الرئيسية > كتاب اللواء > السعودية هذا البلد الباطل
إعلان

السعودية هذا البلد الباطل

 

د . أفنان القاسم

السعودية أينها من دولة الحق؟

دولة الحق جهاز مؤسَّسي تخضع فيه سلطة الدولة للحق، وحسب القانوني النمساوي هانس كلسن، واضع هذا القانون، تتدرج المعايير الشرعية فيه بطريقة تصبح فيها سلطة الدولة محدودة. في مثل هذا النموذج للدولة، كل إجراء يستخلص شرعيته من مطابقته للإجراءات الأعلى منه، ويفترض نظام كهذا المساواة بين مواطني الدولة أمام القوانين الشرعية والسلطات القضائية المستقلة. يشكل تدرج القوانين إذن أحد أهم ضمانات دولة الحق، وبالتالي تتحدد في هذا الإطار صلاحيات مختلف أجهزة الدولة، ولن تكون القوانين التي تنص عليها هذه الأجهزة صالحة إلا تحت شرط احترام باقي قوانين الحق الأعلى منها كلها. يوجد الدستور على رأس هذا الهرم، تتبعه الاتفاقات الدولية، فالقوانين، فاللوائح، وتوجد على قاعدة الهرم القرارات الإدارية أو الاتفاقات بين أصحاب الحق الخاص. تفرض هذه المتابعة القانونية نفسها على مجموع الطاقم الشرعي، وهكذا لا يمكن الدولة أن تستخف كما لا يمكن أي فرد من أفراد هذه الدولة أن يستخف من مبدأ المساواة: كل قانون، كل قرار، لا يحترم مبدأ أعلى، سيكون عرضة لعقوبة قانونية، وستجد الدولة، الدولة التي من شأنها سن القوانين، ستجد نفسها خاضعة للقواعد القانونية، وعلى هذا الأساس، على أساس خضوعها للقواعد القانونية، تكون وظيفة الضبط التي لها معترفًا بها شرعًا. يفترض مثل هذا النموذج للدولة إذن الاعتراف بالمساواة بين مختلف مواطني دولة الحق الخاضعين للقوانين المعمول بها، وليس هذا فقط بل ومن المنطقي أن تفرض دولة الحق احتجاج كل فرد وكل منظمة على تطبيق قانون شرعي لا يتطابق مع قانون شرعي أعلى منه، فتكون للأفراد والمنظمات صفة الشخص القانوني، على اعتبار أن الدولة شخص معنوي، تخضع قراراتها لاحترام مبدأ المساواة، مما يسمح بتأطير عمل السلطات العامة، وذلك بإخضاعها لمبدأ المساواة، والذي يفترض أول ما يفترض احترام المبادئ الدستورية، لتجد الدولة نفسها مرغمة على أن تحترم قراراتها وإجراءاتها مجموع القوانين الشرعية الأعلى الجارية المفعول (قوانين، اتفاقات دولية، إجراءات دستورية) دون أن تتمتع بأي امتياز قضائي أو أي نظام مخالف للقانون أمام الحق العام.

 

خالد الوهيبي أينه من دولة الحق؟

هكذا يمكن للأفراد كالمنظمات أن يحتجوا على قرارات السلطات العامة، بمعارضتها بالقوانين التي هي سنَّتها، كما يرى هانس كلسن واضع قانون دولة الحق، ليكون دور السلطات القضائية دورًا جوهريًا، واستقلالها ضرورة لا تقبل المنازعة، للحسم في النزاعات الجارية بين الأشخاص وذلك بتطبيق مبدأ الشرعية، القائم –كما قلنا- على تدرج القوانين، ومبدأ المساواة، المعارض لكل معاملة مختلفة بين الأشخاص، وموديل كهذا يتطلب وجود فصل بين سلطات وعدالة مستقلة، فاستقلال العدالة عن السلطات التشريعية والسلطات التنفيذية وحده القادر على ضمان النزاهة في تطبيق قوانين الحق، كما أن على السلطات القضائية أن تكون قادرة على مواجهة القوانين المختلفة لتحكم في شرعية هذه القوانين بما في ذلك الإجراءات الخاصة بأعلى المستويات في تدرج القوانين، فقانون أو اتفاق دولي معارض للدستور يجب أن يقصيه القاضي وأن يعتبره غير صالح، واقترح هانس كلسن محكمة دستورية لذلك. والحال هذه دولة الحق الصفة الأساسية للأنظمة الديمقراطية، فالحق أداة بامتياز لتنظيم الحياة السياسية والحياة الاجتماعية، وهو يُخضع مبدأ الشرعية لاحترام المساواة، ويجعل للسلطات القضائية دورًا متناميًا. وعلى العكس، في نظام دكتاتوري قَبَلي قبل تاريخي بربري وهابي شريعي عفن، تداوم المحاكم السعودية على إصدار الحكم بالجلد يصل أحيانًا إلى ألف جلدة كعقاب قضائي لمخالفات، مجرد مخالفات، تعتبر خرقًا للقانون وجرائم جزائية. وكذلك البتر كعقاب قضائي، والخصي، والسحل، وقطع الرأس، وكل هذا إنكار للحق. ويا ليت الأمر يقف عند حد الأحكام الجائرة، فالمعتقلون بالعشرات بالمئات بالآلاف يعاملون خلف القضبان معاملة السبابا في أحلك العصور التي عرفتها الإنسانية، فيعذبون، وتحت أقسى أنواع التعذيب يموتون أو يصابون بالجنون، فقط لأنهم يمارسون حقهم في حرية الرأي في حرية التعبير في حرية الاجتماع في حرية العمل في جمعية أو في ناد في حرية الحلم، لقانون مجحف سنته وزارة الداخلية عام 2011 قانون مجرم ينص على معاقبة كل “تحريض للناس على معارضة السلطات”، على اعتبار أن حرية الرأي تحريض، وحرية التعبير تحريض، وحرية الاجتماع تحريض، وحرية العمل في جمعية أو في ناد تحريض، وحرية الحلم تحريض، وبما أن الإرهاب على الموضة اليوم، تهمة “إرهابي” آه ما أسهلها، بينما في دولة الظلم الإرهاب هي من تصنعه. وغالبًا ما يلقى القبض على أناس يوضعون في أماكن سرية مع استجوابات دموية دون حق استشارة محام، أقل حق، المدافعون عن حقوق الإنسان هم الضحايا، دون تهمة، ولشهور دون محاكمة، لسنين. وفي بلدٍ دولةُ الظلم دولته، يميز القانون بين النساء والرجال، فالرجال قوامون عليهن، ويميز كذلك بين شيعي وسني، فللشيعة آبار النفط، وفي دولة الظلم ليسوا كلهم سعوديين. ولن ننسى الوافدين من العمال، ليسوا كلهم –كما يتخيل البعض- آكلي خبزة عيش السعوديين، كثيرهم يعاني معاناة المغبون من إخوتهم السعوديين، طُرد منهم 370000 عام 2013 تحت ذريعة أنهم لا يحملون بطاقة إقامة، ويطرد منهم الآلاف كل عام، إلى الصومال، إلى اليمن، إلى الدولة الإسلامية، ليتحولوا إلى إرهابيين ببلاش!

التغيير كيفه في دولة الظلم؟

هناك من يقول التغيير الاجتماعي ليس بالضرورة التغيير الحكومي، وأنا أقول العكس التغيير الاجتماعي هو بالضرورة التغيير الحكومي، تغيير النظام، فالمجتمع السعودي لن يتغير، لن يتبدل، إلا بتغيير النظام، ليس بثورة بعد أن انتهى عهد الثورات المتليكات، ليس بانقلاب، وكل الانقلابات الوطنية (!) من تصميم وإخراج السي آي إيه الله يحفظها ويبارك فيها، وخاصة ليس بحرب، أمريكا (والغرب) بدأت تفهم أن الحرب خدعة، تحت معنى أنها خدعة لها، فهي لا تحل مشاكلها الاقتصادية إلى الأبد، تحل مشاكلها مدة من الزمن، والمدة انتهت. دولة الظلم (النظام السعودي) تمارس نفوذها أشنع ما يكون النفوذ أفظع ما يكون النفوذ على المجتمع، لكن ليس إلى الأبد، الرياض بدأت تفهم أن القمع لم يعد يؤتى أكله، فقوى المجتمع تتجه أكثر فأكثر نحو التغيير، يكفي أن تقرأ الصفحات التي يكتبها بالدم جلادوها، وكل هذا يحفر عميقًا في النظام السياسي. إذن بما أن أمريكا (والغرب) وصلت إلى طريق مسدود، وبما أن النظام السعودي وصل إلى نفس الطريق المسدود، هناك انسجام في الحالتين، انسجام يعني إقامة دولة الحق في السعودية، وتغيير العلاقات الأمريكية (والغربية) العلاقات الأمريكية-السعودية، تغييرها من علاقات التبعية إلى علاقات الشراكة، وهذا ما عبرت عنه المؤسسات الاقتصادية العالمية في الأسابيع الماضية، صندوق النقد الدولي خصوصًا والشركات المتعددة الجنسيات الأمريكية، فاستثمارات البناء أكثر أهمية وأكثر نفعًا وأكثر دوامًا من استثمارات الهدم، الإدارة الأمريكية الجديدة (جمهوريون أم غيره ديمقراطيون أم غيره) تفهم هذا بدافع من براغمائيتها، ومشاريع تنويرنا جاهزة، ولن يبقى سوى التطبيق.

ramus105@aliceadsl.fr

تمت القراءة 106مرة

عن د . أفنان القاسم

د . أفنان القاسم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE