أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > الحريرية والعونية: مداولات بعبدا!
إعلان

الحريرية والعونية: مداولات بعبدا!

مبادرة الانفتاح التي سلكها التيار العوني لكسر القطيعة مع الحريرية تأتي على خلفية التساؤل حول الحكمة من خسارة عون وتياره لصالح الخصوم.

بقلم : محمد قواص

لم أجد يوماً غرابةً في مواقف الجنرال ميشال عون وآراءه ولم تفاجئني كثيراً تقلّباته البهلوانية التي لطالما سببت دواراً مضنيا للمراقبين. يمارسُ الرجل السياسة في ما هي أداة سلطة يجوز فيها ما أمرنا به نيكولا ميكيافيلي منذ “الأمير”، وفي ما هي فنُ الممكن، والممكن متقلّب تقلّب الأيام.

لكن الغرابةَ كانت في العونية نفسها. هي تيار جماهيري خرج من قمقم، كثر مريدوه، تصاعد عديدهم في مواكبة الحراك السيادي الذي تعملّق إثر اغتيال الرئيس الحريري، قبل أن ينشق عن تحالف 14 آذار ويغرد خارج ذلك السرب مندفعا بشكل صاعق نحو نقيضه.

يكمنُ اللغزُ في تلك الخلطة العجائبية التي اقنعت جمهوراً عريضا من المسيحيين بالسيّر وراء الزعيم العائد من باريس، ومنحه “تسونامي” انتخابي عام 2005 ما زالت مفاعيله حيوية حتى الآن. فالعونيون يتحدرون من ثقافة سياسية مسيحية غير بعيدة عما بشّر به أجداد الفكرة اللبنانية من تعصّب للكيان ودفاعا عن تميّزه. والعونيون هم ثمرةُ صدام الجنرال مع “المحتل” السوري ودوائره العروبية، كما صدامه مع المنطق الميليشاوي لصالح فكرة الدولة.

من يفدُ من تلك الينابيع يصبّ حكماً في بحار السيادة والحرية والاستقلال، التي لطالما أرادت، كما نظّرت لها المارونية السياسية التقليدية، أن تنأى بلبنان عن العروبة بمعانيها الناصرية والبعثية وما تيّسر من غير ذلك. ومن يترجلُ من تلك الأصول لا يقبلُ بالوصايات المستحدثة، وهو الذي اصطدم مع وصاية دمشق ودفع ثمن ذلك اضطهاداً وقمعا ونفيا.

ولئن كان التيارُ العوني أيام الوصاية السورية، وفي غياب زعيمه، أكثر التيارات المسيحية انفتاحاً على التيارات غير المسيحية، إلا أن قماشته لم تحدْ عن الثوابت السياسية المسيحية المعارضة، وشكلّت جزءاً رئيسياً من الجهد المسيحي المناوئ لـ “التهميش” داخل تجمع “قرنة شهوان”. أي أن السياقَ المنطقيَّ كان يؤشّرُ إلى استمرارية ذلك التحالف بما يوفّره من مشتركات لطالما تبناها المسيحيون منذ نشوء الكيان انتهاء باعلانه دولة.

وصحيح أن الجنرال ميشال عون رفضَ اتفاق الطائف متمرداً بذلك على الطبقة السياسية المسيحية، لكن العونيين في مناكفتهم للوصاية السورية بعد ذلك، قلما تناولوا الموضوع في جوانبه الدستورية، بقدر انتقادهم لـ “الطائف” بصفته وفّر الغطاء الدولي – الإقليمي لتلك الوصاية.

وإذا ما لوّحت العونية بمظلومية نفيّ زعيمها القسري (أو القصري كما يحب البعض ان يصفه) إلى فرنسا بسبب رفضه للطائف، فإنها لم تلتفت إلى أقبية اليرزة (مركز وزارة الدفاع) التي حُشر فيها سمير جعجع، وهو الذي قبل بهذا الـ “الطائف”، وشتان طبعاً بين الحالتيّن والمكانيّن.

لكن الجنرال عادَ من منفاه مقتنعا بحقّه في استعادة المكان الذي أجْلتُه عنه الطائرات العسكرية السورية: قصر بعبدا. عاد الجنرال غير معترف بما تأسس وتأثث في حقبة غيابه. لم يعترف أن عودته إثر الإنسحاب السوري لا تعود إلى اعتراض المسيحيين عامة، بما فيهم العونيون، على الوصاية التي أبعدته، بل تستند أساساً إلى انقلاب السُنّة على هذه الوصاية بعد اغتيال زعيمهم. عاد الجنرال ليكتشفَ أن طموحاته الرئاسية عسيرة الهضم لدى من شاركهم ضراء الوصاية السوداء.

من الخصوم من تحدّث عن اتصالات كانت جارية مع الجنرال في باريس مع الأركان اللبنانيين للوصاية حضّرت لعودته، وبالتالي لانعطافته. لكن الأكثر ترجيحاً أن إنتشاء “السياديين” بالطوفان الجماهيري في 14 آذار 2005، أهمل الانتباه إلى الخصوصية العونية، ومقدار ردّ الفعل الذي ينتج عن ذلك الاهمال. انهمكَ المنتصرون الجدد بترتيبِ سيناريوهات السلطة قاذفين بالجنرال وصحبه إلى ما أعتبر تهميشاً جديداً.

وقفت المسيحية السياسية التي كان يعبّر عنها كتائبيو بيار الجميل وأحرار كميل شمعون، وقفةً صلبةً خلف زعامة الجنرال. في ذلك الموقفُ تعبيرٌ عن غضب من “طائف” نزعَ عن المسيحيين “امتيازاتهم” السياسية، وفي ذلك انتفاضةٌ على تواطؤ الطبقة السياسية برمتها المتجمعة انتخابيا ضمن ما أسمي بالاتفاق الرباعي، وفي ذلك أيضاً عودة إلى مناكفة سُنّية سياسية تقودها الحريرية، والتي تعود إلى ذلك الجزع من أؤلئك الذين يستقدمون من الخارج أفكارا جرّت الناصرية يوما والعرفاتية يوماً آخر.

في لقاء ميشال عون وسعد الحريري شيء من المراجعة في علاقة السُنّة بالعونية. ظرف الانتخابات الرئاسي يحرم هذا التواصل قيمته البناءة، ذلك أن الجنرال يروم مُدارة “المستقبل” في مساعيه الرئاسية، فيما الشيخُ يطلُ، دون كثير قناعة، على موقع ساقط لمصلحة خصومه. وإذا ما تطورت العلاقة بين الزعيمين، على كثرة محاذيرها في تحالفات الطرفين، فإن العملية ستبقى تعايشية يُقرُ فيها الطرفان بحقيقة وزنيّهما، وقد تؤسس لصفقة باردة تنظّم أصول الشراكة في احتمالية ميشال عون رئيساً.

لقاء الحريري – عون الذي تأخرَ الطرفانُ في الاعتراف به يأتي بعد تطبيع تأسيسي باشره السفير السعودي في لبنان علي عواض عسيري مع الجنرال (لم يفض مع ذلك حتى الآن إلى فتح أبواب الرياض). لم يعد احتمال عون الرئاسي مستحيلاً، لكنه أيضا ليس يسيرا ويحتاج إلى ورشة محلية اقليمية دولية تعيد ترتيب خرائطه. لكن التواصل المتلعثم يأتي أيضاً بعد مبادرة الانفتاح التي سلكها التيار العوني لكسر القطيعة مع الحريرية، وبعد نقاش لدى الأجواء المحيطة بسعد الحريري حول الحكمة من خسارة عون وتياره لصالح الخصوم.

بإمكان عون ان يعتبر أن الحريرية وسوء تقديرها ووهن تدبيرها هي من دفعه إلى “ورقة التفاهم” مع حزب الله. ويعرف عون أن تحالفه مع حزب الله مكنّه من التمتع بدلال لم يوفره له السياديون. ويدرك عون أن حلفه مع الحزب محضهُ بقوة أضحت الحريرية تُقر بها، وقد تقبله مع ذلك شريكاً كامناً على أمل أن تتمكن المقاربة الانفتاحية أن تشجع الرابية إلى اتخاذ خطوات استقلالية عن حارة حريك على الطريق إلى بعبدا.

يسوّق العونيون مقولة الحاجة في بعبدا للرئيس الأقوى مسيحياً. يقول سعد الحريري مؤخراً بالحاجة الى رئيس يمثّل المسيحيين. خلف تلك الأبجدية تتسلل كافة الاحتمالات.

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

تمت القراءة 212مرة

عن محمد قواص

محمد قواص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE