الرئيسية > كتاب اللواء > الهوة الرقمية في المحتوى العربي .. إلى أين؟ ..
إعلان

الهوة الرقمية في المحتوى العربي .. إلى أين؟ ..

 

بقلم الدكتور غسـان شحـرور

            نشأت الفجوة الرقمية بين البلدان المتقدمة والناميةبسبب التقدم التكنولوجي المتسارع وتراكم المعارف في الدول المتقدمة التي تملك البرامجوالتقنيات الحديثة لتوليد المعرفة ونشرها وتبادلها واستثمارها، في حين تأخرت معظم الدولالنامية، خاصة فيما يتعلق بنشر التقنيات الرقمية وتجديد أساليب ومنهجيات التعليموالتعلم واكتساب المعرفة وتوليدها، إذن الفجوة الرقمية هي المسافة التي تفصلبين مَن يملك ومَن لا يملك كماً ونوعاً من المعرفة التي يستطيع تسخيرها وتنميتهالمصلحته.

            يعدُّ النفاذ إلى الشابكة (الإنترنت) حسب اللغة الأم من طرق قياسالفجوة الرقمية. إن نظرة سريعة إلى الدراسات الإحصائية تبين أن عدد مستخدمي الشابكة هذا العام يقترب من ثلاث مليارات، منهم نحو 65 مليون عربي، من أصل سكان البلاد العربية الذي يتجاوز 350 مليوننسمة، وبذلك يكون عدد المستخدمين العرب أقل من عدد المستخدمين الألمان رغم الفارق الكبير في عدد السكان. أما عدد المواقع العربية في الشابكة، فيشكل أقل من 1 % منها، وهذه النسبة أقل من عدد المواقع الهولندية على سبيل المثال،والذين لا يزيد عددهم في العالم عن 20 مليون نسمة، وكذلك أقل من عدد المواقع الإيطالية، والتركية، والبولندية وغيرها الأمر الذي يعكس ضعف حضور اللغة العربيةفي الساحة الرقمية وبالتالي لجوء مستخدمي الشابكة (الإنترنت) العرب إلى مواقع غيرعربية تستخدم الإنجليزية والفرنسية، وغيرها، الأمر الذي يعيق انتشار اللغة العربية وتطورها،سيما أن القراء العرب قلّة بالنسبة لعددالناطقين باللغة العربية بغض النظر عن التقنية الرقمية التي سهلت الحصولعلى المعلومات، وإذا ما رجعنا إلى تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 نجد أن عدد الكتب التي تترجم إلى العربية يبلغ نحو 330، وهذا يشكّل حوالي 20% من عددالكتب التي تترجم سنوياً إلى اليونانية، علماً أن الناطقين باللغة اليونانيةيشكّلون أقل من 4% من الناطقين بالعربية.

            لقد جاءت الفجوة الرقمية لتزيد الأمورسوءاً، إذ أن المعرفة العالمية تنمو بسرعة مذهلة والمصطلحات الإنكليزية الجديدةتظهر يومياً بأعداد متزايدة، لا تستطيع اللغة العربية مجاراتها لأسباب اقتصاديةوثقافية وسياسية، إضافة إلى ضعف إرادة التغيير، فعدد القراء العرب المنخفض لا يبررالترجمة إلى العربية أو التأليف بالعربية خاصة في المجالات العلمية والتكنولوجية،ومجامع اللغة العربية التي تكاد تكون غائبة عن العالم الرقمي لا تتوافق على ماتصدره من مفردات ومصطلحات جديدة، وإذا ما أصدرت مثل هذه المفردات والمصطلحات فإنهاتأتي متأخرة جداً، يعتاد خلالها القاريء العربي على المصطلحات الأجنبية، وهكذا يجري تهميشها تدريجياً كلغة عمل وتواصل على جميع الأصعدة،بدءاً من النشر العلمي للعلوم الأساسية والطبية والإدارية وتكنولوجيا المعلومات،مروراً بالتعليم العالي والتجارة والصناعة، وغيرها، وصولاً إلى التعليم الأساسي،والذي قد يعني ضعف انتشارها في المجالات العلمية والتعليمية والتجارية والثقافيةوغيرها، واقتصارها على الدين والفلسفة وبعض المجالات المحدودة، ولا يغيب عن الذهنتأثير ذلك على الهوية القومية والوطنية بشكل عام.

تتركز الجهود المبذولة لمواجهةهذه التحديات على عقد الندوات والمؤتمرات، والأبحاث والدراسات، وإصدار توصيات تبدأولا تنتهي، وكأن الكم الهائل منها بمفرده، يسهم في معالجة هذه الفجوة الرقمية التي اتسعت إلى أن أصبحت هوة سحيقة.

            لا يمكننا أن نغفل عدداً من المبادرات والمشاريع الجادة، لكنها تبقى محدودة الأثروبعيدة عن وقف اتساع الهوة، التي لا يمكن جسرهادون أن نبدأ بإعادة بناء النظام التعليمي العربي، وحمايته من الفساد ونقص الشفافية، ورصدالموارد المناسبة له، وتعزيز دوره المجتمعي.

إن غيابالإرادة الحقيقية، والعمل المدروس الممنهج، لمواجهة اتساع هذه الهوة وتداعياتها، بالإضافة إلى النتائج الكارثية للاقتتال المجنون في بلادنا العربيةيذكرني بما قاله زميلي من الجزائر في أحد المؤتمرات، وقد استقرأ ذلك منذ سنوات طويلة: “أخشى القول أن الفجوة الرقميةقد استحال رتقها.”

تمت القراءة 537مرة

عن د . غسان شحرور

د . غسان شحرور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE