الرئيسية > كتاب اللواء > أزهى أيام الوعد والوعيد
إعلان

أزهى أيام الوعد والوعيد

 

فهمي هويدي 

تمر مصر هذه الأيام بأزهى أيام الوعد الوعيد.

ذلك أن وسائل الإعلام نصبت سرادقا كبيرا جرى تقسيمه بين الاثنين بحصة أكبر للوعود التي تحمل البشارات وترفع المعنويات وتمهد للربيع القادم.

فمن مليارات باتت تنهال علينا كل صباح في الصحف مع قرب انعقاد المؤتمر الاقتصادي العالمي الذي يفترض أن ينعقد في بداية الأسبوع القادم،

 إلى انطلاقة جديدة في مسيرة الحكومة ترفع منسوب التفاؤل عاليا في ظل التعديل الوزاري الجديد الذي وصفه البعض بأنه انقلاب داخلي.

أما الشق المتعلق بالوعيد فالرسائل الموجهة فيه عديدة، وكلها تحذر المقصرين والمتراخين والخطائين بالويل والثبور وبالحساب العسير الذي لن يرحم أحدا، من الوزير إلى الخفير.
لا غضاضة في شيء مما سبق.

ذلك أن أسباب الكآبة عندنا وفيرة، والمجتمع في أمس الحاجة إلى جرعات من التفاؤل والاستبشار بالمستقبل.

 ثم إن لدينا في مورثنا الثقافي ما يشجع على ذلك، وهو ما عبر عنه الحديث النبوي الذي يقول «تفاءلوا بالخير تجدوه».

مع ذلك فلدي عدة ملاحظات على المشهد بشقيه أوجزها فيما يلي:
* إنني أتمنى أن نفرق بين إشاعة التفاؤل وتسويق الأوهام.

والفرق بين الاثنين يتمثل في الفرق بين رؤية تعتمد على تقدير مسؤول لمعطيات الواقع

وأخري تنبني على التمنيات والأحلام وتستهدف تنويم الناس وتخديرهم أو إلهاءهم عن رؤية الواقع.

والرؤية الأولى يفترض أن تكون قد تشكلت بناء على دراسة لأهل الاختصاص والخبرة،

أما الثانية فهي من قبيل الفرقعات السياسية والإعلامية.
* إن المراهنة على الخارج في إشاعة التفاؤل هي من قبيل المغامرة أو المقامرة.

وإذ لا أختلف مع الذين يلحون على ضرورة تشجيع الاستثمارات الأجنبية.

كما أنني أفهم أن ذلك أمر لا غنى عنه في العالم المعاصر. لكنني على قلة باعي في الشأن الاقتصادي أفهم أيضا أنه لا غنى عن ضرورة إسهام الداخل بطاقاته وإبداعاته.

 بل أزعم أن أداء الداخل هو عنصر الجذب الأساسي لاستثمارات الخارج، ولو أن التشجيع الذي يقدم لاستدعاء الاستثمار الخارجي، قدم بذات القدر لقطاعات الإنتاج في الداخل لاختلفت أمور كثيرة.
* إن هناك رغبة متعجلة في تحقيق الإنجاز. وربما كان ذلك مفهوما لأسباب سياسية. لكنه يعد نوعا من المغامرة من الناحية الاقتصادية.

 ومن شأن ذلك التعجل أن يحدث خللا في ترتيب الأولويات.

وقد أدرك ذلك بعض رجال الاقتصاد الذين انتقدوا في الآونة الأخيرة فكرة الإقدام على إقامة المشروعات العملاقة، مع ما تستلزمه من جهد ومال.

 وقال لي أحدهم إنه لم يكن مفهوما ولا مقبولا أن يكون في البلد نحو ٧ آلاف مصنع معطل،

 ثم ندير ظهورنا لتلك الحقيقة المحزنة ونلجأ إلى إقامة تلك المشروعات العملاقة التي يثير الإعلام من حولها الصخب والضجيج، في حين أنها كان ينبغي أن تكون مرتبة تالية في أولوية الاهتمام.
* هناك غموض في الجهات التي تطلق إشارات التفاؤل، حيث لا يعرف الرأي العام شيئا عن طبيعة تلك الدوائر،

كما إن أحدا لا يعرف الجهات التي تتابع التنفيذ أو تحاسب على الإنجاز أو الإخفاق.

وفي غيبة مؤسسات أو مجالس مستقلة تمثل المجتمع أو ذوي الخبرة فيه، فإن الأمر كله يظل متروكا للسلطة، هي التي تقرر المسار وهي التي تراقب تنفيذه.

 وسيظل دور المجتمع مقصورا على المشاهدة والمتابعة من خلال وسائل الإعلام التي يتحكم فيها تحالف السلطة مع رجال الأعمال وشبكة المصالح.
* إذا كان التفاؤل واجبا فإن الشفافية والمصارحة أوجب.

وأذكّر في هذا الصدد بما فعله رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل حين تولى رئاسة الحكومة أثناء الحرب العالمية الثانية وقال عبارته الشهيرة:

لا أعدكم بشيء سوي الدم والدموع.

إذ كان الرجل صريحا وشجاعا، ويخاطب مجتمعا يثق في قدرته وفي وعيه.

 ورغم أن ثمة تصريحات تتحدث عن صعوبة المرحلة التي تمر بها مصر،

 إلا أن الرسالة التي تلقيناها ظلت تدعونا إلى التفاؤل والاطمئنان إلى دعم الدول الخليجية، مع استمرار المراهنة على ثقة الشعب في القيادة وحسن نوايا السلطة،

وهو المشهد الذي طرأت عليه بعض المتغيرات في الآونة الأخيرة. سواء بعد انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية. أو بعد المراجعات التي جرت الدعوة إليها في بعض الدول الخليجية.

 وفي المقدمة منها السعودية في ظل وضعها الجديد أو الكويت التي ارتفعت الأصوات في برلمانها داعية إلى ذلك.

ولم تكن دولة الإمارات بعيدة تماما عن ذلك، على الأقل فذلك ما حدث في تعثر مشروع المليون شقة الذي كان يفترض أن يكتمل بناؤها خلال الشهرين القادمين.
فيما خص الوعيد، فهو ملحوظ في تصريحات رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين الجدد.

ذلك أننا صرنا نقرأ بين الحين والآخر تحذيرات بمعاقبة المقصرين وردع المخطئين ومطالبة المتقاعسين بالبقاء في بيوتهم،

 ورغم أن ذلك كله يفترض أن يكون مفروغا منه، ولا يحتاج إلى تعميم أو إعلان في الصحف، إلا أن الرغبة في تحريك الركود والإيحاء بالاستنفار لتحقيق الإنجاز المنشود، حولت ما هو بديهي إلى أخبار تبرزها وسائل الإعلام كل صباح.
لئن كانت محاسبة المقصرين وعقاب المخطئين أمرا مطلوبا.

 إلا أن الثغرة الأساسية في الدعوة تتمثل في أمرين.

الأول أن مجالها يظل في نطاق الفضاء الإعلامي الذي لا يعبر بالضرورة عن الواقع المعقد.

أما الثاني والأهم فإن الحساب هنا تمارسه السلطة أيضا، ولا دور فيه للرقابة الشعبية،

الأمر الذي يكرس عزلة المجتمع ووقوفه مما يجري موقف المتفرج.

 فالسلطة هي التي تقرر وتدير وتراقب وتحاسب، الأمر الذي يعطي انطباعا بأن البلد ملك للسلطة وليس لمواطنيه.

……………………..

 

تمت القراءة 238مرة

عن فهمى هويدى

فهمى هويدى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE