تحريض الغول على حزب التحرير

 

الدكتور ماهر الجعبري – عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين

 

عندما يكون أفق “المحلل السياسي” هو منظمة التحرير وأفراخها، وهي التي تحولت عن شعار الكفاح المسلح ضد الاحتلال اليهودي إلى ممارسة نقيضه في التنسيق الأمني مع المحتل، وعن شعار تحرير فلسطين إلى ممارسة ضده في القبول بتشغيل سلطة أمنية تحت الاحتلال وتُشرعن وجوده، لا يمكن له أن يستوعب معنى الحزب المبدئي ولا أن يتصور مبنى التكتل الشرعي، ولذلك فإن الكاتب عمر الغول معذور بسطحية تحليله وطفولية تحذيره: حول إمكانية تحوّل حزب التحرير عن سلمية العمل السياسي إلى دموية الصراع “الفلسطيني”، وخصوصا مع التفاف رجالات العشائر مع قضيته، مما أقلق الغول.

هذا المقال هو رد على مقالة الغول بعنوان “تحذير حزب التحرير” التي نشرها بتاريخ 21/7/2015 في عدد من الصحف والمواقع الإعلامية. ولم يستطع “المحلل” أن يخرج فيها من أسوار العقلية الأمنية التي تحرّك هذا المشروع الأمني، فحاول أن يمرر “التحريض” على حزب التحرير تحت عنوان “التحليل”, فكانت قساوة بعض ألفاظ مقال الرد هذا في تناسب مع مضمون ذلك التحريض.

لم يستطع الغول أن يستوعب واقع الحزب العالمي العابر للشعوب والقارات الساعي لتغيير وجه الأرض بالإسلام وليحقق البشرى النبوية: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”:

إن قضية حزب التحرير هي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، وهي عقيدتها الربانية ذات الطابع السياسي التي تدفعها نحو العمل لتحقيق الخلافة على منهاج النبوة التي هي وعد الله العقائدي، لا إعادة إنتاج دولة الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين، الذين حوّلوها للملك العضوض، وتلك القضية توجب التمرّد على الملك الجبري والكفاح ضد الحكم العسكري, الذي يبدو أن الغول ينتمي إليه فكريا وهو يتحرك في فضائه الأمني.

وقد أقر مشروعية الخلافة كل علماء السلف المعتبرين، وكثير من العلماء المعاصرين الذين استطاعوا التحرر من القبضة الأمنية للأنظمة الجبرية، فمن أين جاء الكاتب بدعوى “ولم يرد عليه بشكل علمي” حول دعوة الخلافة تلك؟

وإن حزب التحرير يتحرك في فلسطين كما يتحرك تحت أشد الأنظمة قمعية ووحشية في سوريا وباكستان وأوزبكستان وغيرها, بدافع شرعي أوجب على المسلمين العمل السياسي لاستعادة الخلافة، ولم يكن ذلك استفادة من فسحة حرية الرأي المكذوبة ولا تمشيا مع لعبة الديمقراطية الباطلة، والتي يصارعها الحزب فكريا عبر العالم.

وعلى النقيض مما يسمّى “المشروع الوطني” الذي يدّعيه الغول والفاقد للمضمون الفكري والهابط في القضية السياسية، فإن قضية الخلافة هي قضية أمة تحتل عقولها وتجتاح قلوبها، ولذلك فإن الحزب الذي يحملها هو القادر على كسب رجالات العشائر وتحريكهم، وتفشل السلطة وأفراخها كما تفشل الأنظمة المستبدة في تحريك وجهاء العشائر، ولا تستطيع أن تستميل إليها إلا النفر الذين ارتبطت مصالحهم بمصالح الأنظمة، ولا يمكن أن تحركهم فكريا بما يناقض عقيدة الأمة ورسالتها، ولذلك فإن دعوة الغول “للجهات الرسمية” للتيقظ حول حراك العشائر هي صرخة في واد أو نفخة في رماد.

وخصوصا أن عشائر فلسطين كانت سبّاقة قبل عامين في توقيع ميثاق الخلافة, الذي يبدو أن الكاتب لا يعلم عنه, ولذلك ستزداد صدمته الأمنية عند الاطلاع على نصه الذي جاء فيه: “نتعاهد في هذا الميثاق الشرعي-السياسي على مناصرة العمل لتطبيق الشريعة، والسعيِ لتحقيق مشروع الخلافة، التي توحد الأمة، وتحرر البلاد، وتنقذ العباد من هيمنة القوى المعادية للمسلمين، ومن شرور الأنظمة والتشريعات الباطلة”، كما ورد في خبر  دنيا الوطن بتاريخ 23/6/2013.

إن دولة الخلافة هي دولة للناس وهي مشروع رحمة الله للعالمين يحقق طمأنينة الحياة وأمن العيش ليس للمسلمين فحسب بل للناس كافة, وهي المشروع السياسي العالمي الأوحد الذي سيخلص العالم من جور الرأسمالية وتجبّر الأنظمة المستبدة  ويدخل البشرية تحت نور الإسلام وعدله. فهل يمكن لعاقل مدرك أن يستحضر أي عذر لكاتب مسلم في التصدي لمشروع الخلافة؟

يمكن للمتابع أن يفهم ما وراء تخوّف المستعمرين والكفار من “تداعيات ذلك على مستقبل” دولهم ومصالحهم، لأن الخلافة ستخلع نفوذهم الاستعماري للأبد وستحرمهم من التمتع بما نهبوه من خيرات الأمة، أمّا تخويف كاتب فلسطيني من “تداعيات ذلك على مستقبل المشروع الوطني إذا ما استمر الحال على ما هو عليه”، فهو  ليس أكثر من نقيق ضفادع مسلوبة الإرادة.

والكاتب قد بنى مقاله على أن حشد الحزب للقوة العسكرية هو من أجل حلبة المصارعة الفصائلية ضمن بطولة “أعضاوات” الحارات في غزة ورام الله، وفي ساحة التنافس على تلك السلطة الهزيلة, ولم يستطع أن يستوعب أن حزب التحرير لم يعتبر تلك السلطة الهزيلة أصلا محل كفاحه السياسي, لوضاعة شأنها وحقارة واقعها السياسي وعمالة وجودها. وإنّ ما ظهر من كفاحية في صدام الحزب السياسي مع السلطة هو لكون السلطة تنفّذ مشروع أمريكا بالوكالة, وهي التي يكافحها الحزب أصالة، وأيضا في سياق تصدي الحزب لقمع السلطة وتغول أجهزتها الأمنية.

وإن “النداء قبل الأخير” الذي أطلقه الحزب في رمضان والذي أرعب الكاتب الغول على ما يبدو, كما أرعب غيلان الحكام، هو نداء عالمي ترددت أصداؤه في فضاء الأمة من إندونيسيا والباكستان إلى تركيا وعمان، ومن سوريا والقدس إلى تونس والسودان. وما تضمنه من دعوات جيوش المسلمين وجنرالاتها للالتحاق بركب النصرة العسكرية لحزب التحرير هي مخاطبات لأصحاب الرتب العسكرية الحقيقية ولذوي السلطان والقوة الفعلية لا لحملة الرتب الأمنية في قوات خاضعة لكيان الاحتلال اليهودي من التي يخاطبها الغول.

وإن خطورة المشهد الفلسطيني هي بوجود الاحتلال اليهودي الذي يسرح ويمرح، بل يمرّغ أنوف قادة السلطة وأجهزتها الأمنية بالتراب، وإذا كان الغول لا يرى تلك الخطورة إلا في حزب يحرّك الأمة نحو التحرر والتحرير، فليراجع الكاتب عقيدته السياسية ومنظوره  الفكري, وليتحقق هو من أنه لم يتجاوز الخطوط العقدية الحمراء نحو “الردة” على ثقافة الأمة، بدل أن يدعو “لمواجهة خطاب الردة التحريري” بزعمه.

لذلك أنصح الكاتب والمستشار السابق لرئيس حكومة رام الله أن يقرأ درسه جيدا قبل أن يكشف عن ضحالة تحليله وسطحية استنتاجاته، وقبل أن يفضح بطاقته الأمنية. وحتى يهدّئ الكاتب من روعه، فإني أنهي إليه أن السلطة وأجهزتها الأمنية عاجزة عن مواجهة حزب التحرير، وقد عجزت من قبلها الأنظمة المستبدة، إذ “لا يمكن لجيش جرار أن يهزم فكرة آن أوانها”، فكيف بها إذا كانت ربانية؟

27/7/2015

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *