أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > الاصــوليــة البعثيــة مــاذا تعنــي ؟ ( ١ )
إعلان

الاصــوليــة البعثيــة مــاذا تعنــي ؟ ( ١ )

 

صلاح المختار

لو نظرنا الى عالم مابعد انهيار الاتحاد السوفيتي لوجدنا ان ابرز سماته سمة تفكيكية تعيد العالم بقاراته ودوله وهوياته التقليدية للوصول الى وحداته التكوينية الاصغر ، انها الشرذمة المبرمجة مخابراتيا للامم والدول والديانات والهويات القومية وللكتل البشرية .

صلاح المختار

العالم وبنظرة خاطفة نرى انه عالم الصراعات المتداخلة والعوامل المتناقضة والاهداف الخفية ، ونحن العرب نكاد نكون الشعب الاكثر تعرضا لفخاخ هذا العالم ونزوعه التشرذمي وهو ما نراه واضحا في العراق وباقي الاقطار العربية . ولعل ابرز ما ترتب على تنفيذ خطة الشرذمة هو العودة المخططة ، المتسلسلة والمتتابعة، من الاكبر الى الاصغر وصولا للخلية الاصغر ثم التحصن في اصول الحلقة الاصغر وهي ما يسمى ب ( الاصوليات ) التي بنيت عليها كافة التكوينات الحديثة .

كيف تؤثر هذه الظاهرة على البعث وهو الحزب القومي التوحيدي الذي يقاتل التشرذم بكافة اشكاله ؟

اولا وقبل كل شيء لنتناول الاصوليات التي انبعثت وتعملقت بصورة اصطناعية خصوصا منذ نهاية السبعينيات بظهور خميني و ( المجاهدين ) الافغان :

1-الاصولية الرأسمالية : اصل المشروع الرأسمالي في مرحلته الصناعية مثله شعاره الاشهر ( دعه يمر دعه يعمل ) ، فلكي تصدر امريكا فائضها الصناعي والزراعي الضخم كان يجب جعل العالم مفتوح الحدود ، وعندما نهضت اوربا الغربية من كبوة الحرب العالمية الثانية لحقت بامريكا بل ان المانيا نافستها ، وفي اسيا ظهرت اليابات قوة تجارية هائلة الامكانيات فشهدت الثمانينيات ظاهرة اختلال الميزان التجاري بين امريكا من جهة والمانيا واليابان من جهة ثانية لصالح الاخيرتين في تحول خطير بالنسبة للرأسمالية الامريكية وكانت تلك اشارة وتحذير لامريكا بان عصر تفوقها اخذ يتراجع .

الضغوط الامريكية على اليابان والمانيا في الثمانينيات كانت اول بوادر الردة الرأسمالية الامريكية نحو اصل الرأسمالية التجارية وهو الحماية التجارية تحت غطاء حماية المنتوج الوطني ، ولكن بقيت الرأسمالية تعتمد على مبدأ حرية التجارة وهذا ما دفع لانشاء منظمة التجارة العالمية التي كانت مؤشرا على ان العالم يدخل مرحلة الاحتكار الرأسمالي المتركز بيد شركات اقل واغنى منعت وضع قيود على سلعها .

ولكن عندما تعاظمت الازمة البنيوية للرأسمالية الامريكية واخذت تتفوق عليها دول ساعدت هي في نهضتها وبناء اقتصادها كالمانيا واليابان والنمور الاسيوية ثم ظهرت الصين كعملاق هائل اقتصاديا كسكانها ومساحتها لتصبح التهديد الاول لتربع امريكا على عرش الاقتصاد العالمي بعد ان اصبحت الاقتصاد الثاني في العالم وتسير بخطى سريعة لتزيح امريكا من عرشها وتتربع عليه ، كان حتميا على امريكا ان تفكر بالتراجع نحو حالة الاصل وهي التخلي عن اقتصاد السوق اي حرية التجارة وقواعد العولمة التي فرضتها هي واللجوء للحماية التجارية من جهة وبتعزيز دور الدولة وتحويلها الى دولة بوليسية تدريجيا من جهة ثانية ، كوسيلة للبقاء ومنع الانهيار ، ووصول ترامب كان اعلانا صريحا لبدء مرحلة الحماية التجارية مجددا وهي تعني العودة للاصولية الرأسمالية ولكن بصورة مبتذلة وفجة . هذا اول واخطر تحد لنا نحن العرب .

2-الاصولية الدينية : الجبهة الفكرية والسياسية لم تكن افضل حالا من الجبهة الاقتصادية فلقد ادركت العقول الامريكية بان الايديولوجية الرأسمالية لا جاذبية لها في حين ان المنافس لها وعدوها الاخطر الماركسية – اللينينية تتمتع بجاذبية حتى في اوربا وامريكا ذاتها ، وكان اختيار المجابهة في جبهة الايديولوجيات اسبق من تقييد التجارة الحرة بعقود حيث تبنت امريكا في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي خطة بريجنسكي القائمة على احياء الاصوليات الدينية في العالم لتكون الخصم الايديولوجي القوي للشيوعية وحركات التحرر في العالم .ولهذا فان التاريخ الحديث سجل ان الحروب الحديثة بين الاديان والطوائف والقوميات بدأت في عهد جيمي كارتر- بعد ان قامت مخابراته بتنصيب خميني حاكما وزرع المجاهدين الافغان – واخذت تتعاظم مع كل رئيس جديد .

ف ( الاصوليات الدينية ) ، طبقا للتعابير الامريكية ، الاسلامية – الشيعية والسنية – والمسيحية واليهودية والهندوسية ، اضافة لتحريك الاصوليات الاثنية وتغذيتها …الخ هي التي تشكل مصدر التناقضات والصراعات بما في ذلك الارهاب بكافة اشكاله .والاصوليه الدينيه ليست الدين بل الشكل المشوه له ، لانها تقوم على المطالبة بالعوده الى اصول الديانات الاقدم والتي ظهرت في فترات تاريخية محددة سادت فيها بيئة محددة زالت ولم تعد موجودة بغالبية مكوناتها وهي لذلك ، وطبقا للمخطط الامريكي، مستحيلة التطبيق لانها لاتناسب عصرنا مما يؤدي الى ظهور تناقض حاد بين الواقع الجديد والدعوات للعودة الى الاصول فتنبثق تلقائيا واصطناعيا حروب وصراعات معقدة جدا تهدم بنيان الامم والدول باصطناع او تغذية نزعات عدائية شديدة بين الناس .

وكانت خطة امريكا المركزية هي تحقيق انقلاب ستراتيجي جذري في العالم يقوم على استبدال الصراع بين الاشتراكيه وحركات التحرر في العالم الثالث وبين الراسماليه بصراع بين الاديان والطوائف والاعراق .واخذت تتجلى في اولى خطواتها في ظهور ما يسمى ( المجاهدون الافغان ) في افغانستان ونظام خميني في ايران بعد اسقاط نظام الشاه . وهكذا راينا اكبر واخطر تحول ستراتيجي في العالم بعد الانتصار على النازية تمثل في استبدال الهويات الوطنية والقومية ومبدأ المواطنة بهويات فرعية مثل الطائفية او الاثنية او المناطقية .

هذا التطور ادى الى تصدي الاصوليه الدينيه للحركات التحررية الوطنيه والاشتراكيه نيابة عن الغرب وبدعمه المكشوف وبروح انتحارية افتقرت اليها البورجوازيات والجيوش الغربية، ولهذا كانت التيارات الاسلاموية هي احد اهم اسباب تهديم الاتحاد السوفيتي ، وهو مافعله ( المجاهدون الافغان ) ، كما كانت هي سبب تحويل الصراع الرئيس في الوطن العربي من صراع بين حركة التحرر الوطني العربية من جهة والصهيونية والاستعمار الغربي من جهة ثانية الى صراعات بين المسلمين وهو ما فعله خميني .

الاصولية الدينية اذا قدمت لنا نسختين من التهديد الوجودي للعرب وهويتهم القومية وهما الخمينية والداعشية بكافة الوانهما .

3-الاصولية الطائفية : ولم تتوقف عمليه التشرذم عند الديانات وصراعاتها بل امتدت لتشمل الطوائف فالدين الواحد انقسم الى طوائف والطوائف انقسمت الى كتل وميليشيات متناحرة دمويا فهناك الان عشرات الفصائل السنية والشيعية في العراق وسوريا وغيرهما وهي في حالة تناقضات دموية غالبا ، السني يقتل السني والشيعي يقتل الشيعي !!! والطائفية في جوهرها مذهب ايديولوجي ادت التطورات المصطنعة الى تمسك البعض باصوله القديمة التي زالت او ضعفت في فترات النضال الوطني والقومي وقبلها في فترات التسامح الديني والطائفي ، لكن تغذية خميني للطائفية بجعل دستور جمهوريته ينص على ان مذهبها الرسمي هو المذهب الشيعي الاثنا عشري وتدشينه عملية تدخل شاملة في كافة الدول تحت غطاء ( نشر الثورة الاسلامية ) او ( حماية الشيعة ) في كل مكان وبدعم مباشر صهيوامريكي جعل الظاهرة الطائفية تطفو ويظهر لها انصار .

4-الاصوليات العنصرية : وصلت عملية العودة للاصول الى قلب الرابطه القوميه بالتحول من التمسك بالرابطة الوطنية المنفتحة المتجاوزة لعوامل العرق والاصل الواحد الى تمسك البعض بمكونات القوميه الاصلية خصوصا العنصر او العرق ، فاصبح هو الخيار عند الدفاع عن النفس بعد ان ظهرت التحديات الكبيره ،وهذا ما شاهدنا في يوغسلافيا اولا و نشات عنه صراعات دمويه قسمتها الى عدة دول . ثم انتقلت الى تشيكوسلوفاكيا وانقسمت الى تشيكيا وسلوفاكيا ، ثم انتقلت العدوى الينا بتصعيد الدعايات العرقية او تلفيق نظريات مزيفة حول اصول بعض العرب كالامازيغ والدفع نحو خلق تناقضات مصطنعة بينهم وبين بقية ابناء الشعب ، وزادت حدة التحريض والدعم للاكراد في العراق وسوريا …الخ ولجنوب السودان وفي موريتانيا بين السود والسمر . وفي هذه الحاله وجدنا انفسنا امام مشاريع كيانات صغيره تعمل على الانشقاق عن الاطار الوطني العام بتشجيع من الغرب والصهيونية .

5-الاصولية القبلية : وتوسعت عمليه التشرذم وشملت الحلقه الاضيق من المدينه والريف و هي حلقه القبيله فبما ان الصراع قد نشب بين الديانات و الطوائف والاعراق فان البعض من البشر وجد ان بقاءه وحمايته في القبيله فنقل العلاقات البشريه من علاقات شموليه وطنية وقومية الى علاقات جنسيه مجهريه.

6-الاصولية المناطقية : ومن لم تحميه قبيلته وطائفته وديانته واثنيته لجأ الى المنطقه او الجهه التي يسكن فيها من اجل حمايته وهذه المره كانت المناطقيه او الجهوية هي الخيار التشرذمي المباشر.

7-الخيار المافيوي : والاشد خطورة هو ان التشرذم وصل الى حد ان بعض الناس لم يجد اي رابطة تحميه سوى المافيات فظهرت المافيات او الميليشيات او العصابات في مناطق معينه كي تستقطب بعض البشر وتحولت الى نظام شبه اجتماعي تتغذى منه المجاميع البشريه وتكتسب منه الحمايه .

اذا : العامل الرئيس في انبعاث الاصوليات التكوينية هو الشعور بتزايد احتمالات الزوال او التعرض لكوارث اشد اذى وهذه مشاعر اختلقت ومن زرعها هو الرأسمالية الامريكية عبر الكوارث والازمات وبمشاركة رأسماليات اوربية غربية تواجه ازمات بنيوية لا يمكن حلها او السيطرة على اثارها الا بتغيير قواعد الصراع عالميا وفرض انماط منه تعطل سقوط الرأسمالية او تطيل عمرها عبر تزويدها بدم العالم الذي يستخدم كغرفة انعاش للرأسمالية الامريكية . وهذه الضرورة التقت بضرورة صهيونية وهي شرذمة الاقطار العربية .

الردة نحو الاصوليات هي اداة الغرب للهيمنة على العالم : فلكي يهزم النزعات الوطنية والتحررية والاشتراكية التي كانت تتقدم وتنتصر كان على الرأسمالية والاستعمار ان يقوما بتطبيق واسع النطاق لواحدة من اهم قواعد عملهما وهي ( فرق تسد ) وذلك بشرذمة الامم والقوى الاجتماعية والدينية والاحزاب وكل كتلة كبيرة وبصورة متسلسلة لتسهيل السيطرة على الجميع . بشرذمة الكتل الاجتماعية التي تشكل حاضنة للتقدم والتحرر والاشتراكية تجبر القوى المناهضة للاستعمار والاستغلال الى مواجهة ازمات حادة اخطرها تشرذم الناس على اسس دينية وطائفية وعنصرية وايقاظ النزعات الانانية لدى عامة الناس في ظل بؤس مصطنع نتيجة الحروب والازمات الطاحنة وغيرها وهكذا تجد قوى التقدم نفسها بلا حواضن شعبية كبيرة كما كانت في مرحلة النضال الوطني مما يجعلها تقاتل منفردة تقريبا فيصعب ذلك مهماتها .

في ضوء ما تقدم يصبح طرح السؤال التالي ضرورة لابد منها : هل تشكل الاصول التكوينية للبعث قاعدة متينة كفيلة بالقضاء على التشرذم بأشكاله كافة ؟

يتبــــــــــــــع …

Almukhtar44@gmail.com
 ١٥ / حـزيران / ٢٠١٧٧

تمت القراءة 4مرة

عن صلاح المختار

صلاح المختار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE