أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > أستاذي وعالم الاجتماع : الجيلالي اليابس
إعلان

أستاذي وعالم الاجتماع : الجيلالي اليابس

معمر حبار

econo.pers@gmail.com

مقدمة التلميذ

“نقول : نحن علماء الاجتماع”. بهذه العبارة المدوّية، يبدأ محاضرته في علم الاجتماع، ويردّدها من حين لآخر، بل ظلّ يردّدها على مسامع طلبته طيلة السنوات 1986 – 1990، وما بعدها .. إنّه أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس، رحمة الله عليه.

كمال الجسم.. من تمام العلم

كان طويل القامة، تزيده وقفته بهاءً وجمالا، متناسق الجسم، وكأنّه رُسم رسما. لايعرف الانحناء ، إذا تحدّثت معه، عليك أن تظلّ رافعا بصرك إليه، خاصة إذا كنت من ذوي متوسط القامة.

من حَسُنت هَيأته .. حَسُن علمُهُ

طيلة أربع سنوات ، لم يأت مساءً بملابس الصباح، ولم يأت غدا بملابس اليوم. فكان يغيّر طيلة هذه المدة، ملابسه ومحفظته، وحذاءه، صباح مساء. فكان وهو الأستاذ: يتفوّق على الشباب في الرشاقة والأناقة، لِمَا أوتي من جسم متناغم، وبراعة في مزج ألوان وأشكال اللباس.

فن إلقاء المراجع

يبدأ دائما محاضراته، بتقديم المراجع الخاصّة بالمحاضرة المعنيّة بالإلقاء، دون غيرها من المحاضرات. وميزة هذه الطريقة، تكمن في كونها يستوعب الطالب مراجع المحاضرة، ويستطيع أن يعود إليها في حينها. وبإلقاء المحاضرات، يتحصّل الطالب على مجموعة هائلة من المراجع. فكانت طريقة أستاذي، أفضل من حيث ترسيخ المراجع، وتشويق الطالب إليه، ودفعه للبحث عنها وقراءتها، وتلخيصها، ونسخها.

بينما أساتذة آخرون كانوا يقدّمون مراجع السّنة في أوّل محاضرة، فلا يستطيع الطالب استيعاب المراجع، إما ينساها لأوّل مرة، أو يسأم من البحث عن الكم الذي قدّم له، بل حتى الأستاذ الذي قدّمها لن تبقى في ذاكرته.

 لغة أستاذي .. و لغة مالك بن نبي

الأستاذ الجيلالي اليابس، أبدع في اللّغة الفرنسية، نطقا وتأليفا، ولا يضاهيه أحد في هذا الجانب. ولكن رغم ذلك، كان يبذل أقصى ماعنده ليقدّم المحاضرة باللّغة العربية الفصحى، وكانت يومها المحاضرات تقدّم أغلبها باللّغة الفرنسية. وأبدع في خلق مصطلحات عربية فصحى، تُنسب إليه وحده، ويعجز المعرّبون عن الإتيان مثلها. فكان ينطق المصطلحات باللّغة العربية الفصحى، وينطقها نطقا سليما، ثم يترجمها إلى اللّغة الفرنسية، فينطقها بنطق يأسر قلب صاحب الضاد ، التي مازال رنينها يراقص الأذن إلى اليوم.

ولم أجد مثالا يضاهيه في هذا الشأن إلا الأستاذ مالك بن نبي، رحمة الله عليه. كان بن نبي، آية في اللغة الفرنسية، تفوّق على أهلها وأصحابها، تفوقا لاينازعه فيه أحد. وكانت كتبه الأولى باللّغة الفرنسية، ثم تُرجمت إلى اللّغة العربية. ولكن بعد استرجاع السيادة الوطنية، عزم أن يكتب باللّغة العربية، فكان أوّل كتاب له باللغة العربية، هو: “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”. وتكاد تجزم حينما تقرأ الكتاب لأول مرة أنّ الكتاب مترجم، وما هو بمترجم، لكن الجهد الكبير الذي بذله بن نبي في ميدان اللّغة العربية، هو الذي جعل كتبه التي كتبها باللّغة العربية، لاتقلّ شأناً ودقّةً وجمالا عن الكتب التي ترجمت له.

ونفس المسار ينطبق على الأستاذ: الجيلالي اليابس، فقد أبدع في اللّغة العربية، وفي نحت المصطلحات، حتى أمسى مدرسة تنسب إليه مصطلحاته. وهو المفرنس حتى النّخاع، والمتقن للّغة الفرنسية إلى حد الكمال والإبداع.

الوطني الحاضر .. و المحلي الغائب في الأستاذ

محاضرة الأستاذ هي بين لغة عربية فصحى عالية المستوى من حيث المصطلحات العلمية الدقيقة، وبعض المصطلحات باللّغة الفرنسية الرفيعة جدا، والتي تحتاج إلى تركيز شديد لفهمها وهضمها. ولا يتحدّث العامية، التي تميّزه من ناحية المنطقة.

فلو درست عنده أربع سنوات، لاتستطيع أن تعرف من أيّ منطقة جزائرية هو، ويكفي في ذلك متابعة هذه القصّة التي مازالت راسخة رسوخ الجبال، رغم مرور 28 سنة ..

طلبت من الأستاذ أن يعيرني كتاب، سبق أن ذكره ضمن المراجع، التي يقدّمها في بداية أيّة محاضرة. وبعد أن قرأت الكتاب، حاولت أن أعيده للأستاذ، فلم أجده. وبعد اللّقاء بالأستاذ قلت له: أحضرت لك الكتاب في المرّة السابقة، ولم أجدك. فقال ، بلهجة وهرانية: وَاهْ .

فعلمت حينها، وحينها فقط، أنّه من الغرب الجزائري، ولولا هذه الحادثة لما عرفت أنّه من المنطقة الفلانية أو تلك. والسبب في ذلك: أنّ حديثه إما باللّغة العربية الفصحى، أو اللغة الفرنسية العالية المستوى. فأنت مجبر، أن ترفع مستواك إلى القدر الذي تستطيع، لكي تنال منه ماتستطيع، ولو كنت معه على قارعة الطريق.

الأستاذ الوزير

عيّن الأستاذ الجيلالي اليابس وزيرا للتعليم العالي، أثناء التسعينيات. وكانت فترة التسعينيات: فترة عصيبة مرّت بها الجزائر، زهقت فيها أرواح، وانتهكت أعراض، وخرّبت بيوت، وهجّرت عائلات، وأحرقت مباني ومزارع.

وتشاء حكمة ربّك، أن يُغتال غدرا، وتفقد الجزائر والأمة العربية جمعاء، شمعة كان من المفروض أن تبقى تضيء الكون ، وتحميه من الظلمات، وتخرجه إلى النور. ولكنه الغدر والهوان، حينما يسفك دماء، من قدّموا دماءهم لهذا الوطن العزيز.

كلمة حق

 هذه كلمات صادقة، حان وقت بعثها، وإخراجها من سجن الصدور، ذكرها تلميذ، ظلّ معجب بأستاذه، طيلة أربع سنوات. ويرى لزاما عليه، أن يكتب أسطرا في حقّ أستاذه، لعلّه يكفّر بذلك عن ما فرّطه في جنب من تعلّم عنه، أدب العلم، وعلم الأدب.

رحم الله ، أستاذي وعالم الاجتماع: الجيلالي اليابس. وأسكنه الفردوس الأعلى. ونفعنا بعلمه، وغفر لنا فيما قصّرنا في جنبه.

 

 

 

 

 

تمت القراءة 312مرة

عن معمر حبار

معمر حبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE