الرئيسية > كتاب اللواء > الحميرُ تعرف أنها مُستحمرة
إعلان

الحميرُ تعرف أنها مُستحمرة

 

بقلم/أحمد إبراهيم مرعوه

كثيرا ما فكرت بعمق في الأيام الخوالي الماضية ـ بعد واقعة ذبح الحمير في مزرعة لأحد المصريين في وطنا الغالي مصر ـ وتعجبت لأمر الحمير ـ وما يقع عليها في الحياة الدنيا،من ذل ومهانة في حملها للأثقال،وخاصة الغليظة في كل شيء ابتداء من ركوبها،وحملها لكل مخلفات المزارع،وما بقي من أعمال أخري لا تستطيع رفضها أو الاعتراض عليها،وفي النهاية تجازي علي ذلك كله،بذبحها وسلخها وطهيها خفية،ودفن الجلود خلسة بعيدا بعيدا .. هنالك عند المرمي البعيد عن أعين الناس،حيث لا صخب ولا عويل هناك،كيلا يفتضح أمرها في البلاد!

لفت نظري أمر غريب ـ أن الحمير المستأنسة إستؤنست لخدمة الإنسان ـ هكذا خلقها الله لهذا مثلا،وبرغم ذلك ما تبرمت وما تأزمت مشاكلها في ذلك،بل زاد تعنت المستخدم لها .. فأهانها،بل يحقر من شأنها،حينما يود الفرد منا ذم إنسان لم يتمكن من استخدام عقله بالقدر الكافي الذي يميزه عن الحيوانات بما فيها الحمار الذي كان ذنبه الوحيد أنه رضخ لأمر وأفكار صاحبه!  

وسألت نفسي لماذا لا يتعامل الإنسان هكذا مع الحمار الوحشي المخطط في الغابات : وهذا أيضا حمار ـ بل أفضل من مثيله من ناحية الشكل والألوان،والحرية التي ينالها في الغابات،بعيد عن الاستعباد،الذي يُلغي العقل والتفكير،بسبب الطعام الذي يقدم لحمارنا المُستعبد،الذي ضاعت حريته وكرامته،نظير طعام يُرمي له بجانب الروث،والذي لم يكن يعلم أنه يرمي له مقابل التسمين الذي يدر لحما وقت ذبحه!

هل المشكلة تكمن في حمارنا لأنه منزوع الشر : أم أنه يملكه ويخاف أن يستخدمه ـ أم لأنه لا يجيد استعماله،أم لأنه رضخ فهوي في حفرة مليئة بخداع العقارب والحيات،فأهدر دمه لا لذنب فعله،غير الطاعة العمياء لمستحمره المخادع مخادعة اللئيم!

وهل يبقي الحمار حمارا لأنه رضخ : نعم! ـ وهل سيذبح وبقية سلالته : نعم في ظل تواجده مع هؤلاء البشر الذين استحمروه،فأذاقوه العذاب في كل مكان،ثم استدرجوه للمكان الذي لم يره من قبل .. ظنه الآمن ـ فلم يلبس أن رآه حتى صُدم،وعلي إثر ذلك أصابته إغماءة فوقع في مذبحة العصر فذُبح ـ ورضخ بلا وعي فانسلخ،وتاه لحمه بين البقر!

كان عليه أن يعترض كيلا ينقرض : فيرفس رفسة خفيفة من هنا،ورفسة موجعة من هناك،وأخري قاتلة هنالك عند الشباك أو يهرول مسرعا هنالك عند المجري المائي الكبير،والقارب الصغير،الذي كان يشهد غزل الحمير،بعيدا عن أعين الغفير،حيث كانت الرومانسية هناك : عند شجرة الجميز الكبيرة والشاهدة الوحيدة،علي تحالف الخيل والبغال والحمير،التي كانت تعرف جيدا أنها كانت وما زالت مستعبدة،بل مستدرجة إلي نهاية محتمة .. لكن الشاطئ الآخر للبحر كان بعيد المدي،والغرق محتم إذا ما فكرت،لذا كانت تدرك جيدا أن الموت آتيها لا محالة،لكنها كانت تظنه الموت الطبيعي المحترم،الذي لا تستطيع دفعا له في الوقت المحدد ـ لكنها لم تكن تدرك أنها المقصلة!

الكاتب/ أحمد إبراهيم مرعوه
عضو نادي الأدب بأجا سابقا ـ وقصر ثقافة نعمان عاشور بميت غمر.

(من سلسلة المقالات الفكرية ـ للكاتب) التاريخ: 11/6/2015

 

تمت القراءة 194مرة

عن أحمد إبراهيم مرعوه

أحمد إبراهيم مرعوه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE