أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > «إصلاح» لا نريده
إعلان

«إصلاح» لا نريده

 

فهمي هويدي

بعض القوانين التي يعلن عنها في مصر تثير قدرا من البلبلة يتعذر تجاهله، كما أنها تفتح الباب واسعا لإساءة الظن.

أحدث خطوة من ذلك القبيل تمثلت في موافقة مجلس الوزراء في جلسة 26/11 على مشروع قانون خاص بالكيانات الإرهابية،

كانت لجنة الإصلاح التشريعي قد أقرته في وقت سابق ثم احالته إلى المجلس المذكور للنظر فيه قبل إحالته إلى رئيس الجمهورية لإصداره، باعتبار أنه يملك سلطة التشريع في الوقت الراهن.
المشروع يستدعي ملاحظات عدة، بعضها في الشكل والبعض الآخر في الموضوع.

من حيث الشكل فإن المرء لا يستسيغ لأول وهلة ان يقدم المشروع بحسبانه جهدا يبذل في إطار الإصلاح التشريعي.

حيث يفترض أن يكون الإصلاح خطوة إلى الأمام، تنحاز إلى الحرية والديمقراطية عند الحد الأدنى.

 أما حين تستهدف الخطوة نقيض ذلك، بحيث تصبح عبئا على الحرية والديمقراطية فإن ذلك يغدو خطوة إلى الوراء تعد إلى الإفساد أقرب.

من ناحية ثانية فإننا لا نرى وجها للاستعجال في اتخاذ تلك الخطوة، خصوصا أن مصر مقبلة على انتخابات تشريعية خلال أشهر ثلاثة على الأرجح،

ومن الحكمة وحسن التقدير أن يطرح أمر بهذه الأهمية على المجلس التشريعي لتمحيصه ودراسته، لكى يخرج معبرا عن إرادة ممثلي الشعب، بدلا من ان ينسب إلى السلطة ومؤسساتها الأمنية.  

من ناحية ثالثة فإنه في الفترات الانتقالية التي يغيب فيها البرلمان ويمنح فيها رئيس الدولة سلطة التشريع. فإن العرف الدستور يقضى بالتضييق من ممارسة الرئيس لذلك الحق، بحيث يمارس في حالة الطوارئ التي تتطلب تدابير لا تحتمل التأخير.  

من ناحية رابعة فإن مفاجأة الرأي العام بخطوة من ذلك القبيل وثيقة الصلة بالحريات العامة دون أن تعرض على الحوار المجتمعي، سواء من خلال الأحزاب القائمة أو المنظمات الحقوقية المعنية أو حتى وسائل الإعلام، تفتح الأبواب لما أشرت إليه من بلبلة وإساءة للظن، خصوصا أن المجتمع تلقى رسائل أخرى تهيئ الأذهان لذلك الاحتمال،

منها قانون تقييد التظاهر الذي أثار لغطا لم يتوقف، وهناك شبه إجماع على رفضه.

 ومنها تعديل المادة 78 من قانون العقوبات التي استقبلت بحسبانها رسالة ترهيب وتهديد لقمع أنشطة منظمات المجتمع المدني.

 الملاحظة الخامسة ليست من عندي وقد أوردها بيان حول الموضوع أصدره مركز القاهرة لحقوق الإنسان

 وحذر فيه من أن تستخدم الحكومة الحرب على الإرهاب «كذريعة لتمرير قوانين تعصف بالحقوق والحريات»، وكغطاء للتحلل من مسؤولية اخفاقات الأجهزة الأمنية في التصدى للهجمات الإرهابية.
فيما خص الموضوع، ليس لدي الكثير أستطيع أن أضيفه إلى ما صدر عن بعض الحقوقيين الذين أثار المشروع انزعاجهم.  

ففي البيان الذي أصدره مركز القاهرة لحقوق الإنسان في 3/12

وفي التعليق الذي نشرته جريدة «الشروق» في 26/11 للأستاذ نجاد البرعي قلق شديد مما أورده المشروع في مواده العشر عبرت عنه الملاحظة التالية:
< التعريف الفضفاض وغير المنضبط الذي قدمه للكيانات الإرهابية،

الأمر الذي اعتبر صياغة مراوغة للتهمة الخطيرة وطبيعة الآثار المترتبة عليها. إذ كيف تفسر عبارات مثل «الإخلال بالنظام العام» و«الإضرار بالوحدة الوطنية» و«سلامة المجتمع وأمنه» و«إيذاء الأفراد» و«إلحاق الضرر بالبيئة».

وهى عناوين عريضة لم يحدد المشروع معيارا قانونيا لإثبات التهمة فيها،

 الأمر الذي يعني ان الجهات الرسمية هى التي ستتولى سلطة تفسير كل منها،

وهو ما يفتح الباب لقمع الأصوات المعارضة أو دعاة الإصلاح والتغيير من المجتمع المدني.

وذلك يخالف الدستور وأحكام المحكمة الدستورية التي أوصت بتعريف منضبط للنصوص العقابية لمنع إساءة استخدامها.
< لم يكن مفهوما النص في المشروع على اعتبار أي مجموعة أو منظمة أو جمعية كيانا إرهابيا وتوقيع الجزاءات التعسفية عليها لمجرد «الدعوة بأي وسيلة» لوقف العمل بقانون معين أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح.

 ذلك أن العبارة بصياغتها تلك تجرم كل الوسائل السلمية للاحتجاج.

بل إن المادة الأولى من المشروع اعتبرت الكيانات التي «تعطل المواصلات العامة والخاصة أو تمنع أو تعرقل سيرها» كيانات إرهابية،

 الأمر الذي ينطبق على كل التظاهرات السلمية التي تخرج إلى الشارع لتعبر عن رأي ما.
< كان مستغربا أيضا أن المشروع يعتبر أي كيان إرهابيا بمجرد أن تتهمه النيابة بذلك في قرار وقتي تصدره الدائرة المختصة، دون سماع دفاع من يمثل الكيان المتهم، ودون ان يصدر حكم قضائي بذلك.

وهو ما يعد إخلالا بحق الدفاع الذي يحميه الدستور،

ولا تتوقف الدهشة عند ذلك الحد لأن الطرف المتهم يتعرض لمجموعة من الإجراءات التعسفية القاسية بمجرد صدور قرار النيابة.

 إذ يجرى حله ويوقف نشاطه وتغلق الأماكن المخصصة له وتصادر أمواله ويحرم المنتسبون إليه من مباشرة حقوقهم السياسية.

 ويستمر ذلك لمدة تصل إلى ثلاث سنوات كحد أقصى لصدور حكم قضائي نهائي إما بتثبيت التهمة أو رفع اسم الجهة المعنية من قائمة الكيانات الإرهابية.
< إعمال نصوص القانون يتيح للسلطة ان تستخدمه في حل الأحزاب السياسية وحرمان الخصوم غير المرغوب فيهم من مباشرة حقوقهم السياسية والمشاركة في الانتخابات لفترة تصل إلى ثلاث سنوات. دون الحصول على حكم قضائي نهائي، لمجرد انتمائهم للكيان صدر قرار وقتي باعتباره إرهابيا،

وذلك مخالف لقانون مباشرة الحقوق السياسة الذي يشترط لسلب المواطنين حقهم في المشاركة السياسية صدور حكم قضائي نهائي بذلك.
إذا كان ذلك مقتضى الإصلاح التشريعي فنحن في غنى عنه، لاننا بغيره أفضل.

…………………….

 

تمت القراءة 331مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE