أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > ترشيد القتل
إعلان

ترشيد القتل

 

فهمي هويدي 

أخشى أن نضطر يوما ما للدعوة إلى ترشيد القتل بدلا من حظره،

كأن نطالب الشرطة بتجنب إطلاق الرصاص على غير الإخوان حتى لا تتكرر الفضيحة التي حدثت بعد مقتل القيادية اليسارية شيماء.

 وهو ما أحرج الداخلية واستنفر الجميع وحول القصة إلى فضيحة ترددت أصداؤها في كل وسائل الإعلام المصرية، ووصل الصدى إلى السويد وإنجلترا.

 وكأن نصوغ البيانات والتصريحات الرسمية على نحو أكثر ذكاء وحنكة، فلا ندعى مثلا أن المتظاهرين إرهابيون وأن الذين أطلقوا الرصاص عليهم إرهابيون أيضا من إخوانهم.

وكأن نبحث عن ذرائع أخرى لابعاد الصحفيين الأجانب عن مواضع الاشتباكات، حتى لا يتكرر ما جرى مع مراسلة الــ»بى بى سي» في القاهرة أورلا جويرين التي عممت يوم الأحد الماضي تغريدة على العالم قالت فيها ان ضابطا مصريا اعترض طريقها وحذرها من انها إذا لم توقف التصوير الذي يقوم به فريقها فسوف يطلق عليها الرصاص.

منذ حين، حين تكاثرت الغيوم في الأفق قلت إننا ما عدنا نتطلع إلى إقامة العدل، ولكن الوهن والانكسار تمكنا منا حتى صرنا على استعداد للقبول ببعض الظلم الذي نحتمله.

وما خطر لي آنذاك أن تبرز من وراء الغيوم دعوات للقتل العلني.

 الأمر الذي يدعوني إلى التفكير في المطالبة مؤقتا بترشيد عملية القتل لتقليل خسائرها والتستر على الفضيحة قدر الإمكان.
تحدثت أيضا أكثر من مرة عن النتائج الفادحة التي أسفرت عنها حملات التحريض والتسميم، بحيث إنها شوهت ضمائر الناس وأحدثت تراجعا فادحا في منسوب الإنسانية لدى بعض الشرائح.

إذ في ظل تلك الحملات تحول الخلاف إلى كراهية أوصلت كثيرين إلى حد رفض العيش المشترك وأفرزت في الفضاء المصري ما أسميته «كتائب الإبادة».

وهو طور يعيد إلى الأذهان أجواء المحرقة التي أقامها النازيون في ألمانيا، واعتبروها آنذاك «حلا أخيرا» لضمان نقاء العرق الآري.

ودعوى النقاء السياسي هذه صارت مسموعة في الفضاء المصري داعية أيضا إلى تطهير المجتمع من الفئات التي قرر سدنة السياسة وأعوانهم من المثقفين والإعلاميين أن إبادتها هي الحل.

لقد ظهرت الدعوة إلى القتل صريحة في عنوان رئيسي بإحدى الصحف حث الناس في عبارة من وحي أجواء 25 يناير كان نصها: المخربون إذا رأيتموهم في الشارع اقتلوهم.

 وخطورة العبارة ليست في مضمونها فقط ولكن في أنها صادرة عن طرف محسوب على المؤسسة الأمنية التي تعتبر كل المتظاهرين مخربين وإرهابيين.

 الدعوة ذاتها صدرت عبر إحدى القنوات الخاصة حين قال أحدهم إنه لا يحزنه قتل الإخوان. ولكنه يوجه عزاءه لأسرة أحد المجندين الذين قتلوا في الاشتباكات الأخيرة.

أيا كان وزن مثل هذه الأصوات فالشاهد ان الجهر بالدعوة إلى القتل والتهوين من شأنه أمر بدا عاديا في الأجواء الراهنة، ثم ان المؤسسة الأمنية لم تكن بعيدة عن ذلك الخطاب.

وما لا يقل خطورة عما سبق أن هذه الدعوة لم تعد تستنكر، لكنها باتت تلقى قبولا في بعض الأوساط، وصادفت من يسوغها ويجد لها تبريرا.

لقد سكت كثيرون على القتل الذي تم في البدايات واستهدف الإخوان، وتنافس البعض في تبريره بمختلف الذرائع.

فاستمر القتل بعد ذلك حين استهدف المتظاهرين الذين لم تعرف هوياتهم، وكان التبرير الذي أسكت الجميع انهم بدورهم إخوان.

واعتبر البعض ذلك تفسيرا مقنعا في حينه، واستمرت حلقات القتل حتى اتسع نطاقها وشملت طلابا في الجامعات لا علاقة لهم بالإخوان، إلى أن استهدفت شيماء الصباغ القيادية في حزب التحالف الاشتراكي اليساري.

وفي ظل الاعتياد ومع اتساع دائرة الاستهداف احتمل السياق الدعوة إلى القتل ضمن عناوين إحدى الصحف الصباحية.

لا نعرف كيف سينتهي مسلسل الترويع، لكنني أعرف أمرين، أولهما أن هذا الأسلوب لن يقضي على الإرهاب، الثاني أنه يؤجج المشاعر ويزود الإرهاب بالوقود الذي يكفل له الاستمرار والتصعيد.

لن أتوقف عند دلالة الدعوة إلى القتل وكونها إرهابا علنيا، لكنني أزعم أن القتل لن يخيف الجميع، والتهديد بالضرب في المليان الذي يصدر عن بعض القيادات الأمنية يدفع بعض المتظاهرين إلى مزيد من العنف، لأنهم سيخرجون غاضبين ومستنفرين وعازمين على مواجهة الرصاص بما يستحقه، ورافضين ان يكون موتهم بالمجان.

لقد انتابني شعور بالحزن حين قرأت تصريح ممثل الأمم المتحدة الذي دعا الجميع في مصر إلى «ضبط النفس». وهي دعوة لم نسمعها في مصر، في الأجواء الداكنة المخيمة.

ورغم أن أصواتا استثنائية دعت مؤخرا إلى الاعتراف بالخطأ ورفضت تبرير القتل، ومنها ما دعا إلى ضرورة التوافق الوطني، إلا أن صوت كتائب الإبادة ودعاة الاحتكام إلى الخرطوش لا يزال هو الأعلى والأكثر حضورا في الساحة.

إذا سألتني ما العمل، فردي أن الأمر لم يعد يحتمل كلاما كثيرا، لأننا بتنا بحاجة إلى قرار سياسي يحسم الاتجاه، ويحدد بصراحة وشجاعة ما إذا كنا سنظل نحتكم إلى الخرطوش أم سنحتكم إلى العقل والحوار.

وأضع خطا تحت كلمتي الصراحة والشجاعة حتى لا نكرر قصة خارطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو الماضي، حين دعت إلى الحوار الوطني ووعدت بعدم إقصاء أي طرف.

ثم تم تجاهل الأولى وسرنا عكس الثانية. حتى صرنا أمام طريق مسدود الآن.

…………….

 

تمت القراءة 208مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE