أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > حصاد استبداد الحكام وسقوط الدولة ، نموذج العراق
إعلان

حصاد استبداد الحكام وسقوط الدولة ، نموذج العراق

 

السفير د. عبدالله الأشعل

ظلت تقارير الأمم المتحدة وكتابات المخلصين من مثقفى العالم العربى يحذرون من مخاطر الإصرارعلى تغييب الديمقراطية وحكم القانون لصالح حاكم فاسد وقلة حوله تستأثر بكتابة مصير الأمة كلها. وعندما قامت الثورات العربية تواطأ الحكام العرب على هزيمتها وإعادة إنتاج نظم أشد بعدا عن الديمقراطية وحكم القانون والذى لا يدركه الحكام العرب وجامعتهم أن تحالف العروش فى فيينا عام1815 والقضاء على نابليون ظن أنه قضى على الأمل فى نفوس الشعوب فى الحرية والمساواة والمواطنة، فزالت هذه العروش وبقيت الثورة الفرنسية بكل مبادئها فى منظومة عالمية تتجاوز فرنسا نفسها.

يتكرر نفس المشهد الآن فى اليمن وسوريا ومصر والعراق، مما أدى إلى حروب دينية خطيرة وصدامات طائفية مدمرة ستؤدى فى نهاية المطاف إلى إعادة تقسيم الدول والحدود وفق منطق القوة القائمة على تصفية الحسابات والانتقام، ولن تجدى معها الحسابات والتحالفات الخارجية التى ضمنت بقاء النظم العربية بشروطها حتى الآن .

سبق أن حذرنا فى وقت مبكر من مخاطر انهيار السلطة فى مصر، وحذرنا من الصراع على السلطة بأدوات السلطة التى تشكل أجهزة الدولة، وحذرنا فى مقال أحدث من استخدام الانتخابات فى العالم العربى لاسباغ الشرعية والديمقراطية الزائفة لتعزيز سياسات القمع وامتهان حقوق الإنسان وسحق الأطراف الأخرى فى المعادلة الجديدة،

كما حذرنا من مخاطر ما يحدث فى سوريا والشحن السنى/ والشيعى الذى تغذيه السعدوية وتركيا وانضمت إليهما مصر مقابل الاحتقان الشيعى والتهاب الخريطة الشيعية، فأصبح التطرف فى الجانبين هو اللاعب الأساسى، وصار الخراب والدمار هو النتيجة المنطقية لأنانية الحكام الطامحين إلى السلطة على خرائب الأوطان. وأرجو ألا أكون متشائماً إذا قلت أن مصيرا مؤلماً ينتظر الدول العربية جميعاً وينتظر العرب كعرق فى التاريخ، فقد تجاوزنا المقدمات ونعيش الآن مرحلة التفاعلات والنتائج.

وقد حلمت عدة مرات بأن ينهض المثقفون بدورهم فى تشكيل كتلة قومية تلزم الحاكم العربى بمخاطبة الرأى العام، لولا أنه صار حلم ليلة صيف عندما رأيت المثقفين يتساقطون ويدخلون بيت الطاعة السياسى ينهلون من ذهب المعز، أو ينكمشون فى محابسهم خوفاً من سيفه. ويبدو أن الذى أطالب به وهو العدل للشعوب وحكم القانون حتى دون استدعاء القيم الدينية وإنما لاعتبارات سياسية محضة يناقض منطق السلطة فى العالم العربى الذى اتجه إلى الديمقراطية دون التسلح بأدواتها، فصارت المطالبة تعنى تخلى الحاكم عن بعض سلطته لشعبه الذى لم يكن يوماً رقماً فى المعادلة، فإذ ثار عليه، كان ذلك عنده دليلاً على المؤامرة عليه، حيث مع الثورة تنحسر الوطنية ويضيع الولاء للزعيم الحبيب، فيتهم الثوار بكل قبيح وهى الخيانة والمؤامرة والعمالة للخارج. فالمغالبة السياسية فى الديمقراطية عن طريق الصناديق يقابلها المغالبة بالسلاح والقوة فى النظم العربية، لأن كل النظم جاءت بالسيف، وأذكر أن محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة أكد للسلطان العثمانى عام 1838 عندماهم بعزله بأنه هو الذى سيعزله بالسيف، لأنه جاء إلى الحكم بالسيف، وإذا كان قد حصل على الفرمان ببعض الأدوات مثل الرشاوى وطلب علماء الأزهر الذين بلغت سذاجتهم أنهم هم الذين نصبوا محمد على وأن الفرمان لا يعدو أن يكون إجراءا روتينياً حتى أن بعض الباحثين فى التاريخ ظن أن عام تنصيب محمد على هو ضمن ثورات الشعب المصرى.

لقد ظهر السيف فى إطلاق يد محمد على فى مصر عندما قضى على المماليك فى مذبحة القلعة، وعندما أخضع الجزيرة العربية والسودان وإفريقيا بحملات عسكرية، وعندما ساند السلطان فى حروب المورة فى بلاد اليونان ثم عندما وحد إبراهيم الشام تحت حكم والده وكاد يصل إلى الآستانة نفسها لولا تدخل القوى الأوروبية فاكتفى بصلح كوتاهية ونصيبين.

وهكذا إذا راجعنا تاريخ النظم فى العالم العربى سنجد أن القوة وليس الشعب هي التى ضمنت لها الثبات، واستمر الثبات للنظم الملكية بينما تعثر الحكم فى النظم الجمهورية عندما تحدي الشعب صاحب صاحب السبف، ولذلك منذ أن أصبح السيف هو سند الحكم فى مصر بعد الملك فاروق، فإن استبدال المغالبة العسكرية بالمغالبة السياسية قد فشلت فى تجربتها الأولى، وربما أسهم هذا فى المحنة الكبرى فى العالم العربى التى تنتظره خلال شهور. النموذج العراقى صورة مثالية لموضوع هذه المقالة.

فقد استقر فى المدرك التاريخى للعقل العربى أن العراق عاصمة الدولة الإسلامية يسكنها شعب لا يسوسه إلا حاكم قاسى وصورته النموذجية الحجاج فى القديم وصدام فى العصر الحديث كما أن أذناب الحكام الفاسدين الذين ثارت عليهم شعوبهم استغلوا حالة الانفلات الناجمة عن اليأس من قهر المتآمرين فقالوا بأن الشعوب المختلفة لا يحكمها سوى حاكم فاسد مستبد وأن الحرية لا تصلح لمن جرفت عقولهم. وهذا حق أريد به باطل، لأن الحاكم العربى عمد إلى هذا التدليس والتجريف حتى يمكنه أن يغيب وعى شعبه فيسهل عليه حكمه. زال الحكم الملكى فى العراق وحل محله نظام قهرى أعقبه نظام أكثر قهراً ممن يملكون السلاح لغصب السلطة، واختلط السلاح بإرهاب حزب البعث وجاء صدام وحكم البلاد بالحديد والنار ولكنه للحق لم يكن طائفياً، وقبل القيام بمغامرات مع إيران ثم الكويت، وكان دخوله الحرب ضد إيران عام 1980 جزءا من المخطط الذى بدأ بزيارة السادات للقدس ثم كامب دايفيد 1978، فشمل المخطط أكبر دولتين عربيتين تحت حكم مستبد مصر تستند إلى الدولة العسكرية الأمنية، والعراق يستند إلى الدولة المستبدة التى جعلت الجيش والأمن والإدارة أسرى البعث العراقى، مثلما كان الحال فى سوريا.

كان الاستبداد فى العراق غطاءاً لكبت المكونات تحت شعارات جوفاء ومغامرات لإرضاء الأنا المريضة، وكان الأكراد ورقة فى يد تركيا وإيران ضد العراق الذى بدالهما مهددا قومياً للقومية الفارسية والقومية التركية،كان الاستبداد غطاءاً أيضاً لمنع التطرف الدينى من الظهور. ولذلك كانت الخطة الأمريكية تقضى على مصر والعراق معاً وفى وقت واحد، كل بالطريقة التى تناسب حماقة قياداته فكان استدراج صدام إلى الكويت بعد حرب طويلة مع إيران استنزفت فيها مدخرات الخليج وسار العرب وراء صدام تحت شعار العروبة التى أسهموا فى ضربها فى الصميم، فزاد ذلك إيران حنقا بعد ثورتها الإسلامية وفى مصر كان التطرف الإسلامى قد اغتال السادات صاحب التقارب مع إسرائيل فأعلت إيران من شأن القاتل، وهو بدوره قربها من الاتجاه الإسلامى المناهض لإسرائيل والصلح معها، ووقفت رسمياً مع العراق والجزائر وليبيا وسوريا واليمن الجنوبى ومنظمة التحرير ضد منهج السادات ونجحوا فى عزل مصر الرسمية فى الجامعة والمؤتمر الإسلامى.

ثم أعدت واشنطن خطة القضاء على العالم الإسلامى، فكانت الأحداث المسرحية فى 11 سبتمبر ثم غزو العراق 2003 فقضت على الإسلام والعروبة كهوية لدول هذه المنطقة، وشيطنة العروبة والإسلام، حتى تبرأ منهما أهلهما تساميا فوق الصورة القبيحة التى رسمتها واشنطن. ولكن واشنطن عند احتلال العراق دبرت لتمزيقه على أساس طائفى، هو ما بدا فى خطة ضرب العراق 1991 ومناطق الأمن والحظر الجوى، وهى نفس مناطق التقسيم العرقى والطائفى.

وكانت الدراسات الأمريكية لتعميق الوعى الشيعى والسنى قد أصبحت خريطة كاملة أمام واشنطن، ثم وضعت واشنطن دستوراً للعراق عام 2005 وعمدت إلى نهب ثروات العراق التاريخية والطبيعية وضرب عروبة العراق وتسليم الشيعة السلطة ثم تعاونت معها إيران فى إطلاق يد الحكومة الشيعية فى التطهير العرقى للسنة، فعمدت السعودية إلى سياسة دعم السنة فى كل مكان لاعتبارات تتعلق بالصراع مع إيران، والأقلية الشيعية فى السعودية وفى لبنان والبحرين والخليج.

ولاشك أن سياسة قمع السنة فى العراق هى التى انتجت منظمات سنية متطرفة مثل داعش التى يبدو أمامها الطريق مفتوحاً لإعادة رسم خريطة مناطق العراق وسوريا، بينما عجزت الحكومة الشيعية فى بغداد وطهران وواشنطن عن مواجهة هذه التطورات. وقد حذرنا من التلحف بالديمقراطية والانتخابات لتأكيد الحق فى القهر، فأصبح المواطن السنى فى العراق ضحية التواطؤ بين الأطراف الشيعية فى الجيش والشرطة والقضاء والسياسات والإعلام، وأغلب الظن أن داعش سوف تنشئ شريطاً يضم كل المدن السنية العراقية مع ما تيسر من المدن السنية السورية.

ولست متأكداً إذا كان الحل العسكرى الهادف إلى طرد داعش وإعادة القهر للسنة سوف ينجح، كما أننى لست واثقاً أن خطة الإصلاح لجمع العراقيين تحت حكومة وطنية غير طائفية لا يزال ممكناً. ولكن الحادث فى العراق سوف يعقد مستقبل سوريا ويمثل كابوساً لإيران، وليس ورقة لها فى المفاوضات كما ذهب البعض. الثورات العربية بريئة، ولكن جشع الحكام وأنانيتهم وتمسكهم باذلال شعوبهم وقهر انتفاضاتهم الذى فتح الباب لوضع تزدهر فيه المؤامرات الطائفية، والمحصلة هى صرف الجميع عن مواجهة المشروع الصهيونى فى المنطقة. أما إغارة داعش على العراق فسوف تصطدم ايضاً بالأكراد، وربما يكون إضعاف قبضة بغداد علي النظام الفيدرالى الهش، واتفاق مصالح إيران وواشنطن على تفتيت العراق وعلى هيمنة الشيعة، فضلاً عن أن الجيش العراقى يعكس هذه المكونات المتناقضة، كل ذلك صار مسئولا عن المحنة.

فأنصار صدام بعد قهرهم كسنة أيضاً يتمنون سقوط الحكم فى بغداد الذى تحالف مع الأمريكان فى الغزو، بينما الشيعة خاصة أنصار إيران يرون أن حماقة صدام تسببت فى ضياع العراق وفى سقوطها ضمن أوراق القوة الإيرانية. وقد اعترف أوباما نفسه بذلك كثمرة للغزو الأمريكى وعدم إخلاص واشنطن فى إنشاء نظام ديمقراطى، ودور واشنطن فى التطهير الطائفى.

تمت القراءة 475مرة

عن السفير د. عبدالله الأشعل

السفير د. عبدالله الأشعل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE