكون رضوة مثل والديها فى الطيبة ، والتفوق فى العلم ، والجرأة فى الحق ، ولكن يبقى السؤال كيف يرحل مثل هذا العالم الكبير دون ذكر او تكريم سواء من العامين فى الاثار ، او من اكاديمية الشرطة التى قام بترميم واحياء متحفها ، او حتى من الفنادق الكبرى التى ضمت لوحاته ، وكذلك من المثقفين محبى هذا الوطن ؟

 

 

 

 

تمت القراءة 418مرة

عن على القماش

على القماش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE