أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > حدث في البرازيل
إعلان

حدث في البرازيل

 

فهمي هويدي 

تمنيناها عندنا فظهرت في البرازيل..

ذلك أنه منذ قامت ثورة يناير ارتفعت الأصوات في مصر منادية بتطبيق قواعد العدالة الانتقالية فشكلنا وزارة ولم تتحقق العدالة.

وفي البرازيل فعلوها بغير وزارة.

وإذ اكتفينا نحن باللافتة فإنهم امتلكوا شجاعة إعلان الحقيقة،

وفي حين أننا كدنا ننسى الموضوع وشرعنا في طي صفحته، خصوصا بعدما تمت تبرئة مبارك وأعوانه من المسؤولية عن قتل المتظاهرين، فإنهم هناك لم ينسوا، وإنما أصروا على تحري الحقيقة وإعلانها على الملأ في حفل رسمي أقيم بالعاصمة برازيليا في العاشر من شهر ديسمبر الحالي، وتلك قصة مثيرة تستحق أن تروى.

في ذلك اليوم تسلمت السيدة ديلما روسيف رئيسة البرازيل التقرير الذي أعدته لجنة الحقيقة عن ضحايا فترة حكم العسكر الذي استمر 21 عاما (في الفترة ما بين عامي 1964 ــ 1985) وأعلنت فيه أن ضحايا تلك المرحلة تجاوز عددهم ثمانية آلاف شخص بين قتلى ومهجرين ومسجونين.

وقد تم توثيق 434 حالة بين القتلى

(كانت الرئيسة روسيف ممن تعرضوا للتعذيب خلال تلك الفترة، حيث قضت ثلاث سنوات في السجن وجردت من حقوقها السياسية مدة 18 عاما).

وحددت اللجنة أسماء 377 مسؤولا من العسكريين والأمنيين ثبت لدى اللجنة أنهم مسؤولون عن الانتهاكات التي حدثت في تلك الفترة.

ودعت إلى محاسبتهم عن جرائمهم، رغم أن حكام تلك الفترة أصدروا قانونا شملهم بالعفو، لتأمينهم في المستقبل.
في الحفل المهيب الذي أقيم لتسليم وإعلان تقرير اللجنة الوطنية للحقيقة الذي صدر في ثلاثة آلاف صفحة، لم تستطع الرئيسة روسيف أن تحبس دموعها الغزيرة، وهي تلقي كلمتها التي استعادت فيها تجربة تلك المرحلة.

وقد اضطرت لأن تتوقف عن الحديث عدة مرات لكي تمسح دموعها التي لم تتوقف طول الوقت، وهو ما سجلته كاميرات المصورين،

الأمر الذي مكن اليوتيوب من نقل تفاصيل المشهد المؤثر إلى مختلف أنحاء العالم.
في كلمتها قالت السيدة روسيف:

إن الهدف من تشكيل اللجنة لم يكن الانتقام من أي طرف. لكنها حين أصدرت قرارها في هذا الصدد بعد انتخابها رئيسة عام 2010 أرادت أن تصالح البرازيل مع نفسها، لأن البرازيل تستحق الحقيقة،

والذين ضحوا لأجل إقامة الديمقراطية، وفقدوا أعزاءهم وأصدقاءهم،

وأولئك الذين لا يزالون يعانون من آثار تلك المرحلة الكئيبة،

كلهم يستحقون الحقيقة،

ولن تهدأ نفوس هؤلاء، ولن يستعيدوا شعورهم بالسكينة والطمأنينة والرحمة إلا بعد إعلان الحقيقة كاملة على الملأ.
أضافت رئيسة البرازيل قائلة إنه في الوقت ذاته، فإن المصالحة الوطنية لا يمكن بناؤها إلا على أساس من بناء الحقيقة، وعندها فقط يمكن منع أشباح الماضي المؤلم والمؤسف من البقاء مختبئة في ظلال الصمت والنسيان.
اللحظات المثيرة والفريدة التي شهدتها العاصمة برازيليا حلت بعد أكثر من ثلاثين عاما من زوال حكم العسكر وعودة الحكم المدني للبلاد.

وهو ما فتح الأبواب لصعود نجم السيدة روسيف، التي كانت إحدى قيادات حزب العمال اليساري. فعينت وزيرة ثم رأست الحكومة ثم رشحت نفسها للرئاسة وتحقق لها الفوز في عام 2010.

وما إن شغلت المنصب حتى أصدرت قرارها بتشكيل اللجنة الوطنية للحقيقة ضمن الإجراءات الأخرى التي اتخذتها لتحقيق العدالة الانتقالية ومداواة الجراح التي خلفتها مرحلة حكم العسكر، ولم تندمل منذ ثلاثين عاما.

ظلت اللجنة تعمل طوال ثلاثين شهرا إلى أن خلصت إلى تقريرها الذي سجل كل ما استطاعت أن تصل إليه اللجنة من انتهاكات تلك الفترة،

واعتمدت في ذلك بدرجة كبيرة على ما تم توثيقه خلال تلك الفترة من جانب الأهالي بالدرجة الأولى، إلى جانب الجهد الذي بذله المعنيون بحقوق الإنسان.
أعرف السؤال الذي يجول بخاطرك الآن وأرجح أنك تعرف إجابته.

إذ من الطبيعي أن يتساءل المرء، وهو يتابع تلك التفاصيل،

لماذا نجحوا وفشلنا؟

ــ ذلك أننا لم نحاسب أحدا عما حل بمصر من ظلم وخراب طوال ثلاثين سنة، وإنما برأناهم وكافأناهم على النحو الذي يعرفه الجميع، 

ليس ذلك فحسب وإنما فتحنا الأبواب لأبواقهم «وأزلامهم» لكي يطلوا علينا من جديد، ويخرجوا ألسنتهم لنا بصور شتى من خلال منابر بعضها أعرب عن الاعتذار والندم، لأن الشعب رفع صوته واستطالت رقبته، وقرر أن يثور عليهم.
أما الإجابة عن السؤال التي رجحت أنك تعرفها، فهي أنهم نجحوا في البرازيل، لأنه كانت هناك إرادة سياسية جادة سعت إلى استجلاء الحقيقة وإعلانها على الناس احتراما لدور المناضلين وجبرا وتعويضا للذين ضحوا بأنفسهم، وهم يدافعون عن حلم المجتمع في الحرية والكرامة والعدل.
أعتبر الإرادة السياسية هي السبب الأول والثاني إلى العاشر،

وبعدها تأتي العوامل الأخرى التي تمثلت في نزاهة اللجنة التي أنيطت بها المهمة وإصرارها على تحرير الحقيقة وتحدي ضغوط وإرهاب فلول الأنظمة المستبدة الذين استخدموا أبواقهم لتبرير سياساتهم والاحتجاج بالعفو الذي أعطي لهم في السابق.
أعرف أن إجابتي عن السؤال ستولد أسئلة واستفهامات أخرى أراها محرجة وأتصور أنك تعرف إجابتها أيضا.

ولذلك فإنني أتفق معك فيما تعرفه وأزعم أنه عند هذا الحد ينبغي أن يسكت الكلام المباح.

…………………..

 

تمت القراءة 285مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE