أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > الذي بيننا وبينهم اكبر من السباب
إعلان

الذي بيننا وبينهم اكبر من السباب

 

30/07/2014

 

لمّا تمّ اكتشاف خيانة وغدر يهود بني قريظة بالمسلمين أخذ سعد بن عبادة يسبّهم فقال له سعد بن معاذ: إن الذي بيننا وبينهم أكبر من السباب.

ويبدو بأن ما يحدث من مجازر في غزة، وهو نفس المشهد الذي يتكرّر منذ سنة 1948، من تهجير وتقتيل وذبح، ابتداء من الطفولة الى الخدّج الى النساء والعجائز، لا يجعل ما بيننا وبين الصهاينة سوى الدم، والقوّة مقابل القوّة، والحديد مقابل الحديد، والنار مقابل النار، والعقل مقابل العقل، ولا معركة ستكتسب بالسبّ والشتم من خلف الصفحات الاجتماعية، او بيانات تنديد باردة وباهتة، فالمعركة حامية الوطيس وتتطلّب انجازات على الأرض، فما بيننا وبينهم، كما قال سعد، اكبر من السباب.

فقد كشف الاعتداء الأخير على غزة ثلاث حقائق، الأولى، ان الضفّة الغربية قد دخلت بيت الطاعة الصهيونية وان في غزّة شعب رافض مقاوم عليه ان يموت او يرحل، والثانية، ان ابداع المقاومة وتحقيق الانتصار ليس امرا مستحيلا، والثالثة، انه بمنطق التاريخ ارض فلسطين لا تحتمل الاّ شعب واحد، نحن او هم، ويجب ان نكون نحن، لأننا اصحاب الأرض.

وقد اثبتت الوقائع بانّ الاحتجاجات في الضفّة الغربية لم ترتقي الى مستوى الدّم المراق في غزّة، ويرجع ذلك الى عدّة اسباب منها، وجود سلطة فلسطينية متخاذلة، فقدت اتجاهاتها نحو تحرير الأرض، الى عداء المقاومة، والعمل على ضربها، ومطاردة رموزها وتسليمهم الى الكيان الصهيوني، ضمن مؤامرة التنسيق الأمني “المقدّس” لدى الرجل المريض بجبنه، عباس. وفي المحصلّة لم يبقى من ارض الضفة سوى ثلثها، يطاردُ فيها الفلسطينيون الفلسطينيين لمنعهم من المقاومة، وثلثي الأرض تمّ احتلاله والانتهاء منه في مستعمرات مؤمّنة وآمنة.

وأمّا ما يحدث في غزّة الآن، فهما حدثان مهمّان في صيرورة التاريخ وفي نسيج تقاطعات المستقبل، عمليّة تطهير عرقي وتدمير لكل البنى التحيّة، وعمل ابداعي للمقاومة، فاق كلّ التصوّر وأذهل العدو.

قتل الأطفال وذبحهم وتقطيع اجزائهم، وإخراجهم للدنيا معوّقين، ليس عملا صهيونيا اعتباطيا او عبثيا، انه عمل في غاية التوجيه والدقّة، يهدف الى احداث الصدمة في ذهن الأطفال، لينشؤوا مرعوبين وخائفين وغير قادرين على المواجهة، انهم يصنعون الصورة المؤلمة في العقول الباطنة لأطفالنا، حتى يمتنعوا مستقبلا على مواجهة العدو، خوفا من جملة الأدراكات التي عاشوا عليها اثناء طفولتهم. انهم يريدون صناعة جيلا خائفا مرعوبا، وهو ما لن يحصل ابدا مادامت المقاومة تمارس عملها الإبداعي، وتصنع به الصورة الأخرى الايجابية في ذهن الأطفال.

ابداع المقاومة لم يعد خافيا على أحد، فهو ابداع في اسلوب الحرب، وإبداع في تطوير وسائلها وأيضا في استثمارها اعلاميّا، وهي الحلقة الأهم في صناعة الوعي الجمعي المستقبلي.

فأسلوب المقاومة القتالي قد تطوّر كثيرا منذ حرب 2008/2009، فقد اصبح يعتمد على الهجوم والمباغتة وفي ارض العدو ايضا، مستعملا كل المجالات، الأرض والسماء والبحر، هذا الأسلوب اثبت جدواه وحقّق الكثير من الانجازات بقتل العشرات من الجنود الصهاينة. وأما تطوير الوسائل، وبرغم بدائيتها، فإنها احدثت الأهداف المطلوبة، من ارعاب العدو، وتعطيل مؤسساته الصناعية، ومطاراته، وإيقاف كلّ حركة السياحة فيه وإلغاء كلّ الحجوزات، وهو ما قدرت عليه هذه الصواريخ، التي يسمونها استهزاء “بالعبثية”.

والإبداع الأهم في فعل المقاومة، هو هذا التفوق العلمي التي وصلت اليه عقول المقاومين، فالصواريخ التي كان مداها لا يفوق 30 كلم اصبحت تصل الى ما ابعد من 160 كلم، وتبقى قدرتها التفجيرية البسيطة حاليا، هي التطوير القابل للانجاز لاحقا. والطائرات بدون طيّار، وقد قالو عنها من ورق، فهي تساهم في جمع معلومات استخباراتية وكشفها حول مواقع عسكرية تنجح المقاومة دائما في ضربها. ويكفي ان تصل العقول المقاومة الى صنع الطائرة لتصبح عمليّة تطويرها أمرا محتوما. كما ان هذه العقول قد اخترقت القناة العاشرة مرّتين، ومرّرت رسائلها الى الصهاينة كما شاءت، ناهيك عن الاختراقات اليومية لشبكات الجوّال، وهو ما جعل الاعتداء القائم، كأنه حرب الندّ الى الندّ برغم الأذى الكبير الذي يحدثه الصهاينة للمدنيين.

هذا الأذى الكبير الذي يحدث للمدنيين، والذي يتكرّر منذ 1948، بنفس اساليبه، تشريد الفلسطينيين وتهجيرهم، ضمن فكرة “دولة اسرائيل الكبرى”، يثبت في كلّ مرّة، بان فكرة حل الدولتين، فكرة فاشلة، او هي حيلة لمزيد أكل الأرض الفلسطينية، ولمزيد إضعاف المقاومة الى حدّ تحييدها، لطرد من تبقى، او دخوله بيت الطاعة كما دخل عباس وزبانيته، كما يثبت بأن فلسطين، لا يمكن أن تكون لشعبين، فهي امّا للصهاينة، وهم يعملون على ذلك، وامّا للفلسطينيين، وهم تآكلوا في الضفّة ويُضربُون في غزة.

وأمّا المعطى الجديد الذي دخل المعادلة حاليا، هو تحوّل أنظمة عربية كثيرة الى الصف الصهيوني، وهي تقاتل معهم، جنبا الى جنب، بالمال وبالأعلام، مما سيعقّد مهمّة الأطراف المقاومة.

ولأن القضيّة الفلسطينية في جوهرها عربية واسلامية، فالمقاومون ليسوا هؤلاء الذين يقاتلون في غزة وحدهم، وإنّما اولئك الشرفاء في كلّ الوطن العربي والأسلامي، وما هو مطلوب منهم اكثر من السباب، والشتم على صفحات التواصل الاجتماعي، او تنديد هنا او هناك، المطلوب فعل حقيقي، وكل من موقعه وإمكانياته، فما بيننا وبين الصهاينة اكبر من السباب… انه اكبر من السباب، انه الدم، الوجود.

د. محجوب احمد قاهري / تونس

 

عن د . محجوب أحمد قاهري

د . محجوب أحمد قاهري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE