أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > الجزائر: لغز الحكم الغامض
إعلان

الجزائر: لغز الحكم الغامض

 

محمد قواص *

 ما الذي يحصل في غرف الحكم في الجزائر ومن يمسك فعلا بمفاصل السلطة؟ لماذا تأخر الإعلان عن ترشح بوتفليقة بما عكس انطباعا بالخلاف حول الأمر؟.

من حقّ الجزائريين أن يشعروا بالقلق على مصير بلادِهم واستقرار يومياتهم وهم يراقبون حالة الارتباك التي تسودُ الحكم وأهله في البلاد. يُطلّ مصدرُ القلق من شعور بأن السلطة دون رأس وأن أولي تلك السلطة يفتشون عن هذا الرأس حتى لو كان افتراضياً. يتكثّف مصدر القلق أيضاً، من واقع أن الغرفَ السرية، التي لطالما أنتجت السلطة منذ الاستقلال، أضحت عاجزةً عن ذلك، لا تملك إلا اسم الرئيس الحالي ليرث نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة (17 أبريل المقبل).

لم يؤمن الجزائريون يوماً بنزاهة الانتخابات في بلادهم. استوطنتهم قناعةٌ دائمة أن العملية الاقتراعية معدّةٌ ومرتبةٌ على النحو الذي ترتئيه السلطة الخلفيّة. هجر كثيرون الاستحقاقات الاقتراعية، حتى باتت المشاركةُ الشعبية الضعيفة سمةً تقليدية دائمة. لعبت أحزاب النظام السياسي الجزائري، من معارضة وموالاة، لعبة الصناديق، حضرت عبر ذلك في المشهد البرلماني، وبعضها في المشهد الوزاري. لكن الجميع، سلطة وأحزابا وصحافة ومواطنين، يدركون أن حدود اللعبة وقواعدها وأصولها تتحرك وفق معزوفة يقودها “مايسترو” ما وراء الستار.

تاريخياً، ومنذ الاستقلال عام 1962، لعبت المؤسسة العسكرية الدور الأساسي لإنتاج السلطة. ورغم أن افتتاح الرئيس الشاذلي بن جديد لعهد التعددية الحزبية (دستور فيفري 1989) مثّل ثورة داخل النظام السياسي الحاكم، غير أن المؤسسة العسكرية بقيت ممسكة بخيوط اللعبة وأصولها، بما في ذلك الإطاحة بالانتخابات التشريعية عام 1992 والتي فازت في دورتها الأولى جبهة الإنقاذ الاسلامية بقيادة عباسي مدني وعلي بلحاج. خاضت تلك المؤسسة، بعد ذلك، عشر سنوات من المواجهات الدموية مع الإسلاميين في سعي للحفاظ على النظام السياسي وديمومته (ما يُعرف في الجزائر بالعشرية السوداء).

نجح العسكرُ في إخراج الجزائر، بالقوة والحيلة، من هيمنة محتملة للإسلاميين. وبرع العسكرُ في تقديم الوجوه والأسماء، كما إبعاد الأسماء والوجوه، من أجل تأمين ديمومة السلطة وخلاصها. ولا ريب أن إعادة تعويم عبد العزيز بوتفليقة منذ ثلاث عهدات رئاسية (بدأها عام 1999)، كانت تتويجاً لمعادلة أرادت المؤسسة العسكرية إخراجها لإعادة شيءٍ من الاستقرار البُومَدْيَني (نسبة إلى الرئيس الراحل هواري بومدين) على الحياة السياسية المتوترة.

تعايش بوتفليقة بحنكة مع شروط الحكم في الجزائر. اتّسق مع العسكر وتناكف معهم، استقوى بهم وقوي عليهم، هادنَهم واصطدم بهم. أَنِست المؤسسةُ العسكرية لبوتفليقة “ستايل” فلاعبته دون أن تصل الأمور إلى صدام. شيء من الرقص كان يتم بلياقة بين السلطتين العلنية والخفية، على نحو أحال أمر السلطة في الجزائر ميدان غموض يجوز فيه التخمين والتفطّن.

منذ الإعلان عن مرض الرئيس بوتفليقة قبل سنوات، ومنذ تكرر سفره باتجاه المستشفيات الفرنسية، ظهر ارتباك على الفريق المتحكّم في أمر البلاد. بدا أن الرئيس بوتفليقة رجل الجزائر الوحيد، وأن غيابه يُقلق كل الجزائر. بدا أن الحكومة ورئيسها، كما أجهزة الدولة، مشلولةٌ محدودة المناورة بانتظار تقارير الأطباء في باريس. بارتباك واضح، تولّت أجهزة الحكم بث صور للرئيس من مستشفاه الباريسي حال استطاعته الظهور بشكل مقبول، حتى لو اكتفى بالصمت والسكون، وأحياناً الذهول، بينما يتولى طبيبه الجزائري الإجابة على الأسئلة. هذه الأيام، لا يملكُ الحكمُ في الجزائر هذه الرفاهية. لا يظهرُ الرئيس ولا يصرحُ ولا يتكلم. يتولى الإعلام الرسمي الإعلان عن قراراته وبياناته. وحتى حين ينتظر الجزائريون قرارَ رئيسهم بالترشح للانتخابات الرئاسية أو عدمه، يتولى رئيس الوزراء عبد المالك سلال إعلان الترشح، بما يشكّل وهناً منطقيا وربما قانونياً مقلقاً (ظهر بوتفليقة لثوان معلنا ترشحه، جالسا على كرسي، مقابل رئيس المجلس الدستوري).

ما الذي يحصلُ في غرف الحكم في الجزائر ومن يُمسك فعلا بمفاصل السلطة؟ لماذا تأخرَ الإعلان عن ترشح بوتفليقة بما عكس انطباعا بالخلاف حول الأمر؟ ثم هل بوتفليقة هو الذي يترشح أم أن السلطة الخفيّة هي التي قررت ذلك بغض النظر عن رأيه أو قدرته على إبداء رأي؟ ثم لماذا الانتهاء بعد المداولات إلى ترشيحٍ ملتبس لبوتفليقة بما يعطي الانطباع أن مؤسسة الحكم ومن خلفها عاجزون عن إنتاج البدائل أو الوثوق بواحد من الشخصيات السياسية التقليدية المتداول اسمها على قائمة “المسترئسين”؟

لائحة الأسئلة طويلة وتطول، خصوصاً وأن طبيعة السلطة في الجزائر تفتقدُ إلى الشفافية، بما يمكن أن يتركَ هامشاً لفهم خصوصية الصراع الحالي حول السلطة. وما يخرج من تصريحات فلكلورية مرحِّبة بترشح الرئيس، أو تقليدية منتقدة لذلك، لا يميط اللثام عن السرّ الكبير، ولا يُفرج عن المفاتيح السرية لفك طلاسم قرارات الحكم وحواشيه.

من يدافع عن ترشح بوتفليقة يتحدث عن عواصف الجوار التي تحتاج إلى الاستمرار مع من يمتلك الخبرة والدراية وعدم المخاطرة في معاشرة الوجوه غير المجرّبة. لكن في الغياب الجسدي لبوتفليقة، المرشح اليوم والرئيس غداً، فإن الغرفَ الخلفيّة للسلطة تروم استمرارا للسلطة كما هي عليه الآن بوجوهها وتياراتها ومزاجها. في ذلك اطمئنان لانعدام وجود قوى معارضة أو مناكفة تحول دون ذلك، سواء حكم بوتفليقة أو من خلفه. في ذلك أن تلك الغرف مرتاحة إلى تعامل كافة القوى السياسية مع الأمر الواقع، بما لا يشكلُ انعطافةً دراماتيكية تُذكر.

على أن غموض حدث الترشح أتى بعد أسابيع على حملة شنّها الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمر سعداني ضد قائد المخابرات الجنرال محمد الأمين مدين، المعروف حركيا بـ”توفيق”، متهما إياه بالتدخل في شؤون الدولة والسعي إلى عرقلة ترشح بوتفليقة. ذهب سعداني بعيدا في تصريحاته التي أوحت بأن شرخا عميقا يقسم الجيش بين قيادة الأركان ورئيسها الفريق أحمد قايد صالح الذي يساند الرئيس، والمخابرات ورئيسها الجنرال توفيق الذي يرفض استمرار بوتفليقة في الحكم. بدا أن أمر الحملة يعودُ إلى صراع يدور داخل الأروقة الداخلية للسلطة (الصراع ضد “توفيق” يقوده سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس، على حدّ اتهامات مثيرة للجدل وجهها الجنرال حسين بن حديد). خرجت أصوات من داخل حزب جبهة التحرير تدين تصريحات أمينها العام (بما يعكسُ نفوذ الجنرال والمؤسسة العسكرية داخل الصف السياسي الجزائري، في مقدمتها حزب جبهة التحرير)، وصولا إلى تدخّل الرئيس بوتفليقة، على ما صدر باسمه على الأقل، من إدانةٍ لهجمات سعداني وتبرئةٍ للجنرال توفيق.

لن يخوض بوتفليقة الحملة الرئاسية بنفسه. لا داعي ولا حاجة لذلك حسب ما يوحي منطق إعلان الترشح على لسان سلال. كل شيء سيكون بالإيحاء والوكالة بما سيشكّل سابقة تاريخية دولية في هذا المضمار (سلال استغرب معارضة ترشح بوتفليقة مذكراً أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هي في عهدتها الثالثة، ويمكن لها أن تترشح مجددا). ستعود الوجوه “البوتفليقية” الأساسية للظهور مجددا. ضمن ذلك الإطار سيتمُّ استدعاء رئيسي الوزراء السابقين أحمد أويحيى وعبد العزيز بلخادم لينضما إلى عمارة بن يونس وزير التنمية الصناعية، وعمر سعداني، ووزير النقل عمار غول (الذي اختار الاستقالة من “حركة مجتمع السلم” وتأسيس حزب جديد حتى ينضم به إلى صفوف الموالاة) لتشكيل القوة الضاربة لخوض الحملة بدلاً عن الرئيس.

بدّد ترشح بوتفليقة سياق التنافس الديمقراطي (هكذا جرى أيضا حين خاض انتخابات عام 1999). انسحب المرشحون، ذلك أن “النظام مغلق” على حد تعبير مولود حمروش، لا مجال لحياد السلطة، فإمكانات الدولة مسخّرة للترويج لمرشح النظام. بقيت في السباق حفنة من المرشحين يتراوح عزمها بين الرمزية والجدية.

ومحصلة الأمر، أن الجزائريين لا يعيشون معركة الرئاسة بصفتها حدثا يخصّهم. النتائج معروفة سلفاً لا تحتاج حتى إلى مشاركتهم في الاقتراع. على أن الجدل الخفي الذي حسم ترشح بوتفليقة لابد أنه أخذ بعين الاعتبار أن الحالة الصحية لبوتفليقة تطرح أسئلة الحياة والموت بالنسبة إلى الرجل، كما لو أن أمر الترشح هو تأجيل لمعضلة وسعي لإدارة أمر الاستحقاق الرئاسي المقبل فقط.

يشي أمر الترشح والاستكانة للرئيس الحالي بأن الغرف الخلفية عاجزةٌ عن سلوك مخارج خلّاقة، وأن اضطرارها إلى الارتجال في حال وفاة بوتفليقة، مرشحا أو رئيسا، يفتح أمر البلاد على سيناريوهات غير متوقعة لا يسيطرون على نهاياتها.

*صحافي وكاتب سياسي لبناني

 

 

 

 

تمت القراءة 325مرة

عن محمد قواص

محمد قواص

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE