أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > تحديات لمكانة اللغة العربية في إسرائيل !!
إعلان

تحديات لمكانة اللغة العربية في إسرائيل !!

نبيل عودة

جبهة اللغة العربية للمواطنين العرب في إسرائيل لا تقل أهمية عن جبهة الصراع القومي الفلسطينية – الإسرائيلية، خاصة بين المواطنين الفلسطينيين العرب داخل الخط الأخضر بمواجهة سياسة غير معلنة رسميا لإسقاط اللغة العربية من مكانتها القانونية ومكانتها الفعلية كلغة 20% من المواطنين. في الفترة الأخيرة هناك تقلص في معرفة اللغة العربية حتى لدى اليهود الشرقيين، مع نشوء جيل جديد هم أبناء وأحفاد المهاجرين اليهود من العالم العربي.

نبيل عودة

نبيل عودة

الجماهير العربية داخل الخط الأخضر تجاوزت ظروف  اقتصادية واجتماعية وثقافية  بالغة الصعوبة والخطر على هويتها القومية وثقافتها ولغتها وما زالت تعاني من سياسات الاضطهاد القومي والتمييز العنصري في كل مجالات حياتها، وهي تشكل اليوم أقلية قومية، غير معترف بها كأقلية قومية ، إنما كطوائف تمشيا مع السياسة العنصرية التي ترفض الاعتراف بوجود قومية أخرى غير القومية اليهودية في إسرائيل.

مكانة اللغة العربية

جرت مداولات أكاديمية عديدة حول مكانة اللغة العربية، أبرزها مداخلة (قبل عدة سنوات) تحدث فيها المستشرق البروفيسور أمنون كوهين ( من الجامعة العبرية) ، حيث تساءل  إذا كانت ” ثنائية اللغة” تختصر الفجوات وتخفي الخلاف بين متكلمي اللغتين ، أو أنها على العكس ، تشكل أداة لإبراز خلاف الرأي؟

طرح سؤالا:” هل الثنائية اللغوية تهدد الخصوصية الثقافية للمتحدثين باللغة العربية الذين يعيشون داخل بحر يتحدث بالعبرية في إسرائيل؟ .. وماذا حققت اللغة القديمة – الجديدة ( العبرية) للستة ملايين مواطن يهودي في الدولة الشابة ، للغة (العربية ) المتأصلة في أفواه 250 مليون شخص”؟

في دولة إسرائيل اليوم، إتقان اللغة العبرية هو شرط أولي لنجاح المواطن العربي في جميع المجالات. اللغة العبرية هي لغة العمل والأكاديميا والتجارة والتعامل مع معظم مؤسسات السلطة. معرفة اللغة الانجليزية هي شرط للتقدم الأكاديمي، اليوم بعد الهجرة الروسية الكبيرة أصبحت اللغة الروسية أكثر استعمالا في المؤسسات الرسمية من اللغة العربية، الروسي يجد من يترجم له،أو يتحدث لغته… العربي يجب ان يعرف اللغة العبرية، أو يستعين بشخص آخر خاصة لتعبئة النماذج الرسمية. اللغة الأم العربية، لغة الوطن الفلسطيني، تنحسر إلى المكان الثالث أو الرابع والهامشي في المجتمع الإسرائيلي ومكانتها ضعيفة أيضا في المجتمع العربي نفسه.

جاء في ميثاق استقلال دولة إسرائيل :”الدولة تقيم المساواة التامة في الحقوق اجتماعياً وسياسياً بين جميع رعاياها من غير تمييز في الدين والعنصر والجنس وتؤمن حرية الأديان والضمير والكلام والتعليم والثقافة”  لكن الواقع كان نقيضا للميثاق من اليوم الأول، حيث فرض الحكم العسكري على المواطنين العرب، وكان الحكم العسكري أشبه بسلطة مستقلة متخصصة بالعرب، وهو من مخلفات قوانين الانتداب البريطاني، قيدت حرية التجول للمواطنين العرب في وطنهم بدون تصاريح عسكرية، نفذت سياسات الاعتقال الإداري والنفي واثبات الوجود (شبه اعتقال منزلي)ضد قيادات وشخصيات ثقافية بارزة. تحكم جهاز الحكم العسكري بالعمل والوظائف، فرض سطوته خاصة في مجال التعليم بدءا من برامج التعليم وتوظيف المعلمين، فصل عشرات المعلمين الوطنيين الذين شك بإخلاصهم لسياسات الحكم العسكري. فرض حصارا ثقافيا على الأقلية العربية الباقية في وطنها، منع دخول المطبوعات العربية،وكانت رقابة شديدة فيما بعد على كل كتاب حتى على الأعمال الروائية العاطفية، كل ما صدر من كتب محلية مر على رقابة عسكرية، نفس الأمر مع الصحف والمجلات العربية. هذا انعكس سلبا على ثقافتنا وربما أثر ذلك باق حتى اليوم. بعد عام 1967 حدث انفتاح ثقافي مع الأسف في ظروف احتلال كامل الوطن الفلسطيني.. التقى المواطنون العرب في إسرائيل مع أبناء شعبهم في المناطق المحتلة.. كان لقاء مأساويا.. لكنه أول لقاء لأقلية محاصرة مع أبناء شعبها !!

أسرلة اللغة؟

بعض الكلمات العربية دخلت العبرية بلفظ مشوه لدرجة ان العرب باتوا يستعملون اللفظ المشوه في حديثهم باللغة العربية بدل ان يحافظوا على اللفظ الصحيح.. أوساطا عربية واسعة خاصة العمال العرب يستعملون في حياتهم العملية اللغة العبرية فقط وهذا الوضع بدأ يترك ترسبات اجتماعية بخلط تعابير عبرية مع اللغة العربية داخل المنازل وفي الشارع وفي مختلف العلاقات العامة في مجتمعنا العربي. المجتمعات التي فرض التجنيد عليها نجد سيطرة أوسع للغة العبرية في حياتها اليومية، لدرجة تبدو العبرية لغة أم والعربية لغة دخيلة. حتى لو تحدثت مع احدهم بالعربية يرد عليك بالعبرية أو بكلمات مختلطة من اللغتين..

هل هزمت اللغة العبرية اللغة العربية في إسرائيل؟

بالطبع لست في باب إعطاء الجواب الحاسم..إنما أطرح جوانب مختلفة من هذه الإشكالية المرعبة بكل المقاييس. لا بد من التنويه ان هذا يترك آثاره السلبية على الأجيال الناشئة.

أنا مثلا اكتسبت ثقافتي العربية بجهدي الذاتي، بتشجيع ودفع من والدتي بالأساس، حتى أتقنت القراءة وعشقتها وأنا في مرحلة الصفين الثالث والرابع ابتدائي، لكني واصلت دراستي الثانوية بمدرسة طابعها العبري هو الأساس ، زملائي العرب بنفس الصف غير قادرين اليوم على صياغة رسالة بعشرة اسطر بلغة عربية غير مكسرة وبجمل واضحة مكتملة .

حقا لا أعرف غير القليل جدا من القواعد العربية والنحو والإعراب، قدراتي اللغوية الصياغية لا لبس فيها، معظم ما أنشره لا يمر على مصحح لغوي، لذلك أواجه أحيانا بانتقادات حول أخطاء بقواعد اللغة.. أعرف ان لغتي جيدة، ورغم ان عملي كان يفرض علي استعمال اللغة العبرية لأكثر من 10 ساعات يوميا إلا أني عندما أتحدث بالعربية أجتهد ان لا استعمل أي تعبير عبري إطلاقا.. لكني أحيانا لا أجد الاصطلاح العربي المناسب. أحترم اللغة العبرية واستعملها بطلاقة، كتابة وقراءة وحديثا، لكن لي لغتي التي تشكل شخصيتي القومية أيضا. إنسان بلا لغة قومية هو كيان يفتقر للهوية الوطنية والإنسانية. من هنا رؤيتي ان محاولات إفقار اللغة العربية وإسقاط شرعيتها، وإفقار مكانتها في مجتمعنا الهدف منه هويتنا القومية بالأساس.

في دراسة فريدة من نوعها ، للرئيس السابق لقسم اللغة العربية في جامعة تل أبيب بروفسور سليمان جبران، حملت عنوان “على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة” (نشرت مراجعة مستقلة عن الكتاب) طرح العوامل المؤثرة سلبا وإيجابا .

يطرح سليمان جبران تساؤل زميل مترجم مواد تعليمية من العبرية إلى العربية، يسأل :” كيف تطورت اللغة العبرية، في مدة قصيرة نسبيا ، من “لغة ميتة” إلى لغة عصرية تماما، بينما تعرج لغتنا وراء الحضارة المعاصرة بصعوبة؟”

ويضيف المترجم :”أترجم من الإنكليزية إلى العبرية أجد عشرات بل مئات من المصطلحات الحديثة وجدوا لها البديل العبري حتى شاع على الألسن ، بينما يصعب وأحيانا يتعذر علي إيجاد البديل العربي المناسب رغم استعانتي بكل القواميس المتاحة “.

ينوه جبران:” السبب الأول في رأينا ، وليس الأهم بالضرورة ، ان العبرية أكثر طواعية من العربية، فالعبرية ” تخلصت ” منذ عهد بعيد من حركة الآخر وعلامات الإعراب الأخرى ، كما حدث في لغتنا المحكية  …..  ثم ان نحو العبرية الحديثة سهل طيع، تكاد تصوغ الجملة فيه كما ترغب، دونما خوف من الوقوع في “الممنوع ” أو غير المألوف على الأقل”.

يقارن ذلك مع وضع اللغة العربية المختلف .:” عالم مترامي الأطراف . إذاعات وفضائيات وصحف لا تعد ولا تحصى، مجامع لغوية بدل مجمع واحد مشترك وصوتها لا يكاد يسمع” . يستنتج ان اللغة العربية لا تتطور بمساعدة المؤسسات والهيئات ، بل يمكن القول أنها تتطور رغم المؤسسات ورغم “اللغويين” الذين يعترضون على كل تجديد في المعجم أو النحو كأنما التجديد عمل منكر”.

إذا كانت هذه هي حال اللغة العربية في موطنها، فماذا تنتظرون من الذين يواجهون سياسة تجهيل مريعة منذ السنوات الأولى للدولة يوم كان يفصل كل معلم وطني أو لا يتماثل مع السلطة ولا يلتزم بما اعدوا له من مواد التدريس؟

ان مساحة اللغة العربية في حياتنا داخل إسرائيل لا تتعدى 20% من ساعات يومنا، وعلى الأقل 50% من وقتنا نفكر ونتحدث بالعبرية مع بعض الخلط لكلمات عربية . هذا عدا اعتمادنا على الأخبار والتقارير الإخبارية الراقية والمثيرة بالعبرية ، حيث النقد وعدم الصمت على تجاوزات المسئولين الرسميين أو غير الرسميين ولا أظن ان ذلك له مثيلا حتى في الغرب الديمقراطي.

السؤال الرهيب أكثر: هل حال اللغة العربية في مواطنها العربية أفضل من حال اللغة العربية في إسرائيل ؟

كم من المواطنين العرب ملمين بلغة عربية سليمة؟

ما هي نسبة المواطنين العرب الذين يعرفون لغة الصحافة ( اللغة العربية الفصحى السهلة ) ويفهمونها ؟

عندما يكون 80% من سكان العالم العربي فقراء أو تحت خط الفقر فهل يحتاجون إلى تعلم لغة ما عربية أو غيرها؟

ان تطوير اللغة العربية يتعلق بتغيير الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعالم العربي، نحو نهضة اقتصادية اجتماعية علمية و ثقافية ولغوية. في واقعنا المحلي نواجه يوميا تحديات خطر إضعاف العربية وتقليص دورها في حياتنا مما يعني تشويه لهويتنا القومية. وهذا ما يجب ان نعيد حساباتنا لمواجهته.

nabiloudeh@gmail.com

عن نبيل عودة

نبيل عودة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE