الرئيسية > كتاب اللواء > العاشقة ليلى في مسلسل حارة اليهود
إعلان

العاشقة ليلى في مسلسل حارة اليهود

د. فايز أبو شمالة

تجاهلت مسلسل حارة  اليهود حين سمعت أن السيد محمود عباس يتابعه، وأمر فضائية فلسطين بشرائه وعرضه على شاشتها، ولكن حين قرأت مدحاً عجيباً لمسلسل حارة اليهود من بعض كتاب اليسار،  قررت أن أشاهد المسلسل، واكتشف السر الدفين الذي أثار شهية هؤلاء اليساريين لامتداح مسلسل يحمل اسم حارة اليهود؟

لقد مثلت اليهودية ليلى في مسلسل حارة اليهود أرقى المشاعر الإنسانية الرقيقة، فبالإضافة إلى كونها عاشقة متيمة معذبة بالهوى، فهي أيضاً الجميلة التي يحاكي ثغرها زهرة الياسمين، وهي الرقيقة الناعمة الناعسة التي يتفتح ورد الجوري على شفتيها، لأنها اليهودية الطاهرة الوفية الأمينة الصادقة المخلصة الضحية التي ذابت في هوى مصر، واحتضن قلبها النقي البريء حب الضابط المصري، فصار بحبها قوياً وجريئاً وشجاعاً، وصار بفضل عشقها وطنياً.

وفي مقابل نقاء ليلى اليهودية وصفاء سلوكها المهذب جداً، برز في المسلسل دور الغادر حسن، الذي ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، الجماعة الحاقدة المتآمرة المخربة؛ التي تحالفت مع أمريكا وبريطانيا، وتعمل ضد ثورة يوليو المصرية، وتتآمر على مصالح الشعب، حتى وصل الأمر بالغادر حسن أن  يغرر بابنه الجيران فاطمة، ويشجعها على الهرب من بيت أهلها، ليتزوج منها بعيداً عن العادات والتقاليد.

المسلسل السياسي والفكري الذي تدور أحداثه في الفترة الزمنية الواقعة بين اغتصاب الصهاينة لفلسطين وحتى ثورة يوليو، وما تلاها من أحداث أسفرت عن حل جماعة الإخوان المسلمين، يقدم للمشاهد حالة مصر في مشهدين متناقضتين:

المشهد الأول وتمثله الأسرة  اليهودية التي تعيش وسط الشعب المصري، وتبدو أنها أسرة متسامحة طيبة محسنة محبوبة للجيران، متفهمة للواقع المصري، ومتفاهمة ومتوائمة مع نفسها، وتعشق التعايش، هذه الأسرة اليهودية مثلها اليهودي الطيب جداً تاجر الأقمشة أهارون ديفيد، والد العاشقة ليلى، والذي مات مظلوماً مقهوراً لمجرد أن عرف أن  ابنه موشي قد غادر مصر إلى إسرائيل، وغدر بالشعب المصري، وشارك في التفجيرات.

المشهد الثاني وهو خليط بين أسرة ضابط الجيش الذي يمثل النموذج الأرقى للشعب المصري، ويظهر على هيئة البطل الذي يضحي بنفسه، وقد ربط مصيره بمصير الوطن، ولذلك فهو المعشوق والمحبوب من كافة أطياف المجتمع المصري، ثم أسرة الفتوة فتحي العسال، وما تمثله هذه الأسرة من حياة العامة المصريين، الظالمون لأنفسهم من خلال سطوة الفتوة فتحي العسال، وانحلال ابنته ابتهال، إلا أن هذه الأسرة تعود في نهاية المسلسل إلى رشدها، وينتظم حالها، وتصفو سيرتها، لتبقى الأسرة الثالثة الشريرة المكروهه من المجتمع المصري، الأسرة التي تثير الأحقاد والفتن، وتحرض على الأديان، وتقتنص الفرص للكسب، وهي أسرة خليل الطرشجي، وابنه حسن اللذان ينتميان للجماعة الإسلامية، ويوظفان الدين الإسلامي لافتعال المشاكل مع ا ليهود الطيبين، ولهذا فهما مكروهان من الشعب المصري الطيب المتسامح.

مسلسل حارة  اليهود من الناحية الفنية هو عمل رائع ومثير، ويستقطب المشاهد البسيط، ويخطف انتباهه، ولاسيما أن المسلسل قد اعتمد في الإثارة على تسلسل الحدث الزمني، وانتقل بالمشاهد إلى أماكن متعددة، مع التركيز على ديناميكية الشخصيات التي تجدد أداؤها حسب الموقف، في إطار حبكة فنية بارعة، أظهرت التناغم بين الشخصيات والأحداث في مشاهد تداخلت فيما بينها حتى ارتقت بالمشاهد إلى الدرجة القصوى من الانفعال، قبل أن تتكامل مع لحظة التنوير التي تدهش المشاهد، وتعيد له اتزانه النفسي.

البراعة  الفنية للمسلسل لا تحجب عن المتابع جملة من المغالطات السياسية والفكرية والنفسية والاجتماعية والحياتية، مغالطات تعمدها القائمون على المسلسل حين تجاهلوا التاريخ الذي يشهد عليه كل العرب، ويقاسي ويلاته ملايين الفلسطينيين، وعلى سبيل المثال:

  • المسلسل يبرئ الصهاينة من احتلال فلسطين، ويظهر المستوطنين وهم يعملون من أجل العيش الكريم، ويعشقون السلام، ويتدربون على السلاح للدفاع عن النفس.
  • المسلسل يظهر العرب أشراراً مخربين، يهاجمون بهمجية المستوطنات الآمنة، ويرسلون أطفالهم بالبنادق كي يقتلوا على يد اليهود الطيبين الأبرياء من دم الأطفال والنسوة.
  • المسلسل يبرر جرائم العصابات اليهودية في فلسطين، فالدولة في حالة التكوين، ولهها كامل الحرية في ممارسة القتل والتعذيب الذي يحمي حدودها من الاختراق.
  • المسلسل يبرر تفجيرات العصابات الإجرامية اليهودية في مصر، ويدعي أن الذي مارس التخريب هم صبية صغار السن.
  • المسلسل يتهم الإخوان المسلمين بأنهم وراء التفجيرات التي حدثت في حارة اليهود، بالتالي هم السبب في رحيل يهود مصر إلى إسرائيل.
  • ونسي المسلسل أن اليهودي (موسي قطاوي) رئيس الجالية اليهودية  في مصر، قد فر من مصر حين اندلعت ثورة أحمد عرابي، ولم يعد لها إلا مع الاحتلال البريطاني.
  • المسلسل تجاهل فضيحة لافون المعروفة تاريخياً، والتي تحمل قادة الكيان المسئولية عن التفجيرات التي حدث في مصر.
  • المسلسل يعطي للديانة اليهودية قدرات خارقة، فقد شفيت ليلى العاشقة من سقمها بعد مبيتها ليلة في المعبد اليهودي، وبعد قراءة التعاويذ اليهودية على رأسها.
  • المسلسل يقدم الحاخام اليهودي على هيئة ملاك مبارك قد أرسلته السماء ليبارك الناس.
  • المسلسل يظهر الفتاة المسلمة شبقة، شهوانية، لا تعرف الحب، ولا ترقى للمشاعر السامية، وهي الفتاة ابتهال التي كرهت أباها واحتقرت أمها.
  • المسلسل يلوي عنق الحقائق حين  يتهم الاخوان المسلمين بأنهم أصدقاء الأنجليز، ولم يدافعوا عن مدن قناة السويس، واكتفوا بمحاربة المصريين وتفجير بيوتهم.
  • المسلسل أظهر الغاصب اليهودي على هيئة قائد جريء وشجاع من جهة، وهو إنسان وعاشق وفنان وعازف موسيقى، وطاهر الكف من جهة أخرى.
  • المسلسل يبرر الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، ويبرر ترك آلاف اليهود لمصر، ورحيلهم إلى إسرائيل، فاليهودي قد شاف الويل في الغربة عن وطنه إسرائيل.
  • المسلسل ركز على الجانب الإنساني لحياة اليهود، حتى أنه قد أظهر هروب اليهودي القاتل المخرب موسى بن أهارون مع أمه، أظهره على هيئة رحيل مؤلم، وغربة إجبارية عن مصر، أثارت أشجان المشاهد، وتعاطفه من المجرم.
  • المسلسل تجاهل أنشطة اليهود المصريين الصهاينة، ونسي أن “باروخ” قد أسس أول جمعية صهيونية في مصر عام 1897، ونسي أن ( جاك موصيري ) قد أسس الاتحاد الصهيوني المصري عام 1917، قبل أن يكون هنالك  إخوان مسلمون. 

من حق الجهات الممولة لمسلسل حارة اليهود أن تعاند التاريخ، ومن مصلحتها أن تعادي الحقائق، ولكن ليس من حق كاتب يساري فلسطيني طرد الصهاينة أباه من فلسطين، أن يصفق للصهاينة الغاصبين كي يطفئ نار حقده على الإسلام والمسلمين، ولاسيما أن خاتمة مسلسل حارة اليهود قد جاءت متناقضة كلياً مع التجربة الشخصية للشاعر الفلسطيني محمود درويش؛ ففي نهاية مسلسل حارة  اليهود، ترفض ليلى اليهودية أن تتزوج من حبيبها الضابط المصري المسلم، وترحل إلى فرنسا، بينما الشاعر محمود درويش يؤكد أن قد داس على قلبه النازف عشقاً لليهودية ريتا، بعد أن رأى بندقيتها القاتلة تشر دماً من الجرح الفلسطيني، فقال:

بين ريتا وعيوني بندقية، والذي يعرف ريتا ينحني، ويصلي لإله في العيون العسلية

اسم ريتا كان عيداً في فمي، جسم ريتا كان عرساً في دمي، وأنا ضعت بريتا سنتين

وهي نامت فوق زندي سنتين

وتعاهدنا على أجمل كأسٍ، واحترقنا في نبيذ الشفتين.

وولدنا مرتين،

آه ريتا

أي شيء رد عن عينيك عيني سوى إغفاءتين

وغيوم عسلية، قبل هذي البندقية.

 

تمت القراءة 273مرة

عن د . فايز أبو شمالة

د . فايز أبو شمالة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE