الرئيسية > كتاب اللواء > أوراق عتيقة من تاريخ حزب البعث ج2
إعلان

أوراق عتيقة من تاريخ حزب البعث ج2

قراءة في مذكرات الاستاذ عبد الستار الدوري المعنونة ( أوراق عتيقة من تاريخ حزب البعث ) ، ج2

د . موسى الحسيني

drmalhussaini@gmail.com

 كما ذكرت في الجزء الاول من قرائتي لمذكرات الاستاذ عبد الستار الدوري التي يتداخل فيها  أسلوب السرد الروائي ، بمنهج الباحث والمحقق التاريخي المقارن . يبتعد فيهاالكاتب عن ما عرفناه عادة عند اغلب من كتبوا

د . موسى الحسيني

د . موسى الحسيني

مذكراتهم من بعثي الجيل الاول ، وغيرهم ،  بما ينسبونه لانفسهم من روايات تمركز ادوارهم كمحور ما كان لعجلة التاريخ ان تدور لولاه ، يعلقون الاخطاء على شماعات الاخرين  لانهم لم يستمعوا لاراء الكاتب التي كان يمكن ان تغير  مسار الوقائع التاريخية . يسرد الدوري كيف انه  عاش ادوار تاريخية مهمة يبسطها دون ان ينسى انها ليست الا تكملة لادوار الاخرين الكبيرة.

  ان مناقشة الاحداث الواردة  في المذكرات قد يحتاج الى كتاب بحجم المذكرات . عرضنا هذا  سيتناول اهم ما ورد بها من خلال اربع اسماء  لعبت  أدواراُ أساسية  في مجرى الوقائع التي تغطيها المذكرات ، هي أسماء  كل من شفيق الكمالي ،  علي صالح السعدي وفؤاد الركابي  ، وعبد الكريم قاسم ، فهي الاكثر تاثيراعلى الكاتب بعد والده ،  انعكس تاثيرها على تقيمه لهم ، دون ان يفقد موضوعيته .

 ليس عندي اي خلفية عن الاستاذ شفيق الكمالي ، الذي تعرفت عليه لاول مرة من خلال مذكرات الدوري ، ولا أقدر أن أقدم رايأُ خاص به . أما علي صالح السعدي وفؤاد الركابي ، ألقى كاتب المذكرات  اضواء جديدة على الشخصيتين ما يستحق الوقوف عندها كثيرا ، لذلك سنخصص هذا الجزء لعبد الكريم قاسم ، الشخصية الاكثر اثارة للجدل بين مؤيد ومعارض ، معجب وكاره  ، رغم ان الاستاذ الدوري حاول ما امكن ان يكون حياديا  وموضوعيا  ،مع أنه لايخفي موقفه المعارض لعبد الكريم قاسم  . فهو يعرض اهم المنجزات التي حققها عبد الكريم قاسم  كاطلاق سراح السجناء السياسيين ، ورفع رواتب الجنود والضباط ، تحديد ساعات العمل الليلي ب 7 ساعات والنهاري ب 8 ساعات ، و اصدار قانون الاصلاح الزراعي وبناء الدور لبعض الفقراء( المذكرات ص :179-181 ) ، ويضخم الدوري من  مردودات هذه المنجزات بل يعطيها صفات الاحداث التاريخية المميزة ، الا انه لم ينتبه الى ان مجمل تلك الاعمال اتخذها عبد الكريم بهدف حشد بعض القوى الشعبية والشيوعية  لدعمه  في صراعه مع عبد السلام عارف ومجموعة الضباط القوميين.

 قانون الاصلاح الزراعي مثلا تم الاعلان عنه بنفس اليوم الذي تم فيه عزل عبد السلام من مناصبه لتصبح قضية هذا العزل امرا ثانويا عند ملايين الفلاحين العراقيين ، وبقية الشعب ، نفس الغاية كانت وراء اطلاق سراح المسجونين وغالبيتهم من الشيوعيين لمواجهة التيار القومي الوحدوي الطاغي على الشارع العراقي .  وذاك اسلوب ميكافلي  اعتمده السادات ، أيضاُ ، في مواجهة التيار الناصري عند اطلاق سراح  السجناء وغالبيتهم كانوا من الاخوان المسلمين المعادين للتيار الناصري ( مذكرات جيهان السادات ص 295- 320 ) ، نفس الموقف أتبعه بعثيوا الجيل ألثالث عند وصولهم  للحكم في 17 تموز 1968 ، لتهداة مخاوف الناس والقوى السياسية  نتيجة ما ترسب من ذكريات عهد البعث الاول عام 1963 ، وبهدف مواجهة الحركات القومية الناصرية  والجناح الاخر لحزب البعث الذي  يًعرف بالبعث اليساري .

 قدم الاستاذ عبد الستار تحليلا موضوعيا لشخصية الزعيم الاوحد ، نجح  في تصويرها كذات  قلقة ، مريضة بأنا مضخمة ،  ونرجسية  حادة كما هو شائع ومعروف عنه . يكفي لاستثارتها ضغط الشعور بالذنب  والدونية والصغر تجاه من انجز الثورة عملياتياُ ، العقيد الركن عبد السلام عارف ( مجيد خدوري ، العراق الجمهوري ، ص :66 ) . وكذلك  تجاه مؤسسي حركة الضباط الاحرار الاوائل  ونشطائها امثال رفعت الحاج سري  ، ورجب عبد المجيد وغيرهم من الضباط القوميين .

الا ان الدوري يقع بنفس الخطأ ألتاريخي الذي روج  له بعض من كتب عن ثورة تموز  بقصد تزوير الاحداث ، وتمجيد عبد الكريم ، واضفاء بطولات  وميزات لاوجود لها  على شخصه، عندما  أعتبر الدوري ان عبد الكريم كان قائد الثورة رغم ان المذكرات جاءت بصورة تقترب  من التحقيق التاريخي المقارن ، فكان هذا الاعتبار من اكبر الاخطاء المنهجية في المذكرات ، فقد خصص  الكاتب فصلا في ج2   تحت عنوان : قاسم .. قائد الثورة( ص : 179-182 ) .  رغم انه عاد ليصحح هذا الخطأ في الفصل التالي الذي جاء بعنوان : قاسم .. قائد الثورة المضادة ( ص : 183-192 ) . تلك كانت الهفوة الاولى عند الدوري في تقيمه  لعبد الكريم قاسم ودوره في ثورة 14 تموز ،مع أنه ليس الا سارق للثورة.

 ارتبط كل من عارف وقاسم  بصداقة قوية لسنوات طويلة تعود الى عام 1952 اثناء خدمتهما في البصرة . الا أنه  لم يكن عبد السلام اثناء تنفيذه للثورة وقبلها بفترة طويلة   تابعا  وفقا لسلسة المراجع العسكرية لوحدة عبد الكريم قاسم اللواء 19 او آمرته ، بل كان امر فوج الثالث في اللواء العشرين ، الذي يقوده الزعيم ( العميد ) الركن يحيى حقي محمد علي ، كان  ل20  مستقلا عسكريا بشكل كلي  في امريته وواجباته عن لواء  قاسم ( ل 19 )، وكلا اللوائين كان تابعا للفرقة الثالثة . فلا امرة لعبد الكريم بحكم التسلسل العسكري على عبد السلام .  العلاقة محكومة  بالتزامات الصداقة والثقة المطلقة من قبل عبد السلام بالاخر فقط  .  

نفذ عبد السلام ، بمفرده ، وبعملية جريئة مجنونة  تمكن بلواء واحد  – ل20-، وتسليح وعتاد محدود ، ان يسقط النظام الملكي ، في حين كان عبد الكريم بعيدا  بمسافة 100  كم تقريباُ عن بغداد التي لم يصلها الا بعد اذاعة البيان الاول للثورة باربع ساعات ( الساعة العاشرة والنصف ، كما يحددها اسماعيل العارف في مذكراته ، ص : 175 ) ،ولواءه يحتاج الى 5 ساعات على الاقل للوصول الى بغداد حسب تقديرات  عبد الكريم نفسه ( بطاطو الكتاب الثالث ، ص : 96 ) ، وفي الموازين العسكرية يكفي هذا الوقت للقضاء على اي حركة تمرد، ومحاصرة بغداد  لمنع دخول اية قوات غير موالية للنظام الملكي.  هنا يبرز السؤال المهم ، والملاحظة التالية : ان عبد السلام بدأ بتنفيذ الانقلاب في الساعة الرابعة  صباحا ، وأذاع بيانها الاول في الساعة السادسة ،  وحتى الساعة العاشرة والنصف ، وقت وصول عبد الكريم الى بغداد ، كان خلالها  اقوى رجل في العراق ، اسقط النظام الملكي واسر قائد فرقته ( فق3 ) اللواء غازي الداغستاني خلال مروره بقيادة الفرقة ، واحال  قادة الفرق الباقية واكثر من 40 ضابطا من كبار ضباط الجيش العراقي على التقاعد ، فهو لم يكن يحتاج لاكثر من بيان لاسقاط قاسم ، لو اراد ، باحالته على التقاعد ، او حتى القاء القبض عليه عند وصوله وحيدا بدون قطعاته  الى بغداد ودار الاذاعة العراقية حيث يقيم عبد السلام  ، خاصة وان قاسم كان معروفاُ بعلاقاته الخاصة بنوري السعيد ، وموضع ثقته ، ما يعطي عبد السلام المبرر الكافي لاعتباره من انصار العهد الملكي  .

ان هذه الظاهرة تؤشر الى حجم ثقة عبد السلام  المندفع نحو الاسراع بتحقيق الوحدة مع ج.ع .م ، بعبد الكريم ، واثقا من قبول عبد الكريم قاسم لفكرة الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وقيادة عبد الناصر لدولة الوحدة ، ليس في نفسه من شك ولو صغير يمكن ان يمنعه من تسيلم عبد الكريم قاسم  منصب رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع ، والا فهو يمتلك القدرة الكلية ليعطل او يلغي تاثير  عبد الكريم قاسم  ويجريده من قوته اسوة ببقية الضباط الكبار لو كان هناك ما يثير الريبة في نفسه في نوايا  عبد الكريم وما يضمره من توجهات عدوانية تجاه الجمهورية العربية المتحدة او مجموعات الضباط القوميين .

ومهما قيل ،و ما روجه  القاسميين عن مشاركة  عبد الكريم  بالثورة ، لم تكن  تلك الروايات الا  مجرد قصص وهمية ملفقة . يذكر اسماعيل العارف ، مثلا ، ان عبد الكريم سرب سيارة لوري محملة بالاعتدة لموكب عبد السلام كمنجزهام للدلالة على مساهمة عبد الكريم بالثورة  (مذكرات اسماعيل العارف ، ص :171 )، في حين ان باحث موضوعي محايد   مجيد خدوري ، في كتابه ( العراق الجمهوري ، ص : 85 ) يذكر ان الاعتدة كان قد جمعها عبد السلام عارف  منذ عام 1957 بمساعدة  مدير التدريب العسكري الزعيم ناجي طالب ، في حينها ، وليس عبد الكريم قاسم . اما ان يذكر اسماعيل العارف كون ان خطة الثورة وضعها  كل من عبد الكريم وعبد السلام والمقدم عبد اللطيف الدراجي امر الفوج الاول في ل20 ( مذكرات  العارف نفس الصفحة اعلاه ) ، ليست بذاك  الانجاز الكبير في دلالته  الذي  يلزم عبد السلام باعطاء عبد الكريم هذا الدور الكبير في رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع . ليس صعبا على عبد السلام الذي قضى بالخدمة كضابط لاكثر من 20 سنة ، ويحمل رتبة  الاركان ان يضع بالتعاون مع رفيقه عبد اللطيف الدراجي خطة لاحتلال  المراكز الحساسة في بغداد ، وهو ابن المدينة . حتى ان الثورة ما كان لها ان تنجح لولا تدخل الرئد محمد السبع بمدفعه المضاد للدبابات ، ودبابات أخيه العقيد عبد الرحمن عارف، بعد فشل القوة المهاجمة لقصر الرحاب من السيطرة على القصر، لولا نجدات ضباط معسكر الوشاش . ثم ان مذكرات الاخرين تذكر ان خطة احتلال بغداد كان يتم تداولها بين الضباط في اجتماعاتهم التي استمرت لاشهر طويلة قبل الثورة (انظر على سبيل المثال ، صبحي عبد الحميد ، اسرار ثورة 14 تموز في العراق ، ص : 77 ) . اكثر من هذا كان عبد الكريم قاسم قد رفض أقتراح رفعت الحاج سري بأن يقوم عبد الكريم قاسم العائد بلوائه من غرب العراق عام 1956  بتنفيذ خطة الثورة ،( عبد الكريم فرحان ، ثورة 14 تموز في العراق ، ص :61 ) وليس هناك من تفسير للامر غير خوف وجبن عبد الكريم من الفشل المتطلع لسرقة مبادرات الاخرين . كما سبق اناعترض عبد الكريم قيام العقيد عبد الوهاب الشواف بتنفيذ الخطة في شهر مايس 1958 ، لانه عرف ان الخطة تقرر ان يتولى مزهر الشاوي رئاسة الوزارة ، والشواف وزيراُ للدفاع ، وعبد الكريم  رئيسا لاركان الجيش ( صبحي عبد الحميد ، ص 68-70 . كذلك مذكرات الدوري  موضوع النقاش ، ص : 175-177   ) .

اما كون عبد الكريم كان رئيسا لهيئة الضباط الاحرار فهذا ايضا ليس له من دلالة تلزم عبد السلام بتقديم قاسم عليه ، فباجماع من كَتب عن الهيئة واحداث 14 تموز ، كانت رئاسة الهيئة عند بدء النشاط ، تتشكل من (12) ضابط برئاسة العميد الركن محي عبد الحميد باعتباره الضابط الاقدم  ، ثم 14 ضابط بعد انضمام عبد الكريم وعبد السلام ، انتقلت الرئاسة الى عبد الكريم قاسم  بحكم الاعراف والتقاليد العسكرية ، كونه  الضابط الاقدم ( خدوري ، ص : 39 )  ، وليس لميزة اخرى  عند قاسم ، لا نشاطه ولا قدم انتسابه  الذي جاء متاخر جدا بالنسبة لبقية  اعضاء الهيئة التي كانت قد تشكلت قبل انضمام قاسم لها باكثر من سنة ، وبمبادرة من  العقيد رجب عبد المجيد . مع ذلك فان رئاسة قاسم للجنة لا تلزم عبد السلام على  تنصيب قاسم في المناصب اياها .ان عبد السلام وبتحريض من قاسم على ما يبدو كان قد افتعل بعض الخلافات مع الهيئة العليا ، وانقطع كلاهما عن حضور اجتماعاتها ، ولم يخبرا اللجنة  بميعاد التنفيذ ، بل اشاع عبد السلام انه قرر تاجيل التنفيذ ، ولم يخبر الا اربعة من ضباط الحلقة الوسطية لانه كان بحاجة لهم  كأدلاء  للقطعات الثائرة على اهدافها . أي ان عبد السلام لم يحترم او يأبه برضى الهيئة العليا كثيرا ولو اراد لتعامل مع عبد الكريم قاسم بنفس الاسلوب  لما كان ذلك صعبا عليه ، ما يؤشر الى مستوى ثقته واعتزازه  بقاسم ، مع ان اغلب  أعضاء الهيئة  كانوا من المحسوبين على الخط القومي ، وممن يؤيدون الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ( مذكرات اسماعيل العارف ،ص :  135) ،  و ( مجيد خدوري ، ص :38  ) ،اكثر من هذا  حدد صبحي عبد الحميد عدد القوميين منهم ومؤيدي الوحدة  ب 9 من 14  ، كان بامكان عبد السلام ان يستعين بهم على عبد الكريم قاسم ،أو على ألاقل أن يستعين [اخيه العقيد عبد الرحمن عارف ، عضو الهيئة العليا للضباط الاحرار ، وقائد اهم وأقوى وحدة دبابات في معسكر الوشاش في بغداد ، لو كان يتوجس خيفة من عبد الكريم ، اويحسب الحساب لاحتمال انحرافه عن واحد من اهداف الثورة .

  ان الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة كانت من الاهداف المتفق عليها بين الضباط الاحرار كما تكشف مذكرات  بعض من اعضاء اللجنة العليا للمنظمة ( عبد الكرين فرحان ، محمد حسين الحبيب ) ، وعضوالحلقة الوسطية  صبحي عبد الحميد ، حتى  الضابط القاسمي  اسماعيل العارف لاينفي ذلك الا انه صاغ الامر بالطريقة الملتوية التالية : ” اقامة امتن الروابط مع الدول العربية المتحررة والنضال معها لتحرير بقية الشعوب العربية من الاستعمار” ( اسماعيل العارف ، اسرار ثورة 14 تموز ، ص : 133-134 ) ويؤكد في الصفحة التالية  : 135 على  حقيقة  ” كانت نسبة عالية من الضباط الاحرارتميل الى الافكار القومية ولبعضهم اتصالات شخصية  بالاحزاب القومية المعروفة العلنية والسرية “.   كانت الافكار القومية تتركز على تحقيق الوحدة وتحرير فلسطين قبل اي شئ اخر.

 الا ان نرجسية عبد الكريم قاسم وانانيته  التي عززها الحزب الشيوعي من خلال  الشعارات والهتافات التي تمجد بشخصه وتنفخ في نزعات الغرور عنده : ” ماكو زعيم الا كريم ” ، ” الزعيم الاوحد البطل ” ، ” ابن الشعب البار ” ، “صداقة سوفيتية واتحاد فدرالي ” وغيرها من الشعارات التي ما كان يحتاج لاكثر منها  لينتفخ عنده النرجسية والغرور ويعتقد انه يمكن ان يكون ذلك القائد الفذ المكافئ للرئيس عبد الناصر ، ويستغل انشغال  قائد الثورة الحقيقي عبد السلام عارف  بالتواجد خارج بغداد مبشرا بالوحدة  والتمجيد بشخصية الرئيس جمال عبد الناصر .

 نجح عبد الكريم بعزل عبد السلام  عن بقية الضباط القوميين اولا ، بل عن بقية الضباط الاحرار ، فهو  يتفق مع عبد السلام على رفض تشكيل مجلس قيادة للثورة ، ويدعي امامهم بأن الامر يعود لرغبة وارادة عبد السلام الرافض لتشكيل هكذا مجلس ، ويبعد قطعات اللواء العشرين ( لواء عبد السلام الذي نفذ الثورة ليلة 14 تموز عن بغداد) ، وكتبة الدبابات التي بأمرة أخيه عبد الرحمن عارف والتي شاركت بدباباتها في أحتلال قصر الرجاب ( قصر الملك وولي عهده ) ، ويشتت الضباط القوميين على القطعات خارج بغداد ، ليحشد الضباط الشيوعيين او من يضمن ولائهم له ، في العاصمة  .

يبدو ان عبد الكريم الخبيث المخاتل كان قد مرر حتى على بقية القوميين  ميوله الوحدوية  ورغبته في تحقيق الوحدة مع  ج.ع.م منتظرا نضج الظرف الدولي المناسب ، كما يدعي . يكشف الاستاذ عبد الستار الدوري في مذكراته حادثة نقلها عن علي صالح السعدي بعد القاء عبد الكريم  خطابه الاول بمواجهة الجماهير المحتشدة امام وزارة الدفاع  يوم 16 تموز 1958  اي بعد يومين من الثورة ، لم يتطرق به لذكر الموقف من ج.ع .م ، حتى ولا بصيغة الشكر على موقفها المؤيد والداعم للثورة، الى حد اعتبار ان اي اعتداء على العراق يعتبر اعتداء  على ج.ع .م . يعتقد السعدي ان عبد الكريم قاسم كان اكثر اندفاعا لتحقيق الوحدة من عبد السلام ، الا انه يريد مفاجأة قوى الاستعمار والرجعية لمنع تصديها  له . ويفهم القارئ ان السعدي نقل هذا التصور  عن فؤاد الركابي ، الامين القطري للحزب ، والوزير في اول وزارة شكلها الضابطين عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم ( المذكرات ، ج1 ، ص : 157 ) . ما يضيف سمة جديدة تؤكد كيفية لجوء عبد الكريم قاسم للحيلة وتقديم الوعود الكاذبة  بانتظار الفرصة المناسبة  لينقض على منافسيه . فاظهر لفؤاد هذا الموقف – المناور. متطلعا لكسب الوقت للانقضاض على مشروع الوحدة والضباط الوحدويين ، من خلال حشده ودعمه لفعاليات وانشطة الحزب الشيوعي العراقي الخاصع لتاثيرات خالد بكداش ( سكرتير الحزب الشيوعي السوري ) ، وفأجير  الياهو ( سكرتير الحزب الشيوعي الاسرائيلي ) وسايم رضا سايم ( سكرتير حزب تودة الايراني ) وما قرروه في اجتماع  دير ماركوركيس مع اعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ، لمواجهة  قوى الحركة القومية العربية في العراق ،الترويج للشعارات المعادية للوحدة. ( جمال مصطفى مردان ،عبد الكريم قاسم البداية والسقوط ، ص :75 ) .

ولعل اقتراح عبد الكريم قاسم ان يتولى حزب البعث ، وليس  أي جهة أخرى ، جريدة ناطقة باسم ثورة 14 تموز – جريدة الجمهورية – ( المذكرات ، ج2 ، ص : 95 ) ، يبدو انها كانت حلقة من حلقات المناورة التي لعبها عبد الكريم مع القوميين ، ليخدرهم ويوهمهم أنه مع الوحدة .

 السقطة المنهجية الاخرى في  سرد كاتب المذكرات – الاستاذ عبد الستار الدوري – لتجربته مع  عبد الكريم قاسم ، التي أضعفت من ميزة تفرد المذكرات بمنهجية جديدة ، هي وقوفه طويلا عند كاتب مغمور لايلتزم بمنهجية محددة ولا بالموضوعية في كتاباته التي يطلقها على عوهنها دون اسناد او دليل او مصدر  ، حتى  انه يبدو لم يقرأ شيئا مما قاله الاخرين في عبد الكريم حتى اكثرهم تحيزا لعبد الكريم كما هو اسماعيل العارف او عبد الكريم الجدة( المذكرات ،ج1 ، ص : 110-114 )  ، كل مصادره  ومراجعه لرواياته هو اباه ، الذي كان ضابطا صغيرا في ل19 ،ولا ضير ان يكون الانسان وفياُ لابيه ، فتلك صفة محببه ، لكن ليس الى حد تزوير التاريخ والاحداث ليعرض صورة بطولات ابيه الوهمية .، رغم ان الدوري عقب بعد اعطاءه اربع صفحات  من النقاش منتقداُ ادلة هذا الكاتب المغمور فيقول “هل ياترى ان هناك أدلة سرية لايجوز البوح بها ، أم أن هناك أدلة شبحية  هائمة فقط في سماء التخيلات الوردية الراسخة في وعيه وذهنه ، ومهما كانت الاجابات ، فأن غياب الادلة الموثقة  لايمكن ابداُ ان تضفي الطابع الجدي والصادق على مضمون النص الذي اورده الدكتور بل يتحول مع الاسف الى مجرد ادعاءات دعائية فارغة ” ( المذكرات ،ج1 ،  ص : 112 ) .

والصورة التي قدمها الاستاذ الدوري عن هذا الكاتب المغمور تشبه الى حد ما  ما سبق ان قدمته من وصف لنفس الكاتب ،( قبل ان يستخدم لقب الدكتور التي  اصبحت موضة  ما بعد الاحتلال الاميركي وعصر العولمة عند الكثير من العراقيين) . عندما وصفته  : كونه على ما يبدو من  الواقعين تحت تاثير  أفلام الكارتون  والمغرمين بمشاهدتها الى حد الهوس، عندما كان يكتب بنفس  الطريقة في جريدة الزمان عام 2000 ، يخلط الاحداث فيقفز من سنة الى اخرى عابراُ ما بينهما من  سنوات عديدة ، على طريقة افلام الكارتون او الافلام الهندية ، ما اضطرني للرد عليه ، فتوقف او توقفت الجريدة عن النشر له ..

والسؤال للاستاذ الدوري هو : مادمت تعرف حقيقة الهيامات والاوهام هذه عند هذا الكاتب فهل يستحق التوقف  عند ما كتبه على مدى 4 صفحات ، في مذكرات تؤشر لمراجعة مئات المصادر ممن ساهموا بالاحداث او عاشوها .

يتبع ، الجزء الاخير سنخصصه لمناقشة ما ورد في المذكرات عن علي صالح السعدي وفؤاد الركابي

On 31 October 2016 at 17:57, mohamed el-sharkawy <maelsharkawy@gmail.com> wrote:

http://www.alnabaa.net/552752

Dr. Mousa Alhussaini

@mzalhussaini

عن د . موسى الحسيني

د . موسى الحسيني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE