أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > إذ يصبح المخالف عدوًا
إعلان

إذ يصبح المخالف عدوًا

فهمي هويدي

حين قرأت أن وفدا من الفنانين المصريين سافر إلى طهران لحضور مهرجان «الفجر» السينمائي،

في حين أن وزارة الأوقاف المصرية منعت سفر قراء القرآن إلى إيران في شهر رمضان قلت إيران كسبت ومصر خسرت.

 ذلك أن إيران دافعت عن فنها وكبرت في حين أن مصر في هذا المشهد تخلت عن دورها وصغرت.

 

أدري أن قرار الحظر الذي أصدره وزير الأوقاف شمل تركيا وقطر إلى جانب إيران، وهي الدول التي يفترض أنها مشتبكة سياسيا مع مصر في الوقت الراهن.

 

كما أنني لست متأكدا من أن منع القراء تم بناء على قرار شخصي من وزير الأوقاف أم أنه تم بتوجيه من الأجهزة الأمنية.

 وأرجح الاحتمال الأول، لأنه لو كان هناك قرار سيادي في الموضوع لما سمح للوفد السينمائي بالسفر إلى طهران.

لذلك لا أستبعد أن يكون وزير الأوقاف قد تصرف مستلهما اتجاهات الريح السياسية خصوصا أننا نلمس منه حرصا في ذلك بلغ حد المزايدة والغلو.

ناهيك عن أن قرون الاستشعار الأمنية في وزارة الأوقاف تؤدي دورها بهمة ونشاط منذ سنوات،

وقد ارتفعت مؤشرات ذلك التماهي بشدة في الآونة الأخيرة التي شهدت صراعا لم يهدأ مع الإخوان.

 ولأن أجهزة الدعوة في الأوقاف على تماس مع هذه الدائرة، فإننا وجدنا الوزير المذكور حريصا على أن يثبت أنه فارس تلك المرحلة.

 

القاصي والداني يعرف جيدا أن قراء القرآن المصريين لهم سمعتهم العطرة وجمهور المعجبين والمقلدين في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي.

 وهذا الرصيد الإيجابي يعد جزءا من قوة مصر الناعمة الذي يعزز دورها ومكانتها في تلك الأرجاء.

 

بالتالي فإن منع المقرئين من السفر خلال شهر رمضان إلى الدول المختلفة سياسيا مع مصر يعد تفريطا في ذلك الرصيد وسحبا منه،

إذ لن يغيب اسم مصر وتأثيرها فقط في هذه الحالة، وإنما سيحدث ذلك فراغا يسمح لآخرين بملئه.

 في حين أن التصرف العاقل الذي يخدم مصالح الدولة ويحافظ على رصيدها يقضي بمحاصرة دائرة الخلاف السياسي بين الحكومات إذا كان لابد من استمراره.

 

وفي الوقت ذاته الحفاظ على استمرار العلاقات والمصالح بين الشعوب، لأن الأنظمة متغيرة والشعوب ثابتة وباقية.

 أما مصادرة علاقات الشعوب ومصالحها لصالح السياسة وإلحاقها بتلقباتها فهو سمة المجتمعات الاستبدادية، التي تؤمم فيها السياسة لصالح الأنظمة الحاكمة التي لا تكتفي باحتكار السلطة والثروة، وإنما تشكل وجدان الناس ومشاعرهم على النحو الذي يخدم سياساتها، وهى الرؤية الفرعونية التي عبر عنها القرآن (في سورة غافر) حين نقل على لسان الفرعون قوله: «لا أريكم إلا ما أرى».

 الأمر الذي يفرض على الناس ألا يروا محيطهم أو مصالحهم بأعينهم وتبعا لرؤيتهم ومصالحهم.

ولكنهم يصبحون ملزمين بأن يروا كل ذلك فقط بعين السلطة وحساباتها.

 

في بداية ثمانينات القرن الماضي بعد إنجاز دستور الجمهورية الإسلامية في إيران الذي نص على اعتبار اللغة العربية أساسية في البلاد، طلبت طهران آنذاك من الحكومة المصرية إعارتها مجموعة من المدرسين الذين يتولون تدريس اللغة العربية في المدارس الإيرانية،

ولكن الرئيس السادات الذي كان مخاصما للثورة رفض الطلب.

 وكان لذلك أثره على تعثر العملية وإضعاف تعلم اللغة العربية بين الأجيال الجديدة من الإيرانين.

وتلك خسارة كبرى ضيعت على مصر والعالم العربي فرصة توسيع مجالات التعاون الثقافي من المجتمع الإيراني.

وهو البعد الذي لم يره السادات آنذاك لأنه كان متأثرا بمشاعره الشخصية وحسابات اللحظة، التي طغت على الرؤية الاستراتيجية واستبعدتها.

 

إن وزير الأوقاف لم يضع في اعتباره الحفاظ على اسم مصر وتأثيرها في الدول التي منع القراء من السفر إليها.

ولم يلق بالا لكون إيران وتركيا من أكبر وأهم دول المنطقة التي لا ينبغي لمصر الدولة أن تغيب عنها.

لكنه كان مشغولا بالتفاعل والتضامن مع الخصومة السياسية التي يكنها النظام المصري لمخالفيه.

 

وحدث ذلك رغم أن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في مصر ليس موظفا مصريا رفيعا وحسب، ولكن اختصاصه بشؤون الدعوة الإسلامية يوسع من محيط عمله ويحمل بمسؤولية عابرة للحدود المصرية، وبقراره فإنه قدم نفسه باعتباره موظفا حكوميا وليس رجل دعوة ولا حتى رجل دولة.

 

رغم خصوصية موقعه إلا أن وزير الأوقاف لم ينفرد بالتصرف الذي أقدم عليه. لأن ما حدث مع إيران بخصوص المقرئين تكرر بصورة أوسع مع تركيا. التي منع سفر طلاب قسم اللغات الشرقية من السفر إليها،

 كما أن الخلاف السياسي أدى إلى تدهور العلاقات على مستويات عدة، كان التعاون الاقتصادي من أبرزها.

 أما تدهور العلاقات مع قطر فحدث فيه ولا حرج، لأن بصمات الخصومة السياسية لم تترك مجالا وانطبعت عليه وأثرت فيه بالسلب.

 

أختم بملاحظتين،

 إحداهما أنه مما يثير الانتباه ويبعث على الدهشة أن عمق الخصومات واتساع نطاقها يحدث مع الدول الشقيقة بوجه أخص ــ عربية كانت أم إسلامية ــ لكنه لا يحدث بنفس القدر مع الدول الغربية والآسيوية الأخرى، (هل لأن العَشَم أكبر في الأشقاء؟).

 

 الملاحظة الثانية أنه ما إن يرفع رضا السلطة في مصر عن شخص أو مؤسسة أو دولة، حتى تتسابق مختلف الجهات في تصفية حساب السلطة مع ذلك الطرف والإعراب عن عدم رضاها عنه.

وهو ما نلمسه في أجهزة الإعلام وأجهزة الأمن والإدارة وصولا إلى الجمارك والضرائب والمصارف وغير ذلك،

وهو ما يحول عدم الرضا السياسي إلى لعنة تلاحق الطرف المستهدف في دنياه، وربما تمنوا ان تطارده في آخرته؟

………………..

تمت القراءة 155مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE