أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > إرهاب مسكوت عنه
إعلان

إرهاب مسكوت عنه

 

فهمي هويدي

تغطية صحف القاهرة أمس لكارثة المركب الذي غرق بركابه بسبب اصطدام «صندل» بها مساء يوم الأربعاء ٢٣/٧ تضمنت إشارات ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد.

إذ إلى جانب القصص الإنسانية التي تزلزل المرء وتقطع نياط القلب. فثمة تفاصيل أخرى للحادث تسلط الضوء على الثمن الذي درجنا على دفعه كل حين من أرواح البشر ودمائهم، بسبب الإهمال والتسيب والفساد. الذي أزعم أنه إرهاب آخر مسكوت عنه.
مما ذكرته الصحف الذي صدرت أمس ما يلي:

  • إن المركب البائس حمل بأكثر من طاقته، لأن ركابه تراوح عددهم بين ٦٠ و١٠٠ شخص، لكن الأهم من ذلك أنه لم يكن مرخصا من هيئة النقل النهري،

كما أن قائده ومساعديه ليست لهم أوراق تثبت أنهم حصلوا على أي تراخيص لمزاولة المهنة.

  • إن الصندل الذي اصطدم بالمركب كان يتحرك بدون إنارة أثناء الليل، فضلا عن أنه لم يكن مسموحا له بالسير ليلا.
  • إن شرطة الإنقاذ تأخرت في الوصول إلى مكان الحادث، إذ جاءت بعد نصف ساعة من غرق المركب، واستخدمت كشافات ضعيفة في الإنقاذ الذي تم تحت جنح الظلام.

في حين كان ينبغي أن تتم الاستعانة بطائرات الهليكوبتر التي تغمر المكان بالضوء لتسهيل عملية الإنقاذ.
• إن وزارة الداخلية كانت قد طالبت بتعديل قوانين حماية النيل وتغليظ العقوبة على الذين يرتكبون المخالفات الجسيمة في استخدامه. علما بأن عقوبة تلك المخالفات ضعيفة وتافهة في ظل الوضع الراهن. إذ إنها تتراوح بين ٥٠ و٢٠٠ جنيه فقط.

  • إن وزارة الري أخلت مسؤوليتها عن الحادث، وذكر متحدث باسمها أن مسؤوليتها تنحصر في إنشاء المراسي النيلية فقط، في حين أن تصاريح تسيير الصنادل والمراكب تمنحها لجنة تضم ممثلين عن ٩ وزارات.

كما أن رئيس حي منطقة «الوراق» التي ترسو المراكب على شاطئها وتنطلق منه أخلى بدوره مسؤوليته وذكر أن تصاريح المراكب من مسؤولية شرطة المسطحات والري.

هذه المعلومات إذا صحت فهي تعني أنه بوسع أي أحد مهما كانت مهنته أو حرفته أن يسير مركبا في نهر النيل، وأن يستثمرها تجاريا فيحولها إلى وسيلة انتقال منتظمة، ويحملها بأكبر عدد من الركاب وبما تستطيع حمله من البضائع.

وحين يفعل ذلك فإنه سيظل مطمئنا إلى أن الدولة غير موجودة، أو مكترثة بما يفعل، حيث لا شروط ولا نظام ولا رقابة.

وإذا تصادف واعترضت طريقه السلطة من أي باب وخطر لها أن تحاسبه على مخالفة ارتكبها، فالأمر سهل ومقدور عليه، لأن الغرامة محتملة ولن تعجزه أو توقفه، كما أنها لن تردعه.
من المفارقات أن ذلك بالضبط ما حدث مع كارثة عبارة السلام الشهيرة التي قتل فيها غرقا أكثر من ألف و٣٠٠ مواطن مصري.

مع الاختلاف في الحجم والحمولة وخط السير. لأنها أبحرت من ميناء ضبا السعودي إلى سفاجا على البحر الأحمر في مصر.

فالسفينة كانت متهالكة ولم تخضع لأي تدقيق في أوراقها أو مستوى كفاءتها، كما أثبت تقرير تقصي الحقائق الذي تحرى الأمر في حينه. ثم إنها حملت بأكثر من طاقتها،

وحين غرقت في الثاني من شهر فبراير عام ٢٠٠٦، فإن عملية الإنقاذ شابها قدر من التراخي سجله التقرير السابق.

أما ما حدث بعد ذلك، وكيف تم لفلفة القضية فتحولت إلى جنحة لا جناية، ثم هرب مالكها إلى خارج مصر ولا يزال موجودا في بريطانيا حتى الآن، فذلك فصل آخر في الكارثة يفضح المدى الذي وصل إليه الفساد بحيث لم يتلق الجناة ما يستحقونه من عقاب على قتل ذلك العدد الكبير من المصريين.

ولم يكن مستغربا والأمر كذلك أن تستمر الاستهانة بأرواح البشر وأن يظل الترهل والفساد والإهمال كما هو.

ثم أن يتكرر ما حدث مع العبارة بعد ذلك في حوادث الغرق الأخرى التي شهدها نهر النيل.

ما جرى يستدعي أربع ملاحظات هي:
• إن المسؤولين عن التسيب الذي غيب دور الدولة وسمح بتسيير المراكب بلا تصاريح وتمكين كل من هب ودب أن يعبث بأرواح الناس، هؤلاء يجب أن يحاسبوا لأنهم شركاء في الجريمة التي وقعت.
• إن فكرة تشديد العقوبة على المخالفات التي تحدث في مجال النقل النهري، وسبق أن طالبت بها وزارة الداخلية، ينبغى عدم التراخي فيها ويتعين إدراجها على أجندة الإصلاح التشريعي بغير تردد.
• إنني لا أستطيع أن أفصل بين الإهمال في ضبط المسألة سواء من خلال عدم الاكتراث باشتراط التصاريح أو من خلال التساهل في معاقبة المخالفين وبين القيمة الحقيقية للإنسان المصرى في نظر السلطة.

إذ حين تسير المراكب بلا تراخيص ويقودها أناس بغير ترخيص، فإن ذلك إذا أضيف إلى تدهور الخدمات والمرافق فإنه يصبح كاشفا لمدى تدهور قيمة الإنسان الذي لا علاج له إلا بأن يرد للمواطن اعتباره وتحترم حقوقه مع إنسانيته.
إننا نتمنى أن تحظى غيرة السلطة على الخدمات التي تقدم للمواطنين بنصف أو ربع احتشادها لمواجهة الإرهاب الذي يستهدف نظامها.

ذلك أن الذين قتلوا غرقا في نهر النيل بسبب إرهاب الإهمال والفساد مواطنون لا يختلفون في شىء عن أقرانهم الذين يقتلون في أي عملية إرهابية في سيناء أو غيرها.

إذ الأول خطأ جسيم يرقى إلى مستوى تعمد القتل، والثانى قتل مع سبق الإصرار والترصد.

وجميعهم إرهابيون في نهاية المطاف.

………………………

 

تمت القراءة 466مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE