أتصل بنا
الرئيسية > كتاب اللواء > أسئلة العاصمة الجديدة
إعلان

أسئلة العاصمة الجديدة

فهمي هويدي

النتائج التي حققها مؤتمر شرم الشيخ تستحق الحفاوة لا ريب، إلا أنني لم أستطع أن أبلع مسألة العاصمة الجديدة التي قيل إنها ستقام على بعد ٤٥ كيلومترا من القاهرة وستتكلف ٤٥ مليار دولار.

وإذا كنت قد تساءلت أمس عن حظوظ الفقراء من مشروعات المؤتمر وصفقاته، فلدي اليوم أسئلة أخرى بخصوص مشروع العاصمة الجديدة منها ما يلي:

 ما هي المشكلة التي ستحلها؟ وما هي جدوى المشروع؟

 وإذا ثبتت الجدوى فما هو ترتيب العاصمة الجديدة بين أولويات جدول أعمال النهوض بالواقع في مصر؟

 ثم ما هو الموقع الأنسب لإقامة تلك العاصمة؟

 أخيرا ما هي الجهة أو الجهات التي عليها أن تدرس المشروع وتجيب عن أسئلته؟
أدري أن فكرة العاصمة الإدارية مطروحة في أروقة السلطة منذ نحو أربعين عاما، حين وضع الرئيس الأسبق أنور السادات في عام ١٩٧٦ حجر الأساس لمشروع تلك العاصمة التي أعطاها اسمه، لكن الفكرة أجهضت حينذاك وأصبحت مدينة السادات تجمعا سكانيا عاديا على هامش التاريخ.
ومرت الفكرة بأطوار عدة كان بينها أن حكومة الدكتور أحمد نظيف أرسلت في عام ٢٠٠٧ خطابا إلى مجلس الشورى بخصوص إقامة العاصمة الجديدة، لكن المشروع لم ير النور وتوقف عند ذلك الحد.

 ومن الواضح أن المشروع تأجل ولم يمت، لأنه طرح مرة أخرى في عام ٢٠١٠ في إطار مخطط كان عنوانه «مصر ٢٠٥٠»، ولكنه بدوره ظل مشروعا على الورق، إلى أن تبنته وأخذته على محمل الجد حكومة المهندس إبراهيم محلب الحالية،

وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد أشار إليه في حديث له أشار فيه إلى تمدد القاهرة إلى منطقة العين السخنة.
وحين أعلنت التفاصيل في مؤتمر شرم الشيخ تبين أن موقع العاصمة الجديدة على بعد ٤٥ كيلومترا من القاهرة، في الطريق إلى العين السخنة. أي أنها ستكون بمثابة ضاحية متطرفة للعاصمة الأصلية.
التفاصيل حملت أكثر من مفاجأة أخرى.

 إذ طبقا لما أعلنه وزير الإسكان الدكتور مصطفى مدبولي ستقام العاصمة الجديدة على مساحة ١٦٠ ألف فدان.

وهي بذلك تعادل مساحة سنغافورة وثلاثة أضعاف مساحة واشنطن و١٢ ضعفا لمساحة مانهاتن.

وستضم العاصمة المنشآت التالية:

مليونا ومائة ألف وحدة سكنية تستوعب خمسة ملايين شخص

 ــ ٢١ منطقة سكنية تحتوي على ١٠٠ حي

 ــ ٢٠٠٠ مدرسة

 ــ ٦٦٣ مرفقا للرعاية الصحية تضم ١٨ مستشفى إقليميا

 ــ ٤٠ ألف غرفة فندقية

ــ أكبر حديقة على مستوى العالم

ــ مدينة ملاهٍ على مساحة تعادل أربعة أضعاف ديزني لاند

 ــ ٩٠ كيلومترا مربعا مزارع للطاقة الشمسية

ــ مطار أكبر من «هيثرو» في لندن

 ـ جامعات على أحدث طراز وأرقي مستوى

 ــ شبكة طرق جديدة تصل إلى ستة آلاف ميل

 ــ قطار كهربائي وآخر فائق السرعة إلى جانب وسائل النقل الحديثة

 ــ ذلك كله إضافة إلى حي حكومي على مساحة ألف فدان

 ــ وحي دبلوماسي للبعثات والسفارات الأجنبية.. الخ.

مما أعلن أيضا أن العاصمة الجديدة سيتم إنشاؤها خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات.

وسيكون الشريك الأساسي في تنفيذ مشروعها إحدى شركات الإعمار الإماراتية.

أما الطريق المؤدي إليها فسوف يحمل اسم ولي عهد أبوظبي.
لاحظت في عرض المشروع الذي قدمه وزير الإسكان المصري أمام المؤتمر أنه حرص على أن يشير إلى المدينة الجديدة باعتبارها «عاصمة عالمية».

وأن كل شيء فيها من جنس الأفضل والأحدث في العالم،

وأن منشآتها تجاوزت نظيرتها في الدول المتقدمة من حيث الشكل والتصميم،

الأمر الذي كان واضحا فيه النَّفَس الخليجي المعني بالثراء والتفوق العمراني الذي باتت دبي رمزا له.
الملحوظة الأساسية على المشروع أنه يعبر عن الطموح البعيد بأكثر مما يعبر عن الواقع المعيش.

 صحيح أن أي تفكير مستقبلي لا بد أن يهتدي بالطموح. ولكن ليس إلى الحد الذي يدعونا إلى إقامة مدينة بها ٤٠ ألف غرفة فندقية في بلد يقيم فيه عدة ملايين في العشوائيات والمقابر.

أو ننشئ مدرسة على أحدث طراز في حين أن في الصعيد مدارس آيلة للسقوط وفصول يتكدس فيها التلاميذ حتى يجلس بعضهم على الأرض.

ثم إن المليارات التي ستنفق على التنافس في الوجاهة ومحاولة التفوق على معمار المنشآت الخليجية يفضل لها أن توجه إلى الارتقاء بالخدمات المنهارة في مختلف المحافظات وتوصيل الصرف الصحي والمياه النقية إلى المناطق المحرومة منها، وعلاج كارثة الصرف التي باتت تهدد الدلتا، بعدما تسببت في رفع مستوى المياه الجوفية وأدت إلى ملوحة الأراضي، الأمر الذي شكل تهديدا مباشرا للثروة الزراعية.

 وهذه مجرد نماذج فقط لأن القائمة طويلة وأوجاع مصر أكثر من أي تحصى.
الشاهد أن الموضوع كله يحتاج إلى مناقشة موسعة للاتفاق على مضمونه وأولويته ووظيفته الحقيقية،

وليت المناقشة لا تتطرق فقط إلى البحث عن حل لمشكلة تضخم عدد السكان في القاهرة الكبرى الذي ذكرت التقارير أنه وصل إلى ١٨ مليونا، وإنما من المهم للغاية أن تثار أيضا مشكلة تركيز السلطة في القاهرة، مع تحول المحافظات الأخرى إلى كيانات طاردة لسكانها والشباب على رأسهم.
من المفارقات أن صحف الأحد تحدثت عن أن اسم المدينة الجديدة سيطرح للحوار المجتمعي، في حين أن المشروع كله لم يطرح لأي حوار من ذلك القبيل.

ولهذا فإنه جاء محيرا وله ثغراته العديدة.

صحيح أن عقد إنشاء المدينة تم توقيعه ــ وتلك مفاجأة أخرى ــ لكنني أتمنى ألا يحول التوقيع دون المراجعة والترشيد، خصوصا أن أمامنا فسحة من الوقت لذلك.

وما لم يحدث ذلك فإن المشروع قد يصبح خصما من رصيد المؤتمر الكبير وليس إضافة إليه.

………………….

 

تمت القراءة 218مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE