الرئيسية > كتاب اللواء > ذريعة المؤامرة
إعلان

ذريعة المؤامرة

 فهمي هويدي 

أحدث «مؤامرة» ضد مصر كشفت عنها جريدة «الشروق» يوم الجمعة الماضي ١١/٩.

إذ أبرزت على رأس الصفحة الأولى عنوانا يقول:

 «مخطط أمريكي بريطاني لخطف نجوم الإسكواش المصريين».

 ولا أعرف لماذا اختار محرر الصفحة الأولى وصف الأمر بأنه «مخطط»، رغم أن عناوين الداخل تحدثت عن إغراءات للاعبين بمنح دراسية في أكبر الجامعات وتسهيلات غير مسبوقة للعب باسميهما قبل اعتماد اللعبة في أوليمبياد طوكيو.

وهو ما يعني أن نوادي الدولتين حاولت إغراء اللاعبين المصريين الموهوبين بتوفير عوامل جذب لهم، في مواجهة عوامل الطرد التي يعانون منها في مصر.

لكن يبدو أن المحرر اعتبر ذلك «مخططا» أقرب إلى المؤامرات التي تحاك ضد مصر، التي يشار إليها في وسائل الإعلام المصرية بين الحين والآخر من خلال تكرار الحديث بمناسبة وبغير مناسبة عن أن مصر «مستهدفة».
في ظل هذه الأجواء المشحونة بالحديث عن مؤامرة الاستهداف، ربما خطر ببال قارئ خبر مخطط خطف النجوم أن اتفاقا تم مع إحدى العصابات لتنفيذ العملية.

إذ سيقوم رجالها بانتظارهم وهم عائدون إلى بيوتهم عندما يحل الظلام، وسيتولون اختطافهم واحدا تلو الآخر ثم تغطية أعينهم بعد تكميمهم ثم تخديرهم وتهريبهم بعد ذلك في صناديق إلى خارج البلاد لكي يتلقفهم مندوبو العصابات ثم يقومون بتسليمهم إلى النوادي الكبرى في البلدين.

ولا أستبعد ألا يكون ذلك السيناريو قد خطر على بال المحرر، إلا أنني لم أستبعده في ظل في الأجواء السائدة في مصر هذه الأيام بعد الذي تردد عن الكيانات الشيطانية الخفية التي تدبر المؤامرات على العالم عبر تسخير العلم والطبيعة لإشاعة الفوضى والخراب من خلال الزلازل والأعاصير والسيول الجارفة والمجنونة.

وذلك بهدف إلحاق الهزيمة وتركيع أي طرف متمرد يراد الخلاص منه دون ان يظهر الفاعلون الحقيقيون على المسرح.
إذ حين يبث ذلك الكلام على شاشة التليفزيون، وحين يصدر عن أناس يدعون أن لهم علاقة بالاستراتيجية ورؤية ما لا يراه عامة الخلق، ويردده إعلاميون في برامج يفترض ألا علاقة لها بالشعوذة أو الفكاهة فإن المشاهد العادي يعذر إذا ظن أن لاعبى الاسكواش المصريين سيخطفون وسيشحنون إلى الخارج بالاسلوب الذي ذكرت.
وإذا كان لنا ان نغفر ذلك ونمرره إذا ما صدر الكلام عن أناس مشكوك في سلامة قواهم العقلية أو آخرين يتعاطون أصنافا رديئة من المخدرات وحبوب الهلوسة، فإن الأمر لابد أن يختلف إذا صدر عن أناس محترمين وعقلاء، أو هكذا يبدون لنا على الأقل.

 ليس لدي ما أقوله عن حكاية المجلس الأعلى للعالم التي جرى الترويج لها أخيرا عبر إحدى القنوات الخاصة سواء لمحدودية معارفي العلمية أو الفقر في قدراتي الفكاهية.

 لكنني سأتوقف عند مسألتي المؤامرة والاستهداف اللتين يتحدث عنهما بعض العقلاء حينا بعد حين.
إذ أرجو أن يفهم ابتداء أنه ليس كل من خالفنا في الرأي يعد متآمرا.

وحين يحدث ذلك في الداخل فربما كانت لمن خالفنا وجهة نظر أخرى في تحقيق المصلحة الوطنية.

 وحين يحدث من جانب جهة في الخارج فربما وجدت تلك الجهة ان الموقف المصري يتعارض مع مصالحها أو مبادئها.

 في هذه الحالة لا ينبغي أن يعد الدفاع عن المصالح أو المبادئ تآمرا علينا.

فنحن مثلا نحتفي بالمنظمات الحقوقية الدولية إذا امتدحتنا ونبرز بياناتها إذا كشفت عورات مخالفينا، لكننا نسارع إلى اتهامها بالتآمر إذا انتقدتنا.

وفي الحالة الأولى نصفها بأنها حقوقية،

أما في الحالة الثانية فانها تصبح مخترقة من الإخوان ومشتراة من جانب التنظيم الدولي.
أفهم ان تتآمر علينا بعض الدول إذا هددت مصر مصالحها، كما حدث في المرحلة الناصرية حين وقفت مصر إلى جانب حركات التحرير فساندت الجزائريين ضد الاحتلال الفرنسي، ووقفت مؤيدة لمنظمة التحرير في مواجهة «إسرائيل»، الأمر الذي كان سببا للعدوان الثلاثي في عام ١٩٥٦،

 إلا أن ذلك لم يعد واردا الآن.

فلا مشروع لمصر الراهنة، ولم يعد لحركات التحرير وجود في القاهرة.

حتى «إسرائيل» لم تعد على جدول الصراع.

وأصبحت تصنف نفسها ضمن معسكر الاعتدال العربي.

بالتالي فليس هناك ما يضطر الدول المحيطة إلى التآمر على مصر.

وللعلم فإن الأربعين سنة التي انتكست فيها مصر وتقزمت خلال عهدي الرئيسين السادات ومبارك لم يعد ذلك راجعا إلى تآمر من الخارج،

وإنما كان كل ما أصاب مصر إنتاجا محليا بحتا.
حكاية الاستهداف بدورها تحتاج إلى تحرير.

ذلك أن مصر بأمر الجغرافيا بلد له استراتيجيته وأهميته في المنطقة، وتاريخه حافل بالطامعين والغزاة، حتى نقل الدكتور جمال حمدان عن أحد المستشرقين في كتابة شخصية مصر انه بلد أكبر وأهم من ان يترك لأهله.

ومشكتها ليست في كثرة الطامعين فيها لأن الآخرين لهم تطلعاتهم وحساباتهم، ولكنها فيما تملك من عناصر القوة والمتعة أو فيما تعاني منه من هشاشة وضمور.

 وهي بقوتها تصد الآخرين وتوقفهم عند حدودهم، وهي في ضعفها تستدعيهم وتفتح شهيتهم للتمدد.
إن خطورة الكلام عن التآمر والاستهداف تكمن في أنه يروج للاستسلام والانكسار، من حيث انه يعني أن قدر مصر أن تظل ضحية دائما، وأن مصيرها ليس بأيديها ولكن الآخرين هم الذين يصنعونه،

وتلك أكذوبة كبرى يروج لها الضعفاء الذين ترتفع أصواتهم في أزمنة الانحسار والهزيمة.

………………………..

 

تمت القراءة 525مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE