أتصل بنا
الرئيسية > أهم الأنباء > أثر حركة “مصر الفتاة” فى التطور السياسي المصري (1933 – 1953)
إعلان

أثر حركة “مصر الفتاة” فى التطور السياسي المصري (1933 – 1953)

 

أثر حركة “مصر الفتاة” فى التطور السياسي المصري (1933 – 1953)

إشراف الدكتور /  أحمد التهامى عبدالحى

فى مادة تطور مصر السياسي الحديث

دراسة مقدمة من الطالب : عامر عيد عامر عيد

أثر حركة “مصر الفتاة” فى التطور السياسي المصري (1933 – 1953)

مقدمة

بادئ ذى بدء ، ننوه عن طبيعة الفارق بين الجمعية السرية التي أنشئت بالإسكنرية تحت مسمي “جمعية مصر الفتاة” فى العام 1879 ، فى نهاية حكم الخديوي إسماعيل ، من المتعلمين الذين تأثروا بأفكار المفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني من أمثال أديب إسحاق وسليم النقاش ، وبين حركة “مصر الفتاة” والتى بدأت فى بداية تكوينها تحت مسمي “جمعية مصر الفتاة” فى خريف عام 1933 متأثرة بالأحداث التاريخية التي مرت بها مصر فى مطلع عشرينيات القرن العشرين – وذلك لإزالة الإلتباس لدى البعض والذي لم يش إليه بعض كبار المؤلفين من أمثال د . على الدين هلال وغيرهم ، فهناك فاصل تاريخي كبير بينهما ، ولا علاقة تربط بين الأشخاص من حيث صناعة الحدثين ، لذا لزم التنوية .

كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتيارات الفكرية التي ظهرت في المجتمع المصري عقب صدور تصريح 28 فبراير 1922 ذات أثر كبير في تغيير صورة المجتمع المصري.

لقد تحدد وضع مصر السياسي بعد صدور التصريح الذي وضع العلاقة بين مصر وانجلترا في إطار معين فاعترف التصريح بمصر دولة مستقلة ذات سيادة وإن كان ذلك من ناحية الشكل فقط ومنحها حق إقامة حياة برلمانية مرت بمراحل مختلفة من الصراع على السلطة بين الأحزاب القائمة؛

فتعرضت خلالها الجماهير لأشكال من الضغوط مرة على يد الملكية الأوتوقراطية ومرة أخرى على يد حكومات الأقلية التي عرفت ” بوزارات الانقلاب” هذا فضلا عما كانت تمارسه انجلترا مستغلة الظروف الموضوعية إلى أبعد حد، وما شاركت به من جهد في الاعتداء على الدستور والحياة البرلمانية.

عرضت تلك الضغوط وذلك الصراع التجربة الدستورية برمتها لهزات عنيفة كانت تطيح بها وهى ما زالت في مهدها، فقد كان الدستور أحد الأماني التي حققها الشعب المصري بعد كفاحه الطويل، فلم يكن من السهل عليه أن يفرط فيما حققه بجهاده، فساد الصراع بينه وبين من يريدون سلب مكاسبه التي حصل عليها فدخل بذلك مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني.

فإلى جانب طلب الاستقلال للبلاد، كان مطلب الحفاظ على الحياة النيابية سليمة مع احترام الدستور لا يقل أهمية عنه بل ربما تقدم عليه.

ومن خلال ذلك الصراع الذي ساد بين الأحزاب المصرية القائمة في ذلك الوقت على السلطة، فإن الجماهير قد تعرضت لمزيد من الضغط والاضطهاد، فأحدث ذلك شرخا كبيرا في وحدة الأمة التي برزت في ثورة 1919، فأدى ذلك إلى ظهور أنظمة سياسية جديدة ترفض أسلوب المفاوضات التي ارتضاها المصريون كأساس يمكن عن طريقه تحديد علاقة مصر بانجلترا، ولكنها كانت تؤمن باستخدام القوة كأساس يمكن عن طريقه إخراج الإنجليز من مصر؛

وكانت مصر الفتاة من بين تلك الأنظمة وكما أحدث تصريح فبراير تغييرا في شكل المجتمع المصري من الناحية السياسية ، فكان ولابد لكي يتحقق الاستقرار السياسي للبلاد، أن يصاحبه تغيير في الأوضاع الاقتصادية لها، ولكن في خلال تلك الفترة التي تلت صدور التصريح، فإن العالم قد تعرض لأزمة اقتصادية طاحنة شديدة الوقع والأثر عليه وهو ما زال يعالج الآثار الاقتصادية الضارة التي ترتبت على الحرب العالمية الأولي؛

فلم يكد يخرج من تلك الآثار حتى فاجأته تلك الأزمة عند نهاية العشرينات من ذلك القرن، ولما كانت مصر جزءا حيويا وهاما من العالم فكان ولابد وأن يظهر للأزمة صداها المسموع فيها، فقد تأثر بها المجتمع المصري تأثرا كبيرا، وعانت منها الطبقات الكادحة من الشعب من الفلاحين والعمال، ولم يقتصر أثرها عليهما بل تعرضت الطبقات الأخرى لأزمات غير محدودة من جرائها، ومنهم الملاك والتجار من مصريين وأجانب.

وإلى جانب الأوضاع السياسية والاقتصادية، فقد برزت إلى السطح في تلك الفترة المشكلة الاجتماعية وبشكل ملح، خاصة بعد أن استقرت الأوضاع السياسية بتحديد العلاقة بين مصر وانجلترا إلى حد ما، ولكن الأحزاب السياسية القائمة في ذلك الوقت جاءت برامجها خلوا من المشكلة الاجتماعية ، فقد أصبحت تلك المشكلة مطروحة دون أن تلقى عناية من القوى السياسية المختلفة. وبالإضافة إلى تلك الجوانب الثلاثة فقد برزت تيارات فكرية مختلفة تناولت شخصية مصر تحول أبرازها على ما عداها.

وفى ضوء الواقع السياسي الذي أوضح مدى اهتزاز الحياة السياسية بفعل الحياة الحزبية القائمة وتطاحن الأحزاب فيما بينها والصراع على السلطة، ووجود فراغ سياسي، فلم يكن هناك تنظيمات سياسية تستهوى الشباب وتستوعب حركتهم بعيدا عن تلك الإطارات الحزبية التي كانت قائمة.

هذا فضلا عن أن أسلوب المفاوضات المصرية البريطانية لم يكن ليرضى الشباب ولم يقنعهم كإطار يمكن عن طريقه تحديد علاقة مصر بانجلترا، فإذا أضفنا إلى ذلك دور انجلترا في الانقلابات الدستورية التي تعرضت لها البلاد والتي أخرت تقدمها وتطورها السياسي، أمكننا تفسير ظهور حركة مصر الفتاة في ذلك الوقت.

 

ظهور حركة “مصر الفتاة”

في ظل الظروف ، أو الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري برزت حركة “مصر الفتاة” كاحتجاج صارخ على الحياة السياسية والاجتماعية في مصر. وهذه الظروف هي المفتاح الحقيقي لفهم حركتها وتقييمها في التاريخ المصري الحديث خلال فترة البحث.

منح تصريح 28 فبراير 1922 مصر استقلالا شكليا، ولكن في نفس الوقت منحت البلاد حق إنشاء برلمان يتمتع بحق الإشراف على السياسة والإدارة في حكومة مسئولة على الطريقة الدستورية.

وعلى الرغم مما أوجده صدور التصريح من ردود فعل داخل المجتمع المصري، حيث أعلنت القوى السياسية والشعبية استياءها منه إلا من قلة من الشعب رحبت بصدوره . فمصر بعد صدوره لم يتعد كونها محمية، فانجلترا ما تزال تضطلع بمهمة الدفاع عنها، كما بقى وضعها بإزاء الدول الأجنبية على ما كان عليه قبل التصريح.

وعلى العموم فقد وافقت انجلترا على إصدار التصريح لأنها توقعت أنه يهدئ من ثائرة المصريين الذين أسرفوا في استعمال أسلوب الاغتيالات.وفى حقيقة الأمر ومهما كان رأى القوى السياسية والشعبية في التصريح فقد كان مكسبا لمصر إذ أنهى الحماية بعد أن اعترفت بها الدول، فهو يعد خطوة للأمام في تاريخ العلاقات بين مصر وانجلترا هذا فضلا عن أنه قد كفل للمصريين تولى شئونهم بأنفسهم.

وفى أعقاب صدور التصريح تولى عبد الخالق ثروت الوزارة وعهد إليه السلطان فؤاد اتخاذ الترتيبات اللازمة لوضع دستور للبلاد، وفى 15 مارس 1922 أعلن السلطان فؤاد استقلال البلاد واتخذ لقب ملك مصر، وفى 3 أبريل الفت الوزارة لجنة لوضع الدستور عرفت بلجنة الثلاثين.

وقد انقسمت الأحزاب السياسية القائمة بإزائها، فالوفد وعلى رأسه سعد زغلول يرى أن وضع الدستور لابد وأن يجيء على يد جمعية منتخبة لا معينة، حتى لا يكون منحة يسهل التلاعب بها، وقد رفض الوفد أن يشترك في عضويتها، وأطلق عليها سعد ” لجنة الأشقياء ” كما رفض الحزب الوطني أيضا الاشتراك فيها.

وفى ذلك الوقت بدأ التفكير في تأليف ” حزب الأحرار الدستوريين” وذلك راجع إلى أن الملك فؤاد قد أثار عدة عقبات أمام لجنة وضع الدستور وأمام الوزارة من أجل مزيد من السلطات له، فدفع ذلك ثروت إلى جمع أنصار الوزارة للوقوف صفا واحدا في وجه محاولات الملك، ولما كان هؤلاء هم الذين وضعوا الدستور وقاموا بصياغته، فقد كان طبيعيا أن يعملوا على حمايته، وعند تأليف الحزب تقرر أن ينضم إليه جميع أعضاء لجنة الدستور، وعدد آخر من ذوى النفوذ وكان كثيرون منهم أعضاء في ” الحزب الديمقراطي” أو في ” جمعية مصر المستقلة”.

وهكذا جمع الحزب عددا من كبار المصريين أكثرهم من أعضاء حزب الأمة القديم، أو من أبنائهم وذويهم منضما إليهم فريق من المثقفين المتحررين. قوبل تأليف حزب الأحرار الدستوريين بالهجوم والاستنكار من الطبقات الشعبية، فقد هاجمته الصحف المصرية حتى قبل أن يعلن عن تأليفه، واتهمته بأنه سيفرط في حقوق الوطن.

وعلى الرغم من أن مبادئ الحزب تنصر على استكمال الاستقلال وتأييد النظام الدستوري، فإن الجماهير لم تكن لترضى عنه، فهو يعيد إلى أذهانها حزب الأمة القديم. ولكن على العموم فيمكن القول بأنه كان حزب موازنة وتلطيف في السياسة المصرية . وقد ضم إلى عضويته أيضا بعض المنفصلين عن الوفد ومعظمهم من المخالفين لسعد، ولذلك منذ تأليفه طابع العداء لسعد والوفد.

وعلى الرغم من أن الحزب قد أعلن قيامه للدفاع عن الدستور ، فقد تعرض مشروع الدستور للمسخ والتشويه والبتر على يد وزارات القصر، فقد حاولت وزارة توفيق نسيم التي أعقبت وزارة ثروت العمل على زيادة سلطات الملك.

وفى عهد وزارة يحيى إبراهيم التي جاءت بعدها، ارتفعت الأصوات محتجة على أي بتر وأي تعديل لمشروع الدستور، وكان أقوى هذه الاحتجاجات الخطاب الذي أرسله عبد العزيز فهمي إلى يحيى إبراهيم طالبه فيه بإصدار الدستور كما وضعته اللجنة؛

فصدر الدستور بعد أن حذف منه بعض النصوص الخاصة بالسودان، وأعقب ذلك إجراء الانتخابات في 12 يناير 1924 والتي أسفرت عن أغلبية مطلقة للوفد، فكان بديهيا أن يعرض الملك على سعد تأليف الوزارة، فقبلها في نفس اليوم 28 يناير 1924.

حصل الوفد على الأغلبية المطلقة التي أتاحت له أن يقبل مسئولية الحكم كحق من حقوق الشعب الأصيلة، والوسيلة المباشرة لاستكمال استقلال مصر والعناية بشئون البلاد الداخلية، فتألفت وزارة سعد زغلول، وقد اعتبر البعض أن قبوله الوزارة يعد اعترافا بتصريح 28 فبراير؛

أما البعض الآخر فقد اعتبره تعبيرا عن إرادة الأمة، أما سعد نفسه فقد أعلن منذ البداية أنه سيواصل التنصل من تصريح فبراير، فأكد في مجلس النواب أن السودان جزء من مصر يستحيل فصله، فأعلنت الحكومة البريطانية من جانبها عن إصرارها على عدم التخلي عن السودان.

وفى ذلك الوقت تولت وزارة العمال الحكم في إنجلترا، وبدا من السهل بدء المفاوضات الرسمية بين سعد ومكدونالد وزير خارجيتها ولكن سير المفاوضات قد أكد لسعد أنها فاشلة فقد تمسك كل من الطرفين بموقفه، فلم تمض أيام على بدايتها حتى قطعها سعد وعاد إلى القاهرة ليؤكد من جديد عزمه على عدم التخلي عن أي حق من “الحقوق المقدسة” لمصر في واد النيل.

وبعد أن فشلت المفاوضات اشتد سعد في معاملة الاحتلال وظاهره مجلس النواب في موقفه، فقد انتهز فرصة مناقشة الميزانية، فصوت على قرار بإلغاء مساهمة مصر في نفقات جيش الاحتلال البريطاني مع المطالبة بالجلاء عن الأراضي المصرية، وعلى قرار آخر بتعديل مرتبات المستشارين الإنجليز.

كما ظهرت على حين غرة متاعب أخرى لتزيد من حدة التوتر بين المندوب السامي البريطاني والإدارة المصرية. ومن المحتمل أن تكون حكومة لندن قد فكرت منذ ذلك الوقت في إبعاد سعد عن الحكم.فقد أدركت الحكومة البريطانية أن استمراره في الحكم مع ما يتمتع بع وحزبه من أغلبية مطلقة في البرلمان سيكون مثار متاعب لبريطانيا ورجالها في مصر.

كان فشل المفاوضات وما اتخذ من إجراءات اعتبرتها السلطات البريطانية معادية لها ما ينبئ عن قرب سقوط الوزارة. هذا فضلا عن أن المعارضة قد نشطت ، فأضرب الأزهريون وعين القصر حسن نشأت وكيلا للديوان الملكي دون علم الوزارة ودون إقرارها لهذا التعيين، فتقدم سعد باستقالته قائلا أنه لا يستطيع أن يعمل في الظلام.

وقد اجتمع مجلسا البرلمان وجددا الثقة بسعد، ومن ثم بذلك محاولات وجهود كبيرة كي يعدل سعد عن استقالته، ولكنه أصر عليها إلا إذا أجيبت مطالب الوزارة التي اضطر الملك فؤاد أن يسلم بها وأن يقبل الاقتصار على حدود دوره كحاكم دستوري للبلاد ليست لآرائه من فاعلية إلا إذا صادقت عليها الوزارة، فأعلن سعد أنه باق في السلطة ” بفضل الله وإرادة الأمة” وعدل عن استقالته .

وبعد هذا الكسب المحقق الذي أحرزته وزارة سعد ضد أوتوقراطية الملك فؤاد فقد تعرضت لحادث أفقدها ما كسبت بل يزيد عليه، فكان مقتل السيرلى ستاك سردار الجيش المصري وحاكم عام السودان في 19 نوفمبر عام 1924 هو المحك الذي جعل المندوب السامي يتشدد في موقفه من وزارة سعد، وكأنما قد وافته الفرصة تماما للإطاحة بتلك الوزارة، فكانت تصرفاته عقب الحادث توضح ذلك.

وهكذا التقى الطرفان والقصر والإنجليز للعمل ضد سعد ووزارته فقدم استقالته في 24 نوفمبر 1924. وقد احتج البرلمان على التصرفات الإنجليزية المنافية للاستقلال البلاد وأبلغ الاحتجاج إلى برلمانات العالم ومجلي عصبة الأمم.

وباستقالة وزارة سعد تبدأ الجولة الأولى من الصراع بين الوطنيين والإنجليز من ناحية وبينهم وبين القصر من ناحية أخرى. كما تبدأ أيضا محاولات الاعتداء على الدستور الذي منح للبلاد وهو ما زال في المهد.

كل ذلك استدعى وقوف السياسيين صفا واحدا لمقاومة الخطر الداهم الذي يهدد البلاد، ولكن وزارة زيور التي جاءت في أعقاب وزارة سعد عملت على ترضية انجلترا والاستجابة لكل مطالبها التي تقدمت بها بعد حادث مقتل السردار وقد عبر زيور عن تلك السياسة بأنها محاولة لإعادة صفو العلاقات مع الحكومة البريطانية، وإسرافا منها في الوصول إلى تلك الغاية وإرضاء لنزعة الملك فؤاد الأوتوقراطية ، فقد طالب بحل مجلس النواب، وصدر المرسوم الملكي بالحل، وهكذا تخلص الملك فؤاد من البرلمان الوفدي كما تخلص من الوزارة الوفدية من قبل.

وبعد أن تحقق للملك فؤاد ما أراد ، سعى إلى خلق أحزاب سياسية جديدة تسند حكمه الاستبدادي، فبعد أن اصطدم بالوفد حاول أن يضم الأحرار الدستوريين إلى صفه، وقد نجح في ذلك بعض الشيء، وحين لم يسيطر عليهم سعى إلى تأليف حزب جديد هو ” حزب الاتحاد” فعهد إلى حسن نشأت بتأليفه، وقد اشتهر لدى الدوائر الشعبية على أنه ” حزب الملك” وأطلق عليه سعد زغلول ” حزب الشيطان”

وقد تهيأت لهذا الحزب كل أسباب النجاح فقد خصصت له اعتمادات مالية ضخمة، هذا فضلا عن صحيفتي “الاتحاد” و” الليبرتية” لتعبرا عنه وكلسان حال له. إلا أن الحزب لم يكن يضم بين أعضائه أحدا من البارزين. وقد كان القصد من إنشائه هو دعم سلطة الملك، وأن يحكم بمراسيم بدلا من الحكومات البرلمانية.

وعلى ما يبدو من الظروف التي نشأ فيها الحزب وأشخاص أعضائه وموقف قوى الشعب منه أن الحزب قد ولد ميتا، وأن دل تأليفه على شيء فإنما يدل على مدى النزعات الأوتوقراطية التي كانت توجه القصر بعد الاستقلال .

الأحزاب والملك والإنجليز

 

وفى ظل تلك الظروف أجرت وزارة زيور الانتخابات فأسفرت عن أغلبية للوفد لم يكن يريدها زيور واجتمع البرلمان يوم 23 مارس 1925، فتقدم زيور إلى الملك في نفس اليوم طالبا حل مجلس النواب مرة أخرى، موضحا أنه بمجرد انعقاد المجلس الجديد ظهرت فيه روح عدائية حيث اختار لرئاسته سعد زغلول، وبما أن هذا التصرف من جانب المجلس يجعل مهمة زيور صعبة على حد قوله فتقدم باستقالة وزارته.

وعندما عرضت الاستقالة على الملك فؤاد رفض قبولها، وإنما صدر المرسوم بحل المجلس في نفس اليوم. كان زيور أقل صلاحية مما يتطلب القيام بالدور الذي فرض عليه، فلم ينجح في أن يحول دون حدوث الانقسامات بين أعضاء وزارته من الأحرار والاتحاديين ، ذلك أن آراء ومفاهيم كلا الحزبين كانت متباينة إلى حد كبير، فالاتحاديون يرون في الصراع ضد الوفد تدعيم للحكم الفردي الذي يسعى إله القصر.

والأحرار الدستوريون لم يكن إغفال العمل بالدستور بالنسبة لهم سوى إجراء وقتي، فتململوا من ائتلاف أدركوا أنه أكثر إضرارا بمصالح حزبهم وبمصالح مصر.

وكانت أزمة كتاب على عبد الرازق ” الإسلام وأصول الحكم” أحد السباب التي عجلت بنهاية هذا الائتلاف وخروج الدستوريين منه. وكان أن فرض الملك فؤاد على البلاد وزارة قصر حقيقية ، فعين في المناصب التي خلت رجالا معروفين بالولاء له، فأصبحت الوزارة أداة في يد الملك.

كان ذلك بادرة وحدة بين الأحزاب ضد الحكومة والقصر، فاجتمع بالنادي السعدي في نهاية عام 1925 ممثلون عن الوفد والأحرار الدستوريين والحزب الوطني، واتخذوا قرارات منها مواجهة حكومة زيور والتصدي لها.

وقد ظل الائتلاف قائما حتى عقدوا مؤتمرا وطنيا في فبراير 1926 قرروا فيه دخول الانتخابات من جديد حتى تظهر إرادة الأمة بعد أن سبق لهم الإعلان عن مقاطعتها.

أجرت وزارة زيور الانتخابات فأسفرت عن ثالث فوزمدو للوفد في مايو عام 1926. فتقدم زيور باستقالته في 7 يونيه 1926، وكان على الملك فؤاد أن يقبلها بالهزيمة في أول محاولاته لإحياء أوتوقراطية جده محمد على.

وباستقالة زيور تنتهي الجولة الأولى التي أراد فيها الملك فؤاد أن يستبد بالحكم بفشل ذريع وذلك نتيجة اتحاد القوى الوطنية في مناهضة الملك هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الحكومة البريطانية قد أصبحت أكثر اقتناعا بأن زيور رغم نواياه الطيبة تجاه بريطانيا لم يكن بالرجل الذي يستطيع المفاوضات معها. وقد أقنعها ذلك بأن استئناف المفاوضات رهين بعودة الحياة النيابية ، وبذلك التقت سياسة الأحزاب المؤتلفة مع سياسة حكومة لندن.

ظل الائتلاف بين الأحزاب قائما فكان ذلك طابع الوزارات التي جاءت في أعقاب وزارة زيور، فوزارات عدلي وعبد الخالق ثروت ومصطفي النحاس كانت تعبيرا عن هذا الاتجاه في تلك الفترة لمواجهة اوتوقراطية القصر.

وقد سنحت الفرصة لتلك الوزارات أن تسعى لمفاوضات جديدة، فقد جرت مفاوضات بين ثروت وتشمبرلن وأسفرت عن مشروع معاهدة في صيف عام 1927، ولكنه لا يتفق في أساسه ونصوصه مع استقلال البلاد فرفض.

وفى أثناء إجراء تلك المفاوضات توفى سعد زغلول ، إلا أن الائتلاف ظل قائما، وخلفه مصطفي النحاس في زعامة الوفد وتولى الوزارة خلفا لثروت، وفى عهد وزارته حدثت أزمات بينها وبين السلطات البريطانية، فبدأ الائتلاف يتعثر في ذلك الوقت وبدا في الأفق أن محاولة جديدة تجرى بين القصر والأحرار الدستوريين للاعتداء مرة أخرى على الدستور.

كان القصر يرى أن الدستور يحول دون تدخله في الحكم أو انفراده به وهو ما كان يسعى إليه منذ بدء التجربة الدستورية في مصر فقد كان يترقب الفرصة لتعطيله.

أما الأحرار الدستوريون فكان هدفهم الوزارة والمناصب، فإن لم يصلوا إليها عن طريق الدستور فليصلوا إليها عن طريق تعطيله. فقد اتفق على أن يستقيل الوزراء الدستوريون واحدا بعد الآخر، وبذلك يتصدع بناء وزارة النحاس من ناحية شكلها الائتلافي فيقيلها الملك.

إلا أن الذي أحرج مركز الوزارة بدرجة كبيرة كان استقالة أحمد خشبة وزير الحقانية الوفدي. هذا فضلا عن الحملة الصحفية التي شنتها الصحافة المعارضة للوفد حول وثائق قضية الأمير أحمد من سيف الدين.

وبذلك حبكت المؤامرة لإقالة الوزارة فأقالها الملك فؤاد في 25 يونيه 1928 . وإن كانت من أكثر الوزارات الائتلافية السابقة حرصا على حقوق البلاد وصيانة دستورها.

وبإقالة وزارة النحاس تظهر بوادر الانقلاب الثاني على الدستور، والذي يمثل الجولة الثانية من الصراع بين الملك والوطنيين. الملك يحاول أن يؤكد الأوتوقراطية والوطنيون حريصون على أن يكون دور الملك في الحكم ى يتعد كونه ملك دستوريا يملك ولا يحكم .

بدأ الانقلاب الثاني على الدستور بأن اسند الملك إلى محمد محمود تأليف الوزارة فألفها في 27 يونيه 1928، وقد كان ذلك مكافأة له ولحزبه على الدور الذي قام به في صدع الائتلاف وإقالة وزارة النحاس.

وبذلك جنى الأحرار الدستوريون ثمار غرسهم. وقد ضمت وزارته كلا من الأحرار الدستوريين والاتحاديين . وهكذا عاد هذان الحزبان للتآمر على الدستور كما فعلا في عام 1925. فطالبت الوزارة بتأجيل انعقاد البرلمان لمدة شهر ثم أعقبت ذلك بطلب حل البرلمان بمجلسيه وتعطيل الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.

وقد انقسمت الصحافة البريطانية بإزاء هذا الانقلاب إلى فريقين. فالفريق الأول ينعى على النحاس تصرفاته إزاء بريطانيا، ورفض مشروع ثروت تشمبرلن ويثنى على اختيار محمد محمود لرئاسة الوزارة.

أما الفريق الآخر فقد أخذ جانب الدفاع عن النحاس بقوله” إن إقالة النحاس باشا وتعيين محمد محمود باشا وحل البرلمان المزمع كلها حركات مدبرة في حملة منظمة لسياسة كلف اللورد لويد بتنفيذها ..

وهى سياسة ترمى إلى إحباط الحركة الوطنية” هذا وإن كانت الحكومة البريطانية قد صرحت على لسان وزير خارجيتها أنه لا دخل لها بما حدث في مصر، وإن كان الوزير نفسه قد أدلى فيما بعد بتصريحات تنم عن إقرار حكومته لهذا الانقلاب.

قوبل الانقلاب على الدستور للمرة الثانية بالسخط والاستنكار ، فهو حرمان للأمة من حقوقها التي كسبتها بعد نضال مرير. فنشط الوفد لبث الدعوة بين أنصاره لتجديد الثقة بزعيمه، وفى نفس الوقت للتنديد بأعمال وزارة محمد محمود.

فلم تكد تحل البرلمان حتى وقفت الأمة مواقف تنم عن تمسكها بدستورها كحق من حقوقها، فوجه الوفد نداء في 22 يوليو عام 1928 دعا فيه الأمة إلى النضال من أجل دستورها، كما أصدر الحزب الوطني بيانا احتج فيه على تعطيل الدستور.

كذلك أصدر النواب والشيوخ قراراتهما من منزل مراد الشريعي بعدم الثقة بالوزارة وبطلان حل المجلسين على أن يجتمعا في يوم السبت الثالث من شهر نوفمبر عام 1928. تولت وزارة محمد محمود الحكم وهى على ثقة تامة أنها غير ممثلة للأمة ولا هي وليدة إرادتها، وفى سبيل ذلك لجأت إلى إهدار الحريات وإلى سياسة الاضطهاد لتثبيت مركزها.

وقد عبر أنصارها عن هذه السياسة ” باليد الحديدية” فأسفرت في الاضطهاد بألوانه المختلفة، فهب الشعب يكافح من أجل الدستور ومن أجل حريته، وأخذت الوفود تتقدم بعرائضها إلى الملك طالبة إعادة الحياة النيابية، كما جاءت إلى القصر الملكي لتقديمها فاعتدى البوليس عليها، وقد تعرض بعض النواب والشيوخ للاعتداء.

كما هب طلبة المدارس محتجين مضربين متظاهرين، فأصدر محمد محمود قانون حفظ النظام في معاهد التعليم، وهو يهدف بذلك إلى عزل الطلبة عن السياسة وهم في مقدمة القوى الوطنية البارزة إذ ذاك.

تولت وزارة العمال الحكم في إنجلترا عقب انتخابات مايو 1929، وقد أعربت عن رغبتها في التفاوض بشأن المسألة المصرية، فأسفرت المفاوضات عن مشروع معاهدة عاد به محمد محمود إلى مصر، وعندما أعلنت نصوصه علق الوفد النظر فيها على إعادة الحياة النيابية كي تقول الأمة كلمتها فيه تحت قبة البرلمان؛

ولكن محمد محمود بذل جهودا ضخمة كي يحظى بالصديق على مشروع معاهدته، فلجأ إلى أسلوب الترويج له في الداخل، فتألف لذلك الغرض جماعات وعقدت اجتماعات وبذلت محاولات للتقرب من جماهير الشعب خاصة الفلاحين والعمال بطرح مشروعات ضخمة للإصلاحات الاجتماعية ، وبذل الكثير من الوعود المغرية لهم، ورغم ذلك فقد كانت الانجازات ضئيلة وتكدست المشروعات وانتهى الأمر بها إلى زوايا النسيان.

وعلى الرغم من موقف الوفد من المشروع، إلا أنه قد لقي قبولا من جانب بعض القوى، فقد اعتبر الحزب الوطني أنه يفضل المشروعات التي تقدمته كما صرح بذلك حافظ رمضان، كما وافق عليه حزب الاتحاد إلى جانب بعض الأفراد من ذوى الحيثية الذين أعربوا عن رضائهم عنه ووصفوه بأنه حسن في جملته، كذلك سارع في قبول المشروع غالبية المستقلين في الرأي الذين ألفوا جماعة أطلقوا عليها ” جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة”

وعلى الرغم من ذلك فلم يستطع الأحرار الدستوريون استمالة المعارضة الوفدية، كما أن الحكومة البريطانية قد عبرت عن رغبتها في أن يصدق برلمان منتخب على مشروع معاهدة جديدة، هذا فضلا عن أن العلاقة بين محمد محمود والملك فؤاد لم تكن طيبة على طول الخط.

كل ذلك جعل مركز الوزارة يتحرج أكثر فتقدم محمد محمود باستقالته في 2 أكتوبر 1929 قبل إتمام السنوات الثلاث التي حددها لوزارته مسجلا بذلك فشلا ذريعا في تجربة الاعتداء على الدستور.

كما قدم عظمة للملك فؤاد كي يعدل للمرة الثانية عن إقامة نظام فردى يعمل لصالحه، فأسند إلى عدلي يكن تأليف وزارة انتقالية تجرى الانتخابات تمهيدا لعودة الحياة النيابية من جديد وقد أسفرت الانتخابات عن فوز كبير للوفد فحصل على 212 مقعدا من مجموع المقاعد البالغ عددها 235 مقعدا. فعهد الملك إلى النحاس بتأليف الوزارة.

منح مجلسا البرلمان وزارة النحاس تفويضا في 6 فبراير عام 1930 بالدخول في مفاوضات مع الحكومة البريطانية لتسوية المسألة المصرية، وقد بدأها النحاس وهندرسون، إلا أن هذه المفاوضات قطعت بين الطرفين بسبب عدم الاتفاق على المادة الخاصة بالسودان؛

فاستغل الأحرار الدستوريون ذلك الوضع وطالبوا الملك بإقالة الوزارة واستئناف تجربة محمد محمود من جديد وكان القصر يرى أن الظروف بعد فشل المفاوضات سانحة لبدء الانقلاب الثالث على الدستور، فوضع العراقيل في وجه وزارة النحاس، واشتدت لأزمة بينهما فقدم النحاس استقالته في 17 يونيه 1930، فأسند الملك إلى إسماعيل صدقي بطل الانقلاب الدستوري الثالث تأليف الوزارة.

اتبع إسماعيل صدقي منهج سابقيه في الاعتداء على الدستور، فأجل انعقاد البرلمان شهرا، ثم استصدر مرسوما بفض الدورة البرلمانية في 12 يوليو 1930، وفى 22 أكتوبر صدر الأمر الملكي بإلغاء دستور 1923 وبحل مجلسي النواب والشيوخ ووضع صدقي دستور 1930 ليكون أكثر طواعية له وللقصر، فدستور 1923 كان العدو الأول للقصر، فمنذ تطبيقه والملك فؤاد دائب السعي في محاولة الاعتداء عليه، لأن العمل به يتيح للأغلبية البرلمانية الممثلة في حزب الوفد أن تتولى الحكم فتتصدى للنزعة الأوتوقراطية للملك فؤاد.

وقد استطاع في المرتين السابقتين أن يعمل على تعطيله، أما هذه المرة فقد اعتمد على شخصية صدقي التي تعد أكثر جرأة ومقدرة عن سابقيه فقضى تماما على دستور 1923 واستبدل به دستورا جديدا بعد أن ألحق به قانونا جديدا للانتخاب.

إلغاء دستور 1923

قوبل إلغاء دستور 1923 بالاحتجاج الشديد من كل القوى السياسية داخل مصر، فقد احتج الوفد والحزب الوطني، وقرر الأحرار الدستوريون أنهم لا يؤيدون الوزارة في إصدار الدستور الجديد، وإزاء هذا الموقف من جانب القوى السياسية وقبل أن تجرى وزارة صدقي الانتخابات وفقا للدستور وقانون الانتخاب الجديد؛

فقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك هي تأليف ” حزب الشعب” في نوفمبر 1930 فقد قرر صدقي تأليف حزب يستند إليه في فرض النظام الذي وضعه على مصر، وقد استطاع أن يضم إليه بعض أعضاء مجلس إدارة الأحرار الدستوريين، هذا فضلا عن عدد من الاتحاديين إلى جانب بعض الباشاوات، كما أرغم بعض العمد والمشايخ على عضويته قسرا، على أن يساهم رجال الإدارة بأقصى جهودهم في ضم أعضاء وأنصار الحزب الجديد. كما صدرت الأوامر بتأليف لجان له في كل مركز من المراكز.

هذا وقد تولى إسماعيل صدقي رياسته بنفسه وأصدر “جريدة الشعب” كلسان حال له. وقد كشف قانون الحزب عن صبغته فمن بين مواده مادة تنص على تأييد النظام الدستوري والمحافظة على سلطة الأمة وحقوق العرش.

ولعل هذا الحزب يعيد إلى ألأذهان تجربة نشأت في تأليف حزب الاتحاد عام 1925. وقد أوجده صدقي ليكون سنده في الحياة الدستورية الصورية التي يريد إقامتها.

أعلن حزبا الوفد والأحرار الدستوريين مقاطعة الانتخابات، وهما يهدفان من وراء ذلك إلى سحب القاعدة الشعبية من تحت النظام الجديد حتى لا يستقر أبدا، هذا فضلا عن عدم تمثيله للشعب فيصبح غير قادر على الاتفاق مع الحكومة البريطانية بشأن المسألة المصرية، وقد وقعا لذلك ميثاقا عرف ” بالميثاق القومي” في 31 مارس 1931 وأسمياه ” عهد الله والوطن” أما الحزب الوطني فقد انقسمت لجنته الإدارية على نفسها حول الانتخابات بين مؤيد ومعارض لدخولها، ولكنها في النهاية قررت خوض غمارها على الرغم من موقفه السابق من الدستور.

وعلى الرغم مما تعرضت له الجماهير الشعبية من عنت على يد حكومة صدقي ، فقد استطاع أعضاء الوفد الطواف بالأقاليم لتوعية الجماهير لمقاطعة انتخابات صدقي، فكان الشعب يستقبلهم استقبالا حافلا رغم رصاص البوليس، كما قامت المظاهرات المعادية لصدقي في كل مكان، في بلبيس وبور سعيد والإسماعيلية والسويس وزادت حدتها في مدينة الإسكندرية حتى بلغ عدد القتلى عشرين قتيلا هذا فضلا عن خمسمائة جريح، فأصر الشعب على مقاطعة الانتخابات التي فرضها صدقي وقدم كثير من العمد والمشايخ استقالاتهم احتجاجا؛

كما شاركت الطبقات العاملة في احتجاجها على ما قامت به وزارة صدقي، فأضرب عمال عنابر بولاق والورش الأميرية عن الاشتراك في الانتخابات وتظاهروا احتجاجا فقوبلت مظاهراتهم بمنتهى القسوة والعنف.

وهكذا أراد صدقي أن يقيم حكما يستند على أسلوب الاضطهاد والبطش، بعد أن أعلنت الأمة استنكارها لما قام به من خطوات على طريق سلب حريتها التي كسبتها بعد كفاح طويل وذلك بإلغائه دستورها الذي كفل لها هذه الحرية.

استمرت وزارة صدقي في اضطهادها للوطنيين وتضييق الخناق عليهم، فوقعت بالبلاد حوادث دموية ومتعددة، ولكن الاتجاه المضاد لتيار الحركة الوطنية الذي يمثله صدقي وغيره كان لا يستطيع الصمود طويلا أمام كفاح الوطنيين المتواصل، هذا فضلا عن أن تجربة حكم الشعوب قهرا لم تصمد لاختبار الزمن.

فقد كان حكم صدقي يحمل بين طياته نقاط ضعفه التي عجلت هي وعدم شعبيته باندحاره، فقد بدأت تظهر فضائح مالية مست بعض الوزراء المشتركين في الحكم، ثم حدث ما هو أخطر من ذلك إذا لم يتردد صدقي نفسه في أن يصطدم بتزايد سلطات الملك، كما أن الأزمة الاقتصادية كانت ما تزال قائمة وتعان منها البلاد، فقدم صدقي استقالته في 21 سبتمبر 1933 بعد حكم شبه ديكتاتوري استمر أكثر من سنوات ثلاث، فكان ذلك بمثابة إدانة ضمنية النظام 1930 وجهها إليه صدقي نفسه.

وهكذا يسجل الانقلاب الثالث الذي أطاح بدستور 1923 فشلا أيضا وتنتهي الجولة الثالثة ضده فيواصل الوطنيون كفاحهم لاستعادته وتشيد الأمة في كفاحها من أجله ولكنه لا يعود إليها إلا على أثر ” ثورة” قام بها الشباب في خريف عام 1935.

وهكذا فإن الأوضاع السياسية التي مرت بها البلاد في أعقاب تصريح 28 فبراير 1922 كانت تعانى اهتزازا حادا، فقد كان تطبيق التجربة الدستورية في البلاد مثار خلافات ومنازعات حادة بين الأحزاب القائمة في ذلك الوقت.

وقد ظهرت تلك الخلافات جلية أثناء إجراء الانتخابات التي تهدف الأحزاب من وراء الفوز فيها بأغلبية للوصول إلى الحكم، وبذلك اشتد الصراع بينها للوصول إليه، فشغلهم ذلك ببعضهم ولعله قد استنفد جزء من طاقتهم التي يوجهونها ضد المحتل الأجنبي، وكان من نتيجة ذلك الصراع أيضا أن كثرت المهاترات الحزبية، كما ألقيت الاتهامات على أشخاص المعارضين.

هذا فضلا عن أسلوب الترغيب والترهيب الذي استخدم عند تأليف أحزاب سياسية جديدة لا تستند إلى أي سند شعبي، بهدف مساندة أنظمة حكم استبدادية تعمل على زيادة سلطات العرش بالاعتداء على الحياة الدستورية التي جاءت نتيجة لتصريح فبراير.

كما كان الصراع بين القصر والوطنيين أحد مظاهر ذلك الاهتزاز السياسي ، فالقصر يعمل جاهدا على نقل مقاليد الأمور إلى ساحته، ولكنه أنى له ذلك إلا بالاعتداء على الدستور، والوطنيون حريصون كل الحرص للحفاظ على مكاسبهم التي كفلها لهم الدستور، فإذا أضفنا إلى ذلك دور انجلترا في الانقلابات التي تعرض لها الدستور، فهي إن لم تكن وراء حدوثها فلا أقل من أنها قد أحسنت استغلالها إلى أبعد الحدود لصالحها.

ولعل كل ذلك يوضح مدى الاهتزاز الذي كانت تعانى منه الحياة السياسية المصرية في أعقاب تصريح فبراير، فقد أحدث ذلك الاهتزاز فراغا سياسيا كبيرا، فإن حركة الأحزاب السياسية القائمة لم تكن لتستوعب حركة الشباب فتعبر عن آمالهم وأمانيهم ووجهة نظرهم في حل المسألة المصرية، فكان ذلك مبررا كافيا كي تظهر تجمعات سياسية تعتمد في المقام الأول على عنصر الشباب الذي رفض وبإصرار الأسلوب الذي ارتضته الأحزاب القائمة لحل المسألة المصرية وهو أسلوب المفاوضات وإنما آمن باستخدام القوة لحلها وإكراه المستعمر على الجلاء عن البلاد.

حالة البلاد الإقتصادية

 

وقد كانت جمعية مصر الفتاة التي ظهرت في خريف عام 1933 أحد تلك التجمعات. وهكذا فإذا كانت تلك هي صورة الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة فمن الأهمية بمكان أن نتعرف على الوضع الاقتصادي فيها أيضا.

كان للاعتراف باستقلال البلاد كما جاء في تصريح فبراير 1922 نتائج هامة، إذا أخذ المسئولون عن السياسة المصرية يدركون بوضوح أن هذا الكسب السياسي لا ثبات له إلا إذا صحبه نوع من الاستقلال الاقتصادي، فسرت هذه الروح بين أفراد الشعب، وأصبح تشجيع الصناعة المحلية والمصنوعات المصرية من الأهداف والأماني الوطنية.

كانت هذه الروح شعبية ورسمية، فعلى النطاق الشعبي، فإنه منذ عام 1920 دعا محمد طلعت حرب إلى تأسيس شركة أنشأت بنك مصر، وهو أول مؤسسة مصرفية مصرية، أنشأته متواضعا برأسمال المؤسسات المصرفية الأجنبية الكثيرة الموجودة في البلاد.

وقد اشترط في عقد تأسيس البنك أن يكون حملة الأسهم من المصريين، فكفل له ذلك الصبغة القومية، وأخذ البنك يؤدى رسالته وينمو مع الأيام فأنشأ فروعا له في معظم مدن القطر الهامة، وتضاعف رأسماله واتسعت معاملاته على مر السنين.

أصبح البنك النواة الاقتصادية والمالية لنهضة الصناعات الوطنية فقد أنشأ عدة شركات مساهمة مصرية، كان البنك أداة تمويل وتوجيه لها، وحققت تلك الشركات نجاحا ملحوظا، فأدى نجاحها إلى تشجيع المصريين على استثمار أموالهم في الصناعة والتجارة.

فأسس المصريون شركات صناعية وتجارية حققت قدرا من النجاح، بعد أن كانت الأرض وحدها مجالا لاستثمار أموالهم وخاصة عندما ارتفعت أسعار القطن ارتفاعا أدى إلى استثمار رءوس الأموال في الزراعة، أما على الصعيد الرسمي، فكانت الحكومة تساير الرغبة القومية في تشجيع الصناعة، فأنشأت مصلحة التجارة والصناعة عام 1922، وقررت مبدأ التسليف الصناعي الحكومة.

إلا أن الأزمة الاقتصادية اجتاحت العالم، فكان لها أثرها الواضح في مصر مما جعل المصريين حكومة وشعبا يتخذون من التدابير المختلفة ما يخفف من وطأة تلك الأزمة، في محاولة من جانبهم أن يتلمسوا طريقا للخروج بالبلاد من تلك الأزمة الطاحنة، والتي تحمل العبء الأكبر من أثارها الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين.

لم تكد الدول الاستعمارية تنتهي من فترة التجديد والتعمير بعد الحرب العالمية الأولي في عام 1927، حتى تلك الدول في أزمة جديدة وصلت إلى الذروة في السنوات م بين 1929- 1933.

ففي شهر أكتوبر 1929 حدث الانهيار المالي الكبير في أسعار الأوراق المالية في بورصة نيويورك، مؤذنا بحدوث أزمة اقتصادية، لم تلبث أن اجتاحت العالم أجمع، وقد كانت من الشدة والعنف بدرجة لم يعرف لها العالم مثيلا من قبل، فلقد هبطت الدخول هبوطا كبيرا، كما هبط مستوى العمالة، وهبطت الأسعار وساد البؤس والفاقة سائر المجتمعات الصناعية والزراعية على السواء.

وكان لهذه الأزمة صداها المسموع في مصر، ولكن مظاهرها اختلفت في الدول الزراعية عنها في الدول الصناعية، فالأزمة تظهر في الدول الصناعية في شكل هبوط واضح في الدخول والإنتاج وتفاقم البطالة، وفى المجتمعات الزراعية في شكل صعوبة في تصريف الحاصلات الزراعية وانخفاض كبير في أسعارها.

ففي مصر انخفض سعر القطن انخفاضا كبيرا، فبيع محصول عام 1929 بسعر 20 جنيها إسترلينيا للقنطار مقابل 26 جنيها في العام السابق. وبيع محصول 1930 بسعر 12 جنيها ، ومحصول 1931 بسعر عشرة جنيهات للقنطار.

وعلى الرغم من انخفاض الأسعار، فقد كان الطلب على المحصول ضعيفا فلم تستطع مصر تسويق محصولها منه، فزاد ذلك من حدة الأزمة، فأخذت بالات القطن تتكدس عاما بعد عام حتى بلغ المجموع في عام 1931 أكثر من أربعة ملايين قنطار وقد ترتب على ذلك انخفاض في مستويات المعيشة وسوء حال السواد الأعظم من سكان البلاد فظهرت في البلاد موجة رسمية وشعبية للتخفيف من وطأة الأزمة.

فعلى النطاق الرسمي- بعد أن اشتدت الأزمة في نوفمبر 1929، وانخفاض أسعار القطن انخفاضا كبيرا، وتحت ضغط وإلحاح المنتجين قررت الحكومة التدخل في سوق القطن مشترية فبلغت مشتريات الحكومة من القطن ثلاثة ملايين قنطارا، وهى أكبر صفة عقدتها الحكومة؛

ولم تكن مصر وحدها هي التي اتبعت تلك السياسة، بل إن الولايات المتحدة اتبعت هي الأخرى نفس السياسة، وكان من نتيجة هذا التدخل من جانب الحكومة أن ارتفع سعر القطن في مصر عنه في دول العالم المنتجة له، مما أدى إلى إعاقة بيع المحصول كله لامتناع الغزالين عن الشراء، وتوقعوا أن الحكومة المصرية لن تستطيع الاستمرار في سياسة رفع الأسعار ، ونتيجة لذلك هبطت قيمة الصادرات بحوالي عشرين مليونا من الجنيهات، وفى وقت بقيت فيه الواردات عند نفس المستوى السابق، مما أدى إلى ظهور عجز كبير في الميزان التجاري.

وقد أثبتت الدراسات التي قام بها الاقتصاديون أن سياسة التدخل الحكومي في السوق مشترية غير مجدية، ولكنها تلحق بالاقتصاد الأهلي ضررا بليغا، فالقطن المصري يخضع للأسعار العالمية للأقطان، وخاصة سعر القطن الأمريكي وليس التحكم في الأسعار مما يعد مسألة داخلية.

وقد اتبعت وزارة النحاس الثانية 1930 هذه السياسة للتخفيف عن السواد الأعظم من جماهير الشعب وهم الفلاحون منتجو القطن، هذا فضلا عن كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين أثرت الأزمة عليهم إلى أبعد حد.

وفى هذا المجال أيضا، قامت وزارة إسماعيل صدقي بعدة دراسات قام بها وكيل وزارة المالية، بهدف وضع سياسة مستديمة لعلاج الأزمة الاقتصادية، فأعد مذكرة في هذا الشأن، اقترح فيها العدول عن سياسة التدخل وترك الأسعار حرة، فاتبعت حكومة صدقي هذه السياسة الجديدة في سبتمبر 1930؛

فأدى ذلك إلى اطراد انخفاض أسعار القطن، فلجأت الحكومة إلى خفض نفقات إنتاج القطن ، فزادت المبالغ التي تقرضها للزراع بفائدة معتدلة فأنشأت بنك التسليف الزراعي لهذا الغرض، وكذلك مدت أجل استحقاق الأموال التي قدمتها للزراع، وشجعت إنشاء جمعيات تعاونية جديدة.

وساعد عدم وجود نقابات للعمال الزراعيين على انخفاض أجورهم، وعلى الرغم من هذه الجهود التي بذلتها الحكومة ظلت الحالة تسوء في البلاد بسبب استمرار هبوط الأسعار، ونقض غلة الفدان، وفرض الحكومة الأمريكية الرسوم العالية على واردات الأقطان طويلة التيلة. هذا بالإضافة إلى زيادة محصول القطن الأمريكي في الموسم الزراعي 1930/1931 . ولم تنج مصر من حدوث كارثة محققة إلا بخروج انجلترا عن قاعدة الذهب.

كان لخروج انجلترا عن قاعدة الذهب أثره الواضح في مصر، فقد كان الجنيه المصري مرتبطا بالجنيه الإنجليزي فهو يتبعه في تقلباته، ومن ثم كانت مصر تسير على نظام الصرف بالاسترلينى وبينما كانت أسعار القطن مستمرة في الانخفاض ، غذ بانجلترا تخرج عن قاعدة الذهب، ونتيجة لذلك تدهورت قيمة الجنيه الاسترلينى بمقدار 30%

وتبع ذلك انخفاض في قيمة الجنيه المصري، فساعد هذا على تخفيف وقع الأزمة بعض الشيء، فارتفعت أسعار القطن المصري بحوالي 20% من سعره، كما أفاد هذا التخفيض في تخفيف العبء الحقيقي للدين الخارجي، فقد أصرت الحكومة على سداد الأقساط والفوائد بالاسترلينى إذ أنها عقدت تلك القروض بالعملة الأجنبية. إلا أن هذه الإجراءات السريعة التي لجأت إليها الجهات الرسمية لم يكن لها أثر كبير في تخفيف حدة الأزمة، مما جعل الحكومة تعيد النظر في سياسة مصر الاقتصادية برمتها.

ففي مجال الزراعة: حاولت الحكومة أن توجد نوعا من التوازن في الإنتاج الزراعي ، يرمى إلى إضعاف سيطرة القطن على الاقتصاد المصري، فاشتدت العناية بزراعة الحبوب والخضر والفاكهة حتى يحدث التوازن المنشود.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بذلك جهود كبيرة لتحسين الإنتاج الزراعي، وهو ما يسمى بالتوسع الرأسي في الإنتاج، أي إعطاء مزيد من الإنتاج من نفس مساحة الأرض المستغلة. كذلك عنيت الحكومة بمكافحة الآفات.

ووجه اهتمام خاص لتنفيذ بعض مشروعات الري ذات المنفعة العامة، ففي 1933 تمت التعلية الثانية لخزان أسوان لتوفير المياه اللازمة للزراعة بعد زمن الفيضان، واهتمت الحكومة أيضا بمشروعات الصرف إلا أنها كانت دون حاجة الأراضي.

أما في مجال الصناعة: فقد أوجدت الأزمة الاقتصادية نوعا من القلق الاقتصادي داخل مصر، إذا أوضحت المتاعب التي تتعرض لها البلاد نتيجة الاعتماد على القطن، إلى توطيد العزم على ضرورة تنويع أوجه النشاط الاقتصادي بإدخال التصنيع، كما أن نمو السكان وسرعة تزايدهم أدت إلى فائض كبير في العمال الزراعيين، فليس هناك من سبيل للتخفيف من حدة المشكلة السكانية إلا بتحويل جزء منهم إلى عمال صناعيين، حيث مستوى الأجور أعلى منها في مجال الزراعة.

وقد اتخذت الحكومة بعض الإجراءات في هذا المجال لتدعيم الصناعة الناشئة، فما أن انتهى أجل المعاهدات التجارية التي غلت أيدي مصر ردحا طويلا من الزمن إلا وسارعت إلى تغيير السياسة الجمركية، فعرضت في 17 فبراير 1930 تعريفة جمركية جديدة تعتبر بحق نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث، فقد كان الهدف منها حماية الصناعة المصرية من المنافسة الأجنبية. وفى حقيقة الأمر فإنه يمكن اعتبار تاريخ فرض هذه التعريفة الجديدة، هو بدء قيام الصناعة الحديثة ذات الإنتاج الكبير في مصر.

وكذلك فقد استقدمت الحكومة المصرية الخبراء الأجانب لدراسة أوضاع الصناعة في مصر، ومنحت السلف بفائدة معتدلة، وأصدرت أوامرها إلى المصالح الحكومية بتفضيل المنتجات المصرية حتى لو زادت أثمانها عن مثيلاتها الأجنبية بنسبة 10% .

هذا وإن كانت هذه الإجراءات قد هيأت للصناعة نوعا من الاستقرار، فإن خروج البلاد عن قاعدة الذهب وما كان له من أثر في رفع أسعار القطن. جعل الطلب يتزايد على بعض السلع فحقق ذلك رواجا مؤقتا لبعض السلع.

وبرغم كل هذا فقد ظلت الصناعة المصرية دون ما كان يرجى لها من تطور، فلا زالت تلقى منافسة قوية من الصناعة الأجنبية. وفى الحقيقة فإن نهضة الصناعة المصرية أخذت واضحة للعيان منذ التعديل الجمركي في عام 1930، ولكنها كأي نهضة كانت في حاجة إلى الوقت الكافي لنجاحها وثباتها.

وفى مجال التجارة: فقد ازدادت الحاجة إلى المتاجر نتيجة للنمو السكاني في مصر وتعدد مطالب السكان وتنوعها. ونمت المنشآت التي تقوم بخدمة التجارة الداخلية، ولقد كان للأزمة الاقتصادية آثار واضحة على تجارة مصر الخارجية، فهبطت الصادرات والواردات هبوط مفاجئا، حتى بدت بوادر التحسن في عام 1933.

فاطردت الزيادة في الصادرات والواردات لأن الأحوال الاقتصادية في مصر أخذت تستقر تدريجيا بعد هذا التاريخ. هذا بالإضافة إلى أن الحكومة قامت بإجراء بعض التعديلات على النظام الضريبي، إلا أن يدها لم تكن حرة تماما في هذا المجال لقيام الامتيازات الأجنبية، وتركز رءوس الأموال في يد الأجانب المتمتعين بمظلة الامتيازات الأجنبية.

كذلك سعت الحكومة للتخلص من تبعية النقد المصري للنقد الإنجليزي الذي جعل الاقتصاد المصري يتأثر تأثرا مباشرا بالتقلبات التي تصيب الحياة الاقتصادية في انجلترا، ففكرت مصر في التخلص من هذه التبعية في مجال النظام النقدي.

وعلى الرغم مما قامت به الدولة في مجال الزراعة والصناعة والتجارة للتخفيف من حدة الأزمة فقد برزت في خلال الأزمة الاقتصادية قضية هامة برزت على سطح الأحداث الجارية في مصر وهى قضية الثروة العقارية المصرية، فقد أصبح ثلثها تقريبا مهددا بانتقال ملكيته إلى البنوك العقارية والأفراد من الأجانب.

فقد عقد الكثير من ملاك الأراضي قروضا مع البنوك العقارية لآجال طويلة، وذلك عقب الحرب العالمية الأولي. وعندما حلت الأزمة الاقتصادية بالبلاد واشتدت وطأتها نتيجة للكارثة القطنية في عام 1931 ، فقد عجز المدينون من الملاك عن سداد الأقساط والفوائد المستحقة عليهم، فلجأ الدائنون إلى السير في إجراءات بيع الأراضي الضامنة لديونهم، بنزع ملكيتها لصالحهم، فكثرت القضايا أمام المحاكم المختلطة بصفة خاصة، وانتشر بيع الأراضي إجباريا ففزع الملاك مستنجدين بالحكومة.

تقدم الاقتصاديون بأبحاثهم يقترحون الحلول للخلاص من تلك الأزمة التي تهدد الثروة القومية للبلاد، فأفسحت الصحف أنهرها لتلك الأبحاث ولمناقشة الأزمة العقارية والعمل على تلافيها وقد أدت الإجراءات التي قام بها الدائنون الأجانب إلى انخفاض سعر الأرض ، فبيعت الأراضي بأقل من قيمتها بكثير؛

فأصبح ذلك خطرا يهدد الكيان الاجتماعي، فقررت الحكومة أن تستجيب لنداء الملاك، فتدخلت لحل هذه المشكلة، فأنشأت البنك العقاري الزراعي المصري، وكذلك أنشأت بنك التسليف الزراعي كما سبق أن ذكرنا في صيف عام 1931 فتعاون البنكان على حل مشكلة الديون العقارية بوقف البيوع الجبرية، فتدخلت الدولة لدى الدائنين في عام 1931 ودفعت الأقساط المتأخرة نيابة عن المدينين واعتمدت لذلك القرض مليونا من الجنيهات. وهكذا أنقذت هذا الجزء الكبير من ثروة البلاد العقارية من الضياع.

ومهما كان من أمر ، فعلى الرغم من هذه التدابير التي اتخذتها حكومة إسماعيل صدقي للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، ووقعها على الشعب المصري، فقد عانت منها البلاد الكثير، ووقع العبء الأكبر على العمال والفلاحين وساءت أحوال معيشتهم فانضمت جموعهم إلى حركة المقاومة ضد حكومة إسماعيل صدقي.

وقد قابلتهم حكومة صدقي بالحديد والنار فتحولت المعركة إلى ” شبه حرب أهلية” على حد تعبير صدقي نفسه. وهكذا وبرغم الجهود المبذولة من جانب حكومة صدقي وعلى ما يتمتع به صدقي نفسه من عقلية اقتصادية ممتازة، فقد عجزت كل تلك الجهود عن أن تجعل الأزمة تنفرج تماما.

وعندما تولى عبد الفتاح يحيى تأليف الوزارة عقب استقالة صدقي، فكر أن أكثر ما يشغل وزارته هو معالجة الأزمة الاقتصادية، ومع ها فإن ما قامت به وزارته في هذا الشأن لم يتعد إصدار القانون الذي أقره البرلمان بتخفيض إيجار الأطيان الزراعية لعام 1932 بمقدار ثلاثة أعشار قيمتها، وكذلك فقد خصصت مبلغ مليوني جنيه لسداد بعض المستحقات على المزارعين .

وكان من نتيجة عجز هذه الوزارة عن معالجة الأزمة كما عجزت سابقتها. أن حاول حزب الأحرار الدستوريين التقرب من حزب الوفد لوضع سياسة اقتصادية مشتركة ينفذانها لمعالجة أسباب الأزمة من ناحية، وكمحاولة للإطاحة بوزارة عبد الفتاح يحيى من ناحية أخرى.

أرسل الأحرار الدستوريين مذكرة إلى حزب الوفد حول المعنى السابق، فكان رد الوفد المصري على مذكرتهم” يشارك الوفد المصري حزب الأحرار الدستوريين شعوره فيما وصلت إليه حالة الأزمة الاقتصادية في البلاد من سوء عجزت عن معالجته بطبيعة الحال الحكومات التى تولت إدارة شئونها بدون إرادة الأمة وبمشيئة الغاصبين…

وكان بود الوفد المصري.. أن يقابل فكرة الأحرار في الوقت الحاضر بالارتياح لولا أن ترديد هذه الفكرة ينشأ بعد محادثات ذاع خبرها في طول البلاد وعرضها بين صدقي باشا وحزبهم للتعاون اقتصاديا لمحاربة الوزارة الحاضرة”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ظهرت حركة مصر الفتاة في المجتمع المصري في الثلاثينات من القرن العشرين، وكان ظهورها معاصرا لتيارات فكرية معينة وفدت من أوربا بعد أن انتشرت بها في تلك الفترة وما سبقها، وكان لها صداها المسموع في مصر ، فتألفت جمعية مصر الفتاة برئاسة أحمد حسين في خريف عام 1933 محاولة بهذا التيار الفكري وباستخدام أساليبه التي اتخذها في مجال تطبيق أفكاره.

وفى حقيقة الأمر ، فإن هذه التيارات الفكرية التي انتشرت في أوربا واعتمدت على عنصر الشباب بحماسته المتدفقة وسرعته في التأثير والإيمان المطلق بفكرها الذي أرادت أن تنشره، وهى أفكار جديدة كانت غير مألوفة ولا مستخدمة في ذلك الوقت، فقد لجأت بعض الدول الأوربية للأخذ بهذه الأفكار حتى يتاح لها استعادة وضعها السابق وتجديد شباب دولها عن طريق الشباب وحماسته؛

وربما كان الإخفاق والهزيمة القاسية التي منيت بها ألمانيا في الحرب العالمية الأولي دافعا لها للتغني بمبدأ سيادة العصر الجرماني، وهى دعوة عنصرية عرقية لعلها مرتبطة بناحية نفسية طبيعية تصاب بها أية كيانات عندما تتعرض لهزة عنيفة، وليس هناك أقوى من رد فعل الحرب وظروفها على المجتمعات المختلفة.

 

شباب الثلاثينات والأربعينيات والإنقطاع الجيلى

ويقول الدكتور أحمد التهامى عبدالحى فى دراسته “الأجيال فى السياسة المصرية” فى مقارنة بين حالات الإنقطاع والإستمرارية بين الأجيال وما حدث فى حالة جيل الثلاثينات والأربيعينات من حالة الإنفصال التام لذلك الجيل مثل انقطاعا جيليا حقيقيا وليس مجرد حماس شباب أو مثالية زائدة مرتبطة بمرحلة عمرية معينة ، فقد كان الإنقطاع عمريا وفكريا وسياسيا وثقافيا ، ولم تكن المشكلة متعلقة بالسن ولكن بالتعارض مع التوجهات السياسية لجيل الشيوخ والنخبة الحاكمة .

وأضاف الدكتور أحمد التهامى فى مؤلفه سابق الذكر أن الإنقطاع الجيلى بين الأجيال الجديدة والجيل الذى يحتكر السلطة ، وظهورحركة رفض قوية من الأجيال الجديدة، كما أن الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين شهدت تبلور الحركات والتيارات السياسية الإساسية فى مصر المعاصرة ، وكانت تعبيرا عن مفهوم الجيل بالمعنى السياسي التاريخي، حيث تم تم تأسيس حركات حركات إجتماعية ذات أبعادأيدولوجية واضحة توافرت لها الإستمرارية على مدى الزمن .

ومن هنا استنتج د. التهامى أن هذا الإنقطاع الجيلى فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين والذى كان حادا وقويا من الرافضين للنظام القائم آنذاك صنعت وحدة جيلية هى ضباط يوليو 1952 ، وهؤلاء كانوا لهم ارتباطات ببعض الحركات الوطنية فى تلك الفترة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة .

 

الظروف الدولية المحيطة

هيأت ظروف الحرب التي تعرضت لها تلك الدول الفرصة لظهور أنظمة سياسية تنادى بضرورة بعث مجد روما في إيطاليا وسيادة العنصر الجرماني في ألمانيا، وقد استطاعت تلك النظم الأوربية في فترة وجيزة أن تحقق نجاحا منقطع النظير في الوصول إلى تحقيق الغايات التي كرست نفسها من أجلها، فتمثل ذلك في النجاح الذي حققه موسولينى في إيطاليا بعد استيلائه على السلطة في عام 1922 حيث نهض بإيطاليا نهضة اندهش لها الشرق والغرب معا في ذلك الوقت .

كذلك استطاع هتلر أن يقفز إلى السلطة في عام 1933 وأن يعيد لألمانيا جزءا من هيبتها بعد أن مزقت الحرب العالمية الأولي أوصالها، فكان ذلك النجاح الذي شهدته هاتان الدولتان في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية تقوم على الفرد كما تقوم على طبيعة عسكرية استخدمت قوتها في الوصول إلى الحكم وتغيير شكل المجتمع ، كانت مثار إعجاب من معظم دول العالم، إلى الحد الذي رأت فيها بعض الدول والشعوب نماذج تحتذي.

انتشرت موجة الإعجاب بم حققته تلك الأنظمة السياسية في معظم دول العالم، وكان له صداها المسموع في مصر، فظهرت بها تجمعات سياسية أعجبت بتلك الأنظمة وبما حققته من منجزات لدولها، فكان منها جمعية مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين والحزب الديمقراطي وحتى حزب الوفد الحزب الشعبي الجماهيري الذي يؤمن بالديمقراطية إيمانا مطلقا، تعرض في فترة من الفترات للأخذ بأساليب تطبيق تلك الأفكار فلم يستطع أن يقاوم موجة الإعجاب بتلك الأنظمة الأوربية.

وعلى الرغم من أهمية دراسة حركة مصر الفتاة ودورها في السياسة المصرية كحركة سياسية ذات اتجاهات إصلاحية ترمى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين فئات وعناصر الشعب المختلفة، إلا أنه كان دون ذلك عدة محاذير تمنع من دراستها والتعرض لها؛

فمنها أن معظم قادة تلك الحركة وأعضاؤها ما زال معظمهم على قيد الحياة، ومنها أن معظم وثائق تلك الفترة ما زالت في بطون الأرشيفات المصرية المختلفة والتي لم يكشف النقاب عنها حتى الآن، وهى تشكل المادة الأصلية لدراسة هذه الأحزاب والجماعات السياسية، ومنها أن دراسة هذه الموضوعات المعاصرة دونه صعوبات كثيرة، ومتعددة.

وفى نفس الوقت الذي كانت تلك المحاذير تمنع دراسة الموضوع فقد كان بعضها عاملا مشجعا في نفس الوقت لدراسته، فإن زعماء الحركة وقادتها الأحياء يضيفون أبعادا جديدة وتفسيرات معينة للأحداث المختلفة التي مرت بها الحركة، كما أن التقاء المؤرخ بالشخصيات التي يؤرخ لها والتي شاركت في الحياة السياسية يضيف أبعادا جديدة أيضا إلى تصوره للموضوع ولشخصية القائمين بالحركة التي يعالجها دراسته؛

فالوثائق والمؤلفات ومختلف المصادر تعطى مادة جامدة على المؤرخ أن يحاول تحليلها وتفسريها، أما مناقشة الموضوعات مع من شاركوا في أحداثها ربما أعطت صورة أوضح لتفسيرها وتحليلها، ومن هذا المنطلق كان بقاء معظم قادة وأعضاء الحركة أحياء عاملا مشجعا على دراستها.

وتساءل  د. على شلبى عن علة اختيار ذلك الموضوع وتحديده بالفترة الزمنية المذكورة ؟ فإن ذلك راجع إلى أن الحركة الوطنية المصرية قد حظيت ببعض الدراسات العلمية التي قام بها بعض المؤرخين والمهتمين بتاريخ مصر، وعلى الأخص الدراسة التي قام بها الدكتور عبد العظيم رمضان في رسالتيه للماجستير والدكتوراه والتي تعرض فيهما لدراسة حركة مصر الفتاة كرافد من روافد الحركة الوطنية وقد اعتبره رافدا معاديا للخط الوطني الذي سلكته الجماهير .

كذلك قام أحد المؤرخين الأمريكيين بدراسة بعنوان ” حزب مصر الفتاة والقومية المصرية في الفترة من 1933-1945″ لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث من جامعة ” متشجان” بالولايات المتحدة الأمريكية عالج فيه الحركة معتمدا أساس على الدوريات المختلفة وبعض الكتابات عنها وأن لم يرجع إلى المصادر الأصلية التي كان متاحا الاطلاع عليها فيما يختص بالموضوع سواء كانت الوثائق العربية أو الوثائق البريطانية؛

ولكنه لم يفعل واقتصر على أرشيف الخارجية الألمانية الذي صور ونقل إلى أرشيف الولايات المتحدة الأمريكية ، وفى اعتقادي – والكلام للدكتور على شلبى –  أنه لا يضم من الوثائق عن تاريخ مصر إلا القليل ، فإذا كان الموضوع مصر الفتاة فهو أقل القليل، ولكن على العموم جاءت دراسته إضافة جديدة لتاريخ مصر وكان له فضل الريادة في هذا المجال.

وإزاء ما أورده الدكتور عبد العظيم رمضان واعتبر فيه مصر الفتاة حركة معادية للخط الوطني ودراسة “جان كوفسكى” لحركتها مع عدم استناد وبيان مختلف جوانبه في ضوء المادة الأصلية المتاحة من الوثائق العربية والأجنبية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن دراسة مصر الفتاة كحركة ظهرت في المجتمع المصري رأى فيها البعض تعبيرا عن تيار فكرى وفد من أوربا واعتنقه أفرادها وحاولوا نشره وتطبيق أفكاره في مصر؛ كان ذلك في حد ذاته هو الدافع الأساسي لي – الدكتور على شلبى –  للقيام بتلك الدراسة وبيان مدى صحة ذلك وهل كانت مصر الفتاة في حقيقة أمرها تعبيرا عن ذلك التيار الفاشي الذي حقق نجاحا ملحوظا في أوربا في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين؟.

ويضيف الدكتر شلبى ” أما عن دراسة هذه الحركة كأحد الكيانات السياسية التي شاركت بدور فعال في الحركة الوطنية المصرية في تاريخ مصر المعاصر، تعد دراستها بل دراسة التاريخ المعاصر على وجه العموم دراسة شاقة تتطلب المزيد من الجهد والجرأة في التصدي لموضوعات ما زالت حية في أذهان الجماهير بل ربما شاركوا في أحداثها بنصيب، فمن هنا تأتى صعوبة دراسة هذه الموضوعات المعاصرة.”

الهيكل التنظيمي لمصر الفتاة

 

إن تجربة التطور التي مرت بها مصر الفتاة لم تكن لتحقق لها ما آمنت به منذ البداية ، وما كرست نفسها له، فقد وضع أحمد حسين منذ البداية هدفا محددا لحركته وهو العمل لإعادة مجد مصر وحاول أن يستخدم كل الأساليب الممكنة لتحقيقه، إلا أنه لم يرسم الطريق لحركته كزى تسلكه فكانت النتيجة أن فشلت في تحقيق هدفها، وإن كانت قد أحدثت ردود فعل داخل المجتمع.

صاحب عملية التطور في جمعية مصر الفتاة تغيرات ملموسة في التركيب الداخلي لها بهدف تطوير هيكلها التنظيمي ليواكب عملية التطور، أملا في الوصول إلى الهدف المنشود ولابد لنا أن نتناول هذا الجانب حتى تتضح حركة التطور.

وسوف نتناول في هذا جانبين :

جانبا نظريا يتعلق بالقوانين النظامية المختلفة التي صاغتها مصر الفتاة وما طرأ عليها من تعديلات ، وكذلك التعليمات والتوجيهات التي كانت تصدر للأعضاء، فقد حددت تلك القوانين حركة مصر الفتاة داخليا، ونتناول درجات العضوية وتكوين اللجان الفرعية ، والتشكيلات شبه العسكرية وكوادرها المختلفة، والموارد المالية ومصادر التمويل.وقد خضعت كل تلك الجوانب التي حددتها القوانين للتعديل والتغيير كما سنرى.

أما الجانب الثاني فهو تطبيقي يتعلق بالممارسة يمكننا في النهاية معرفة مدى التزام مصر الفتاة بما أعلنته في الجانب النظري.أعلنت مصر الفتاة منذ بداية تكوينها أن أول عمل تريده هو تنظيم الصفوف لتصل إلى غايتها بأسرع وقت؛ وقد عبرت عن ذلك بقولها

” أننا نعيش في فوضى فيجب أن نعيش في نظام، وأن نجمع الشباب في صعيد واحد، وأن نعودهم النظام والطاعة، وأن نرسم لهم مثلا أعلى يحاولون الوصول إليه، وأن نملأهم إيمانا بحقهم، إيمانا بقوتهم، إيمانا بقدرتهم على العمل، وأن نحملهم على التقشف وعلى بغض اللهو والتخنث والتهتك، وأن يعبدوا الله، وأن يفنوا في سبيل الوطن وأن يلتفوا حول عرش الملك”

وقد اشتمل القانون النظامي لجمعية مصر الفتاة على مبادئ حددت أقسام الهيكل التنظيمي لها على الوجه التالي:

الأنصار:

وهم كل مصري يناصر مبادئ الجمعية ويهمه نجاحها فيساعدها باشتراكه الشهري وتنفيذ مبادئها ونشر الدعاية لها، ولكي يكون الشخص نصيرا عليه أن يملأ استمارة العضوية الخاصة بذلك والتي يتم تسجيلها في دفاتر الجمعية؛

ثم يمنح النصير بعد ذلك بطاقة عضوية، وعلى النصير أن يدفع اشتراكا شهريا قدره خمسة قروش، فإذا تأخر عن دفع اشتراكه شهرين متواليين بدون عذر يعتبر مستقيلا إلا إذا رأى رئيس الجمعية غير ذلك، والأنصار وحدهم الذين ينتخب من بينهم المجاهدون، فيجب على من يكون مجاهدا أن يكون نصيرا أولا لمدة شهر فإذا أتبت إخلاصه وكفاءته عين مجاهدا.

المجاهدون:

والمجاهد، هو الشاب الذي يرغب في القيام بدور إيجابي لتنفيذ مبادئ الجمعية بأن يندمج في فرقها النظامية، والتي مهمتها تنفيذ ما يلقى عليها من الأوامر لنشر الروح المعنوية.

ويخضع المجاهدون لنظام شبه عسكري أساه الخضوع التام للرؤساء وتنفيذ الأوامر بلا مناقشة أو تردد، ويتم تعيين المجاهد بعد موافقة مجلس أركان حرب الجهاد، بناء على ترشيح أحد أعضائه، أو بناء على ترشيح شعب الجمعية في الأقاليم، ويجوز دائما أن يعين مجاهدين بشرط أن يعرض أسماءهم بعد ذلك على المجلس لتسجيل هذا التعيين

وعلى المجاهد واجبات هى:

أن يكون جنديا يتصرف في كل أعماله بالروح العسكرية، روح النظام والشجاعة والخضوع للقوانين وطاعة الرؤساء، وأن ينفذ كل الأوامر الصادرة من رئيسه الأعلى، وإلا عرض نفسه للمحاكمة، وعليه أيضا أن يكون حائزا لزى الجمعية الرسمي، كذلك يحرك عليه شرب الخمر، أو ارتياد دور اللهو وأن يحافظ على جسده قويا سليما، وألا يلبس أو يأكل إلا كل ما هو مصري، ولا يتعامل إلا مع المحلات المصرية؛ وأخيرا عليه أن يدفع اشتراكا شهريا قدره عشرة قروش وأن يكون مشتركا في جريدة الجمعية وللرئيس أن يعفى بعض المجاهدين من هذا الالتزام كله أو بعضه. وهؤلاء المجاهدون ينضوون تحت لواء تشكيلات عسكرية لها كوادرها وتنظيماتها وهى:

التشكيلات شبه العسكرية:

لهذه التشكيلات كوادرها المختلفة التي تتكون من المجاهدين وهى على الوجه الآتي: كل اثني عشر مجاهدا يكونون قسما، يعين الرئيس من بينهم مجاهدا أول يكون رئيسا للقسم ومجاهدا ثانيا ليكون وكيلا له.

ومن كل أربعة أقسام تتكون كتيبة يعين لها الرئيس مجاهدا أول يتولى رياستها واثنين من المجاهدين الثواني يكونان وكيلين له، وكل أربعة كتائب تكون فرقة يعين لها الرئيس مجاهدا أول رئيسا لها يعاونه أربعة مجاهدين ثواني وكلاء له ، وكل أربعة فرق تكون لواء يعين له الرئيس مجاهدا وثمانية مجاهدين ثواني وكلاء له، وكل أربعة ألوية تكون فيلقا يعين الرئيس له مجاهدا أول وسبعة عشر مجاهدا ثانيا.

ولهذه التشكيلات سبه العسكرية أزياء رسمية وشارات مميزة تميز كل منها عن الآخر سواء كان ذلك في الزى الذي يرتدي المجاهد في كل كادر من الكوادر أو في الشارات التي يحملها كل منهم والرتب التي يضعها على ذراعه الأيسر، ولهذه التشكيلات أيضا مجلس أعلى هو مجلس أركان حرب الجهاد يشرف عليها أيضا مجلس أعلى هو مجلس أركان حرب الجهاد يشرف عليها وينظم كل ما يختص بها من شئون؛

فهو يصدر الأوامر ويرسم الخطط التي من شأنها تنفيذ مبادئ الجمعية وإنجاحا، ويقرر تعيين المجاهدين، ويتكون هذا المجلس من كل من رؤساء الأولوية والفيالق، كما أن لهذا المجلس مستشارا له حق حضور كل جلساته وله أن يدلى بآرائه وله حق التصويت في المجلس . أما عن كيفية اكتساب الأنصار لدرجة المجاهد فإن ذلك يتم بناء على حفل يقام لهذا الغرض.

تنصيب المجاهد:

يكون تنصيب المجاهد في حفلة عامة يحدد رئيس الجمعية ميعادها ويعلن عنها في جريدة الجمعية قبل الموعد بثلاثة أيام على الأقل ، ويجب أن يحضر الاحتفال أقسام المجاهدين بعدد الأعضاء الذين سيعينون مجاهدين، إلا إذا كان الاحتفال بحضور أعضاء مجلس الجهاد؛

وذلك تشريفا للمجاهدين الجدد، فإذا كانت المدينة لا يوجد بها أقسام فيكتفي في هذه الحالة بحضور الرئيس أو مندوبه الرسمي الذي يعين خصيصا لذلك، ويشترط لحضور هذا الحفل أن يرتدى الجميع الأزياء الرسمية للجمعية، وعند بداية الحفل تقف أقسام المجاهدين على شكل مثلث متساوي الأضلاع وفى وسطه يركز علم الجمعية ويقف تحته الرئيس أو من ينتدبه لذلك ثم ينادى على المرشح ويتلو عليه قرار مجلس أركان حرب الجهاد القاضي بتعيينه مجاهدا؛ ثم يوجه إليه السؤال الآتي:

” هل أنت مستعد أن تكون مجاهدا في جمعية مصر الفتاة، فتضحي بنفسك وكل ما تملك في سبيل الله والوطن والملك، وهل تقسم على الخضوع لنظام الجمعية العسكري، وأن تكون مطيعا لرؤسائك مهما كلفك ذلك”

فيجيب المرشح مستعد واقسم ويتلو الرئيس أو مندوبه القسم ثم يتلوه المرشح وهو ” أقسم بالله وبالوطن وبالملك أن أقف نفسي وجهدي ومالي في سبيل مبادئ الجمعية وبرنامجها وأن لا أتأخر عن أية تضحية يتطلبها منى الجهاد، وأن أكون خاضعا لنظام الجمعية العسكري، محترما لرؤسائي منفذا ما يلقى لي من الأوامر في حدود القانون بلا مناقشة أو تردد” .

وهنا يقلده الرئيس أو مندوبه شارة الجمعية (عبارة عن قطعة من القماش الأحمر بها ثلاث مثلثات بيضاء) وبذلك يصبح منذ ذلك الوقت مجاهدا ينضوي تحت لواء الكوادر سالفة الذكر. وفى قمة هذه التنظيمات وعلى رأسها يتشكل مجلس الجهاد وهو أعلى سلطة في الجمعية.

مجلس الجهاد:

يتكون هذا المجلس من خمسين عضوا اشتركوا في تأسيس جمعية مصر الفتاة أو شعبها في الأقاليم أو في أحياء القاهرة، وعضويته حق لكل رئيس شعبة معترفا بها رسميا أو سكرتيرها إذا لم يكن لها رئيس، ومع ذلك يجوز لمجلس الجهاد أن يضم إليه أعضاء جددا للاستعانة بكفاءاتهم بشرط أن يوافق الرئيس على ضمهم، وتعقد اجتماعاته مرة في يوم الجمعة الأول من كل شهر ، إلا إذا طلب الرئيس عقده؛

وكذلك فإن جلساته سرية لا يجوز حضورها إلا لأعضائه، وفى حالة الضرورة الملحة لا يجوز لأحد حضورها إلا بتصريح خاص من المجلس بموافقة ثلاثة أرباع أعضائه، أما حضور الجلسات للأعضاء يجب أن يكون بالزى الرسمي للجمعية؛

وقبل أن يباشر عضو مجلس الجهاد عمله في المجلس عليه أن يقسم القسم التالي

” أقسم بالله وبالوطن والملك أن أقف نفسي وجهدي ومالي في سبيل تنفيذ مبادئ الجمعية وبرنامجها، وأن لا أتأخر عن أي تضحية يتطلبها منى الجهاد، وأن أوؤدى أعمالي بإخلاص ووفاء في حدود قانون الجمعية ، وأقسم أن أحافظ على سرية المداولات وألا أذيع حرفا واحدا منها بدون إذن الرئيس”

وكذلك فإن على عضو المجلس أن يقدم 10% من دخله الشهري للجمعية وأن يقوم بتأدية ذلك بما يوحيه إليه شرفه وضميره على ألا يقل ذلك عن عشرين قرشا في الشهر بأي حال من الأحوال.

 

اللجان الفرعية للجمعية في الأقاليم:

تؤلف في عاصمة كل مديرية أو محافظة شعبة للجمعية، من عدد من الأعضاء لا يقل عن خمسة عشر إلا بتصريح خاص من مجلس الجهاد، وأن يكون لهذه القلة ما يبررها ، وبمجرد اجتماع هذا العدد، يحرر محضر رسمي بتشكيل الشعبة، وترسل صورة منه موقعا عليها من جميع الأعضاء إلى المركز الرئيسي، وترسل دعوة لسكرتير عام الجمعية لحضور جلسة تأسيس الشعبة رسميا؛

وترسل دعوة لسكرتير عام الجمعية لحضور جلسة تأسيس الشعبة رسميا، ويتولى رئاستها أما بنفسه أو بإيفاد أحد أعضاء مجلس الجهاد مندوبا عنه، فإذا تكامل أعضاء الشعبة الموقعون على المحضر الأول يلقى عليهم السكرتير العام أو مندوبه تعليمات الجمعية ومبادئها بصفة رسمية ويرسم لهم خطة العمل، ثم يتشاور معهم فيمن ينتخبونه رئيسا وسكرتيرا وأمينا للصندوق، فإذا قر رأيهم بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء، نفذ القرار وإلا ترك الأمر لرئيس الجمعية ليفصل فيه.

وبمجرد تأليف الشعبة يكتتب أعضاؤها بمبلغ من المال يكون رأسمال للشعبة لتتمنك من القيام بالأعمال التأسيسية ، ثم يحرر محضر رسمي لما دار في الجلسة ونتيجة الانتخابات وما دفع من أموال ويوقع عليه جميع الأعضاء والسكرتير العام أو مندوبه، وعلى السكرتير العام أو مندوبه رفع هذا المحضر إلى مجلس الجهاد للتصديق عليه وبهذا تعتبر الشعبة قد تم تكوينها رسميا.

لكل شعبة في منطقتها اختصاصات مجلس الجهاد بأعماله، وتسرى عليها كل قواعده وأنظمته، وعضو الشعبة مجاهدا أول لقسم في تشكيلات المجاهدين، وعلى الشعبة أن تقوم بنشر الدعاية لمبادئ الجمعية عن طريق المطبوعات والاجتماعات وعليها أيضا أن تجمع الأنصار وأن تقوم بتحصيل اشتراكاتهم لمساعدة الجمعية في القيام بأعمالها، على أن أهم عمل أنيط بالشعبة أن تقوم به هو إعداد الشباب ليكونوا مجاهدين؛

فتقوم بالتدريبات العسكرية مستعينة في ذلك ببعض الأشخاص الذين سبق لهم الالتحاق بالعسكرية، وعليها أن ترشح من بين أعضائها، من أظهروا استعدادا وتفانيا ليكونوا مجاهدين ينتظمون في سلك التشكيلات النظامية، فإذا ا تم تعيين المرشحين مجاهدين أصبحوا يخضعون في علاقاتهم لمركز القيادة العامة في القاهرة مباشرة؛

ومن مهام الشعبة أيضا، أن تعمل على فتح مدار لمحو الأمية ، أو أن تساعدهم في إنشاء مؤسسة صناعية، أو جمعيات تعاونية، وعليها أيضا أن تقوم بتأليف العصب في المراكز ، والعصبة تتكون من عشرة أعضاء على الأقل ويجرى تشكيلها على نمط تشكيل الشعبة؛

ويقوم بالتأسيس سكرتيرو ” الشعب” ، وتقوم العصبة بنشر مبادئ الجمعية وجميع الأنصار وتحصيل اشتراكاتهم وكذلك إعداد الشبان ليكونوا مجاهدين، وعلى العصبة أن تقوم أيضا بتأليف جماعات في القرى من سبعة أعضاء ويجرى تشكيلها بنفس الطريقة السابقة وتكون علاقتها بالعصبة كعلاقة العصبة بالشعبة.

 

الموارد المالية للجمعية:

تتكون الموارد المالية للجمعية من اشتراكات الأنصار ومقدارها خمسة قروش شهريا، واشتراكات المجاهدين ومقدارها عشرة قروش شهريا، والتبرعات والهبات وأرباح المؤسسات والمشروعات التي قد تنشئها الجمعية، هذا بالإضافة إلى نصيبها من دخل أعضاء مجلس الجهاد وهو 10% من دخلهم، كذلك فإن الشعب والعصب والجماعات تقوم بواسطة أمناء صناديقها ، بتحصيل الاشتراكات من الأنصار والمجاهدين وتقبل الهبات المقدمة من أعيان منطقتها؛

وعلى الجماعة أن تحتفظ أيضا بثلاثين في المائة من مجموع المتحصل لديها، وتسلم الباقي للشعبة التي تحتفظ بثلاثين في المائة، وتسلم الباقي لمجلس الجهاد، ويمكن تعديل تلك النسبة بواسطة المستوى الأعلى، ويجرى قيد حسابات الجمعية بجميع هيئاتها في دفاتر منظمة بحيث يمكن مراجعتها في كل وقت ومراقبتها، وعلى أن تودع أموال الجمعية في بنك مصر باسم الجمعية أو باسم أي أشخاص آخرين يعينهم مجلس الجهاد في حالة الخوف من مصادرة أموال الجمعية. هذا وقد تشكلت الهيئة الإدارية للجمعية من كل من الرئيس والسكرتير العام والسكرتير المساعد وأمين الصندوق.

هذه هي النواحي التنظيمية لمصر الفتاة في عهد الجمعية، وعندما تحولت إلى حزب سياسي في يناير 1937 حدث تغيير في قانونها النظامي وإن ظل برنامجها كما هو،هذا ما سنتناوله لنقف على ما أضافه القانون الجديد من الناحية النظرية.

عندما تحولت جمعية مصر الفتاة إلى حزب مصر الفتاة في أول يناير عام 1937 نشر الحزب قانونه النظامي في جريدته ” الضياء” في ذلك الوقت في 3 يناير 1937، ولقد أضاف هذا القانون عدة إضافات جديدة لقانون الجمعية. حددت مختلف أنظمة الحزب داخليا.

ففيما يختص بدرجات العضوية في الحزب فقد أصبح حق العضوية مكفولا لكل مصري متى كان حسن السير والسلوك مخلصا لمبادئ الحزب محترما لأنظمته ولوائحه؛

 

الجانب التطبيقي لهيكل مصر الفتاة التنظيمي:

من المستحسن ونحن نتناول الحديث عن هذا الجانب من الهيكل أن نقسمه إلى أربعة أقسام رئيسية هي المستوى المركزي ونعنى به قيادة مصر الفتاة بمستوياتها المختلفة، ثم المستوى الإقليمي ونقصد به اللجان الفرعية لمصر الفتاة وعلاقتها بالمستوى المركزي، ثم التشكيلات شبه العسكرية لمصر الفتاة وكوادرها وعلاقتها بالمستوى المركزي، وأخيرا الموارد الملية لمصر الفتاة.

على أن معالجة هذا الجانب ستكون طبقا للواقع الذي لمسناه من حركة مصر الفتاة ونشاطها في مختلف الأطوار التي مرت بها، مع محاولة مقارنة بين ما خطته في قوانينها التنظيمية التي اتخذتها مصر الفتاة، ورد فعل الظروف الموضوعية للمجتمع في كل طور من تلك الأطوار على تكويناتها. ونخلص بمناقشة الموارد المالية لمصر الفتاة ومدى اتصالها بالقوى السياسية في مصر وخارجها.

أولا: المستوى المركزي:

ويتمثل في قيادة مصر الفتاة أو المركز العام لها، وهو بطبيعة الحال ذات كوادر مختلفة هي على درجة التحديد، الرئاسة ، السكرتارية العامة، السكرتارية، أمانة الصندوق ثم المجالس وهى مجلس الجهاد ومجلس الإدارة فيما بعد.

ويقتضى الأمر دراسة كل مستوى من تلك المستويات مع مناقشة العلاقة بينها، وكيفية إدارة اجتماعات هذا المستوى المركزي وطريقة اتخاذ القرارات، وقبل ذلك طريقة شغل هذه المناصب وكيف كان يتم ذلك، أهو عن طريق التعيين من جانب الرئيس، أم كانت عن طريق الانتخاب؟

وأخيرا طريقة الاتصالات بالمستوى الإقليمي وكيف كانت تجرى وما هي وسائلها. كل هذه قضايا سنحاول حسمها على قدر المادة المتاحة لنا وإن كان هناك الكثير من المادة غير المتاح الاطلاع عليها ذات أهمية كبيرة وفائدة عظيمة تحسم بالقطع كل هذه القضايا.

تولى أحمد حسين رئاسة جمعية مصر الفتاة عندما أعلن قيامها في 21 أكتوبر 1933 ، وإن كان ذلك قد تم دون أن ينص عليه برنامجها أو قانونها النظامي في ذلك الوقت، هذا بالإضافة إلى أنه لم يصدر عن الجمعية أية إشارات لمنصب الرئيس وطريقة توليه ذلك المنصب وهل هو بالتعيين أم بالاختيار أو عن طريق الانتخاب؟ لم تظهر مثل هذه التصورات إلى الوجود، إنما حقيقة ما حدث كما يرويه أحمد حسين نفسه، بأنه عندما تخرج من كلية الحقوق هو وزملاؤه فتحي رضوان وكمال الدين صلاح؛

وكذلك تخرج كل من عبد الرحمن الصدر من كلية الطب وصلاح الوكيل من كلية العلوم ومحمد صبيح من كلية الآداب طالبوه بأن يقدم على خطوته التي تلي مشروع القرش وهى تأسيس مصر الفتاة خاصة وأن مشروع القرش قد استنفذ أغراضه بإقامة مصنع الطرابيش من ناحية، وتحقيق الشهرة والخبرة بالعمل الجماهيري لأحمد حسين ورفاقه، فارتفعت أسماءهم على المستوى القومي؛

كما ذكرنا في الفصل السابق، فكانت المطالبة من جانب زملاءه له تعنى تسليمهم ضمنا بأنه رئيس حركتهم وزعيمها، وربما كان ذلك لأن أحمد حسين هو أول من فكر في إقامة مصر الفتاة لتعيد لمصر مجدها القديم إمبراطورية شامخة تتألف من مصر والسودان.

ظل أحمد حسين يتولى رئاسة الجمعية وبدأ يضع التنظيمات بعد أن مرت الجمعية بفترة التأسيس الأولى لنلمس بداية ظهور تلك التنظيمات، فيشكل ما سماه بالهيئة الإدارية للجمعية ، وقد كفل لها رئاسة الجمعية في فترة غيابه عنها في أي مكان خارج القاهرة، وكانت هذه الهيئة تتكون من كل من فتحي رضوان السكرتير العام، محمد صبيح السكرتير المساعد، أحمد السيد سكرتير اللجان وأحمد الشيمى أمين الصندوق.

تلك كانت أولى ملامح التنظيم الذي أعلنت عنه جمعية مصر الفتاة، ومن ثم أصدر أحمد قرارا آخر ينظم فيه طريقة سير العمل في الجمعية في فترة غيابه، وقد أناب فيه فتحي رضوان، للإشراف على الجمعية وعلى جريدة ” الصرخة” على أن يتولى أحمد الشيمى المسائل المالية وبإشراف فتحي رضوان. هذا ويبدو أن أحمد حسين قد لجأ إلى أسلوب القيادة الجماعية في فترة غيابه في إدارة شئون الجمعية ريثما يعود هو ليتولى الرياسة ويجمع تقريبا كل الخيوط في يديه.

وعندما أعلن مجلس جمعية مصر الفتاة عن تحولها إلى حزب سياسي في جلسته المنعقدة في 31 ديسمبر عام 1936 ، نرى ملمحا جديدا من ملامح التنظيم فقد انتخب المجلس أحمد حسين رئيسا للحزب كما ذكرن ذلك جريدة ” المقطم” وأن كانت جريدة الحزب ” الضياء” دأبت على ذكر أحمد حسين مقترنا بالرئاسة دون أن تشير إلى تعيين أو انتخاب.

فذكرت تعيين أحمد حسين رئيسا للحزب ولكنها لم تشر إلى حسين ضمنيا دون أن يتم عن طريق الانتخاب. وقد ظل يمارس سلطات هذا المنصب دون أن يتم ذلك عن طريق الانتخاب.

وقد ظل يمارس سلطات هذا المنصب حتى بعد تحول مصر الفتاة في مارس 1940 إلى الحزب الوطني الإسلامى. ويتطلب الأمر أن نلقى نظرة على سلطات الرئيس كما كانت من واقع الممارسة الفعلية للنشاط السياسي لمصر الفتاة في مختلف المراحل .

تولى أحمد حسين بصفته الرئيس رئاسة جلسات الجهاد ومجلس الإدارة، وإدارة المناقشات فيهما، كما كانت له سلطة حل المجلسين، كما اتضح ذلك من القرار الذي أصدره بحل جميع منظمات الحزب في أواخر عام 1938 بقرار فردى من جانبه. هذا بالإضافة إلى أنه منح حق تشكيل مجلس إدارة الحزب، كما جاء ذلك في قرارات مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة عند تحولها إلى حزب سياسي أن المجلس ” عهد إلى الرئيس اختيار الأعضاء الذين يصلحون لمجلس الإدارة” .

وبالرغم مما أصدره أحمد حسين بشأن تنظيم العمل في الجمعية في أثناء غيابه ، فإنه في مرحلة قد بدأ يتراجع عن ذلك النظام الجماعي الذي كان قد قرره بتشكيل الهيئة الإدارية للجمعية، فإنه في هذه المرة يصدر قرارا يحدد فيه الأشخاص الذين ينيبهم عنه في إدارة شئون الحزب؛ فجاء في القرار

” إلى مجلس إدارة حزب مصر الفتاة وإلى مجلس جهاده، قد أنبت عنى الأستاذ فتحي رضوان سكرتير الجمعية (هكذا) العام في إدارتها وتمثيلها أثناء سجني فإذا حدث له ما يمنعه من ذلك فالأستاذ عبد الحميد المشهدى. وإني أرجو أن يتعاون معهم أعضاء المجلسين في إخاء وصدق”.

استحدث أحمد حسين في أواخر 1937 منصب نائب رئيس الحزب، وذلك عندما عاد مصطفى الوكيل من لندن في نوفمبر من نفس العام بعد حصوله على الدكتوراه في العلوم فبذل جهودا ضخمة في إعادة تنظيم صفوف مصر الفتاة، فبدأ نجمه يرتفع داخل تنظيمات الحزب، خاصة وأن فتحي رضوان كان قد بدأ يبتعد عن الحزب وعن المشاركة في نشاطه إلى حد ما؛

كما يتضح ذلك من خطاب أرسله أحمد حسين إليه يطالبه فيه بالحضور إلى الحزب بانتظام جاء فيه” أرجو أن تحضر إلى الحزب في مواعيد منظمة مهما قلت لهذا الرجاء استجابة كاملة، يطلب إليه أحمد حسين أن يتخلى عن منصب السكرتير العام على أن يبقى ذا مركز ممتاز في الحزب.

فرد فتحي رضوان على ذلك الخطاب يعرب عن رغبته في الاستقالة من مجلس الإدارة ومن عضوية الحزب، وفعلا تقدم فتحي رضوان باستقالته طالبا عرضها على مجلس الإدارة في أقرب فرصة ممكنة، إلا أن أحمد حسين لم يبت في هذا الموضوع كما سنرى؛

وفى ظل هذه الظروف من ابتعاد فتحي رضوان عن الحزب وارتفاع نجم مصطفى الوكيل نتيجة لتفانيه في الكفاح السياسي للحزب أن عينه أحمد حسين نائبا للرئيس، فأصبح يتولى مركز القيادة في الحزب في حالة غياب أحمد حسين فهو الذي يدير النشاط الحزبي من عقد للاجتماعات وتوجيه النداءات لأعضاء الحزب والإعلان عن التنظيمات الجديدة كما سنرى فيما بعد. وكذلك اخذ يكتب افتتاحية الجريدة.

أما فتحي رضوان فقد احتفظ بمنصب السكرتير العام، رغم تقديم استقالته، فقد حدث في نوفمبر 1937 أن أطلق عز الدين عبد القادر النيران على سيارة النحاس باشا، وكان من نتيجة ذلك أن اعتقل معظم أفراج الحزب ومنهم فتحي رضوان ، وفى أثناء إجراء التحقيق في القضية رأى محاميه مصطفى مرعى، أن يشير إلى الاستقالة التي تقدم بها من قبل ليثبت أنه مستقيل من حزب مصر الفتاة؛

إلا أن فتحي رضوان رفض ذلك وأحس بأن الحزب في محنة في أقل من أن يقف بجانب أحمد حسين في ذلك الموقف حتى ينجلي، وهدد محاميه إذا أشار لتلك الاستقالة بأنه سيقاطعه ويعلن عدم صحة ذلك ظل فتحي رضوان يتولى هذا المنصب، وإن كان نشاطه فيما بعد ذلك لا نكاد نلمسه إلا في فترات قليلة منها معارضته عند تحول الحزب إلى الحزب الوطني الإسلامى، إلى أن أعلن انفصاله تماما عن الحزب عقب حادث 4 فبراير وتأييد أحمد حسين للنحاس باشا في موقفه بخطابه إليه في هذا الصدد، وحاول أحمد حسين أن يسترضيه في ذلك الوقت بأن يتنازل له عن رئاسة الحزب؛

ولكن فتحي رضوان أدرك أن تلك هي ساعة النهاية بالنسبة له مع حزب مصر الفتاة المتجمد النشاط في ذلك الوقت بعد اعتقال معظم أعضائه، ونجح فتحي رضوان في اجتذاب عدد من الأعضاء الحانقين على تصرف أحمد حسين، وكونوا ” اللجنة العليا لشباب الحزب الوطني” عام 1944.

أما منصب السكرتير المساعد فقد تولاه محمد صبيح طوال فترة البحث، فعندما أصدر أحمد حسين قراراته التي تنظم بالجمعية، كان صبيح هو الشخص الذي يلي فتحي رضوان، وقد تولى الإشراف على الجمعية في فترة سفر أحمد حسين وفتحي رضوان إلى لندن 1935، ثم في أواخر 1940 بعد سفر مصطفى الوكيل إلى العراق، وابتعاد فتحي رضوان.

أعلن أحمد حسين قبيل سفره إلى الحجاز في اجتماع الحزب يوم 24 ديسمبر 1940 أنه يسافر ويترك صبيح ليرعى الحزب وينمى قوته، وأشاد بجهاده في السابق عندما كانوا يسافرون ويتركون له الحزب. كذلك كان صبيح يتولى القيام بأعمال السكرتارية لاجتماعات مجلس الجهاد ، كما كان يتولى منصب أركان حرب الجهاد في الفرق النظامية، كما سنوضح ذلك في حينه.

أما أمانة الصندوق فقد تولاها أحمد عبد المطلب الشيمى منذ تأسيس الجمعية، ثم أسند ذلك المنصب في عام 1934 إلى محمود طاهر العربي، الذي كان يقوم بالتجسس على الجمعية لحساب القلم المخصوص بوزارة الداخلية.

وبعد أن اكتشف أحمد حسين علاقة طاهر العربي بالبوليس ، طرده من الحزب عام 1937 ، وقد تأكد ذلك بصفة قاطعة عند وقوع حادث الاعتداء على النحاس، فكانت كل التقارير المقدمة في القضية من إعداد طاهر العربي، وفى أول اجتماع لمجلس إدارة الحزب في 5 أبريل 1937 ، انتخب المجلس من بين أعضائه عبد الحميد شحاته كامل أمينا للصندوق، وكان يساعده في هذا المجال حسن حريو، فقد كان وكيلا لحسابات الحزب.

هذا ولم يظهر بعد ذلك تنظيمات جديدة تفيد أن هذا المنصب قد تولاه شخص آخر، ومن مهام ذلك المنصب تنظيم حسابات الحزب من اشتراكات وتبرعات أى تنظيم مالية الحزب بصفة عامة. والآن نتناول بالدراسة المجالس التي أوجدتها مصر الفتاة على اعتبار أنها الجانب الأكبر أهمية داخل المستوى المركزي.

مجلس الجهاد:

كانت الإجراءات التي يتخذها البوليس السياسي ضد مصر الفتاة تمنع الجمعية عن نشر أي شيء عن أعضاء ذلك المجلس أو عن اجتماعاته ، ولذلك لم يقع تحت أيدينا إلا تقارير البوليس التي بينت أول تشكيل له في عام 1935 وكان يضم تسعة أعضاء فقط. ثم نلمس تشكيل المجلس الثاني، من خلال الاجتماع الذي عقد في 31 ديسمبر 1936 للنظر في تحويل الجمعية إلى حزب سياسي، فكان يضم 33 عضوا هم.

وبهذا نلمس تطورا في تكوين المجلس إذ ازداد عدد أعضائه من تسعة في 1935 إلى ثلاثة وثلاثين عضوا في نهاية 1936، وإن كان الشرط النظري الذي نص على أنه مكون من خمسين لا عضوا لم يتحقق.

عند تحول الجمعية إلى حزب تنازل مجلس الجهاد عن سلطاته لمجلس الإدارة، ولكنه ظل يتولى الإشراف على الفرق النظامية شبه العسكرية، وتنفيذ القرارات التي يصدرها مجلس الإدارة.

وفى جلسة المجلس بتاريخ 23 أبريل 1937 يقرر المجلس استبعاد بعض أعضائه من عضويته ، ومعظم هؤلاء الأعضاء جدد لم يسبق لهم الانضمام إلى المجلس فيقرر المجلس فصلهم.

وهذا يوضح أن عضوية المجلس لم يكن لها صفة الاستقرار، فإن آخر اجتماع للمجلس كان في 31 ديسمبر 1936 ، وهذا الاجتماع بتاريخ 23 أبريل 1937 أي أن هؤلاء الأعضاء قد انضموا خلال تلك الفترة القصيرة وفصلوا أيضا خلالها، ومن خلال استعراض أسماء الأعضاء في جلسة تالية وجد أن بعض هؤلاء المفصولين كانوا من بين الحاضرين للاجتماع والذين شاركوا في مناقشاته.

وعندما صدر المرسوم الملكي بحل التشكيلات شبه العسكرية في مارس 1938 أعلن الحزب حل مجلس الجهاد وفرق المجاهدين وكل ما له علاقة بالتشكيلات العسكرية، ولكن عندما قررت الحكومة التدريب العسكري في المدارس، طالب الحزب أعضاءه بالانضمام إلى هذا التدريب. ومن ثم بدأ يظهر استخدام اسم مجلس الجهاد، ونص على أن كل عضو لابد وأن يكون مجاهدا بعد حل جميع منظمات الحزب في 5 نوفمبر 1938.

وعلى هذا فيمكن القول بأن قرارات هذا المجلس لم تكن لها فاعلية ولم تكن تحترم بدرجة كبيرة ، فإن التقلب الواضح في حركة العضوية داخل المجلس، وكذلك عدم احترام قراراته وتنفيذها ليدل دلالة واضحة على مدى الارتباك الذي كانت تعانيه قيادة الحزب، فحرصها الدائم على تجنيد أكبر عدد ممكن من الأعضاء، رغم أن بعضهم كان يعمل لحساب القلم المخصوص بالداخلية، فهي تسعى إلى إحراز الجماهيرية عن أى طريق، ولكن غياب الأهداف الواضحة ممكنة التحقيق عن نشاط الحزب، كان من نتيجته ذلك التذبذب في حركة العضوية.

وبالرغم من إعلان الحزب عن حل مجلس الجهاد، إلا أنه اجتمع في سبتمبر عام 1938 واقترح أحمد حسين على المجتمعين زيادة عدد أعضائه من خمسين إلى مائة عضو على أن يشترك فيه أعضاء من شعب الأقاليم.

وتقدم أحمد حسين بقائمة أسماء من أعضاء الحزب يرشحهم لعضوية المجلس. وكذلك تقدم بعض أعضاء المجلس بترشيحات جديدة، وترك أمر البت في هذه المسألة إلى جلسة تالية. ولكن بمتابعة التطور لهيكل المجلس لم يظهر ذلك الاقتراح إلى الوجود، إذ لم يكد يحل شهر نوفمبر من نفس العام، حتى أعلن أحمد حسين حل مجلس الجهاد، وكذلك حل جميع الشعب واللجان الموجودة في أنحاء البلاد، معلنا أن الأسباب التي دعته للإقدام على تلك الخطوة، هو ما لمسه من تهاون الكثير من أعضاء الحزب في تنفيذ مبادئ مصر الفتاة، وكذلك التفكك الملحوظ في وحدة أعضائه.

وقد تم إعادة تنظيم الحزب بسرعة على الورق ، وبزعامة مصفى الوكيل أعلن قادة الحزب تخليهم عن مواقعهم وأعلنوا أنهم جنود عاديين في الحزب. واشترط أحمد حسين لمن يريد أن يستأنف الكفاح معه، أن يعد ملابس التدريب العسكري، وأن يكون مستعدا لإطاعة الرؤساء الذين سيعينهم طاعة كاملة. وبذلك أصبح ضروريا أن يكون كل عضو مجاهدا واختفت صفات العضوية الأخرى.

اختفى مجلس الجهاد منذ حله إلى أن بدأ يظهر من جديد في منتصف عام 1939. فقد منح الحزب للأعضاء الذين أثبتوا ولاءهم له ولمبادئه كتابا سمى ” كتاب العضوية” وهو يحتوى على برنامج مصر الفتاة، وكلمات الرئيس ، وكذلك فهو يحوى صورة للعضو ومعلومات عنه.

وفى اجتماع لحاملي كتاب العضوية هؤلاء أعلن أحمد حسين أنهم يكونون مجلس الجهاد الحالي بدل المجلس المنحل. إلا أنه لم يظهر إلى الوجود تشكيل رسمي بهذا المجلس وربما كان لإعلان قيام الحرب الأثر الواضح الذي ترك بصماته على النشاط الحزب برمته، فلم يرد ذكر لهذا المجلس مطلقا حتى نهاية الدراسة.

كذلك فإنه في مرحلة التغيير إلى الحزب الوطني الإسلامى لم تظهر أية تنظيمات خاصة به. هذا فيما يتعلق بدور مجلس الجهاد وتشكيله وسنتناول الحديث عن اختصاصاته من واقع الممارسة الفعلية للنشاط عند تناولنا للتشكيلات شبه العسكرية.

بقى أن نتناول المجلس الآخر الذي كان يعاون الرئيس في إدارة شئون الحزب وهو مجلس الإدارة ، فقد قرر مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة بجلسته المنعقدة في 31 ديسمبر 1936 الموافقة على اقتراح الرئيس بتحويل الجمعية إلى حزب سياسي؛

وقرر تأليف مجلس إدارة للحزب يعاون الرئيس في إدارته، بحيث يكون لكل مديرية من المديريات ممثل، على ألا يزيد عددهم عن ثلاثين عضوا، وعهد إلى الرئيس اختيار الأعضاء الذين يصلحون لمجلس الإدارة، فانتخب الحاضرون من بينهم كل من فتحي رضوان، محمد صبيح، محمد حلمي الجيار، أحمد السيد، عبد الحميد المشهدى وبدوى صقر ليكونوا نواة هذا المجلس؛

وعهدوا إلى الرئيس أحمد حسين توجيه الدعوة لبعض السياسيين والمجاهدين القدماء، الذي أظهروا رغبتهم في الاشتراك في الحزب لاستكمال تأليف مجلس الإدارة.

إلا أنه في أول اجتماع للمجلس بتاريخ 2 أبريل 1937، اتضح أنه كان يتألف من أحمد حسين رئيسا، فتحي رضوان سكرتيرا وعضوية كل من محمد صبيح، عبد الحميد المشهدى، أحمد السيد، إسماعيل وهبي، عبد الحميد شحاته كامل، أحمد الشيمى، شعبان الكاتب وبدوى صقر.

وقد انتخب المجلس عبد الحميد شحاته كامل ليتولى أمانة الصندوق وتنظيم مالية الحزب. وقد اختفى اسم محمد حلمي الجيار من بين الأعضاء، فهو زعيم الشباب الوفدي بالدقهلية، فكان الجيار متقلبا بين وفديته وبين الانضمام لمصر الفتاة، فقد عاد لتولى قيادة فرق القمصان الزرقاء بالدقهلية، وانضم إلى جانب النقراشي بعد انفصاله عن الوفد، فأصدر الوفد بيانا بحل فرق القمصان بالدقهلية.

وإزاء هذا الأسلوب في اختيار مجلس الإدارة الذي لا يقوم على قاعدة معينة، رأى بعض المؤسسين لجمعية مصر الفتاة أنه يحق لهم الحصول على عضوية المجلس، ومن هؤلاء كان عز الدين عبد القادر الذي تقدم بطلب رفض رئيس الحزب تلبيته، فقدم استقالته من عضوية مجلس الجهاد.

وفى عام 1937 أيضا وعندما تقدم الحزب بعرائض إلى الملك لنزع الثقة من وزارة الوفد وإقالتها، كان مجلس الإدارة مكونا من أحمد حسين رئيسا، فتحي رضوان سكرتيرا عاما، محمد صبيح سكرتيرا مساعدا، شعبان الكاتب، أحمد السيد، بدوى صقر، عبد الحميد شحاته كامل، عبد الحميد المشهدى، مصطفى الوكيل وأحمد الشيمى أعضاء.

وقد تضمن تشكيل المجلس اسم مصطفى الوكيل، وهو في ذلك الوقت كان ما يزال في لندن ولم يعد إلى القاهرة، وقد عاد في 2 نوفمبر 1937، ويتضح من ذلك أن عضوية المجلس كانت تمنح لأعضاء غائبين عن مصر. ولا يتاح لهم المشاركة في النشاط الحزبي، فكيف كان ذلك؟

تكوين لجنة مقاطعة اليهود

 

ونظرا للأعمال التي كان يقوم بها اليهود داخل فلسطين، فقد قرر حزب مصر الفتاة تكوين لجنة لمقاطعة اليهود في مصر والتنبيه إلى خطرهم في مصر والبلاد العربية، فتشكلت اللجنة من محمد صبيح رئيسا، ومحمود مكي سكرتيرا، كمال سعد ومحمد مهدي وعبد الرحمن الصوالحى أعضاء.

وتحقيقا للشطر الثاني من شروط ” الشعب” الذي نصر على أن تكون بكل شعبة لجنتين أحداهما للطلبة والأخرى للعمال، فقد قامت مصر الفتاة بدعاية واسعة النطاق في أوساط العمال لضم عدد كبير منهم لعضويتها، وتوجت عملها بأن ألفت ” اللجنة التنفيذية لعمال مصر الفتاة” وتولى رئاستها أحمد الشيمى وانتخب العمال من بينهم سكرتيرا وأمينا للصندوق ومراقبا لها. هذا وإن لم تعلن أسماءهم.

ولما كان قادة مصر الفتاة يرون أن حركتهم جزء من حركة عالمية، فكان لا مناص من أن تفعل مثل هذا، فأنشأت ذلك المكتب ليقوم بدراسة الشئون الخارجية والبحث في مشاكلها، ومنها سياسة مصر الخارجية، والدعاية لمصر الفتاة في الخارج. وقد تولى عبد الرحمن بدوى رئاسته.

ويبدو أن هذه الفكرة قد راقت لإدارة الحزب، ومن ثم بدأت في استكمال تشكيل هذه المكاتب بحيث يكون هدفها التوفر على دراسة برنامج الحزب، ومن هذه المكاتب، مكتب شئون التربية، مكتب الشئون الصحية، مكتب الشئون الزراعية، مكتب الشئون الاجتماعية، مكتب الشئون الاقتصادية ، مكتب الفنون، مكتب الشئون الدينية، مكتب الدراسات السياسية، مكتب الشئون الهندسية، مكتب شئون الدفاع، مكتب الشئون الصناعية، مكتب شئون السودان.

وهذه المكاتب جميعا يتولى سكرتاريتها محمد صبيح ويعاونه موسى رستم وحسين يوسف مراقبا إداريا لها. ومن ثم استحدث الحزب مكتبين آخرين هما مكتب الشئون العربية ومكتب الدراسات السياسية الداخلية. وقد بدأت اجتماعات رؤساء وأعضاء هذه المكاتب لمناقشة ما يمكن عمله تحقيقا للهدف من إنشائها.

ومن هذا المنطلق تكون داخل الحزب ” المكتب القضائي” ويشرف عليه المحامون من أعضاء الحزب وغيرهم، ويعمل فيه بصفة دائمة وكيل قضائي. كذلك افتتح الحزب مكتبا لتسجيل الأعضاء تولى محمود مكي رئاسته، وذلك بهدف ضبط حركة العضوية، كذلك أنشئ مكتب الدعاية للإشراف على النشرات التي تصدرها هيئات الحزب لتكون معبرة عن رأيه السياسي، وقد تولى عثمان نجاتي رئاسته .

 

صحافة مصر الفتاة

كانت الصحافة تمثل ركنا هاما وأساسيا في كفاح مصر الفتاة، فقد كانت من أهم الأدوات التي استخدمتها في نشر دعوتها، إلى جانب اعتمادها على الاتصالات الشخصية لنشر الدعوة بين الأعضاء والأنصار ؛ فالصحافة وهى الكلمة المكتوبة كانت الوسيلة الأكثر أهمية في نشر أفكار مصر الفتاة، فعن طريقها يمكن توصيل الفكر إلى أكبر عدد ممكن من الجماهير ولها أهمية قصوى بالنسبة لأي حركة سياسية، فهي وسيلتها وأداتها في نشر أفكارها، وهى أيضا أداة لأي تنظيم من التنظيمات مهما كانت هويته، فهي تنقل تعليماته وتوجيهاته إلى جماهيره في مختلف البلدان، هذا بالإضافة إلى أنها تعبير صادق عن أفكاره.

فإن من المقومات الأساسية لنشر أية مجموعة من الأفكار أن يسبقها نوع من الدعوة لها بمختلف الوسائل المتاحة لنشرها. وقد كانت الصحافة إحدى تلك الوسائل وأهمها على الإطلاق، وفى ظل هذه النظرة لدور الصحافة وأهميتها، كان إيمان مصر الفتاة بأنها هي التي تعبر عن أفكارها، وأنها هي البوق الذي يوصل ما طرحته من أفكار إلى الجماهير، هذا فضلا عن أنها تعد جزءا متمما بل وضروريا لكي يستكمل الهيكل التنظيمي مقوماته الأساسية.

فمنذ أمن أحمد حسين بمجد مصر القديم وضرورة بعث ذلك المجد، سعى لنشر إيمانه بين زملائه من طلبة الجامعة، وقد شغله التفكير في كيفية تحقيق هذا المجد وإعادته، فطرح أفكارا جديدة في أوساط الطلبة، منها أن يعسكروا في سفح الأهرام في ذكرى 13نوفمبر 1929 ” عيد الجهاد” ثم ينزلون إلى المدينة في شكل طوابير منظمه.

لكن تلك الأفكار لم تلق قبولا في ذلك الوقت، فلم يوافه بالمعسكر إلا عدد قليل لا يتعد أصابع اليد الواحدة، وكان أحمد حسين قد تولى نشر أفكاره هذه بين زملائه الطلبة معتمدا على أسلوب اتصاله الشخصي بهم، فلما طرح فكرة تنفيذها ولم تحقق نجاحا ملحوظا، أدرك أحمد حسين أن ذلك راجع لأحد احتمالين، أولهما أما أن تكون الأفكار التي طرحها لم يعتنقها ويؤمن بها سوى عدد قليل من الطلبة، ربما لغموض فكرتها ورومانسيتها وعدم وضوح الهدف منها.

أما الاحتمال الثاني أن هذه الأفكار لم تحظ بأسلوب ناجح للدعاية لها والإعلان عنها وبيان فكرتها ومراحل تطورها والهدف منها. ويبدو أن أحمد حسين قد اقتنع بهاذ الاحتمال ، ومن ثم بدأ في توجيه نشاط إعلامي.

ففي العام التالي (1930) سعى أحمد حسين جاهدا للحصول على رخصة جريدة أو مجلة يبثها أفكاره، وتستطيع أن تعبر عن إيمانه وتعمل على نشر فكرته بين مختلف قطاعات الشعب. فاتخذ من مجلة ” الصرخة” منبرا عبر فيه عن إيمانه وأفكاره، وهكذا كان إيمان مصر الفتاة بأهمية الصحافة ودورها الهام في نشر دعوتها ما يجعلنا نتناول بالدراسة الصحافة التي اتخذتها مصر الفتاة لسان حالها في مختلف أطوار حياتها، وقبل وبعد إعلان قيام تجمع أو تنظيم سياسي يحمل اسمها.

ويجدر بنا قبل أن نتناول صحافة مصر الفتاة، أن نشير أولا إلى بداية اهتمام أحمد حسين بالصحافة وإيمانه بالدور الذي يمكن أن تعلبه في حياة أية فكرة، وأن نحدد مدى تمرسه في هذا العمل الصحفي. ففي حقيقة الأمر أن اهتمام أحمد حسين بالصحافة وبدورها، وإيمانه الكامل بأنها من أهم الوسائل التي يمكن استخدامها لنشر مبادئ أو أفكار بذاتها والترويج لها والدفاع عنها؛

فإن ذلك لم يأت من فراغ ، فقد تولى أحمد حسين عندما كان طالبا بالمدرسة الخديوية الثانوية رئاسة تحرير مجلة المدرسة، وقد كان ذلك بعد رحلته إلى الأقصر وأسوان عام 1927، والتي بدأ إيمانه بضرورة بعث مجد مصر يبرز خلالها، فقد بث مجلة المدرسة في العام للرحلة أفكاره في هذه الناحية في سلسلة مقالات بعنوان ” رسالتي” .

فإذا جاء أحمد حسين في مارس عام 1930 واستخدم مجلة ” الصرخة” لنشر مجموعة من الأفكار التي كان يؤمن بها ويسعى لنشرها، لم يكن ذلك حدثا جديدا في حياته هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن فتحي رضوان الذي شاركه في تحريرها عندما كان طالبا بمدرسة بني سويف الثانوية، كان يعد بعض الكتابات القصيرة ويبعث بها إلى بعض الصحف مثل ” المصري” و” اللواء” و” الأخبار” وهكذا فلم يكن اشتراك فتحي رضوان في تحرير مجلة ” الصرخة” في عام 1930 نابعا من فراغ أيضا.

عندما أدرك أحمد حسين وفتحي رضوان وغيرهما، أن الأفكار التي طرحوها في أوساط الشباب لم توف حقها إعلاميا، ولم تنل من العناية والاهتمام القدر الكافي، فجاءوا في ربيع العام التالي 1930، واتصلوا بأصحاب امتياز مجلة ” الصرخة” وهما عبد الرحمن العيسوي وأمين إبراهيم الأزهري، واتفقوا معهما على أن يتولوا تحريرها ومسئولية ما ينشر فيها، على أن تصدر أسبوعية،

فصدر العدد الأول منها في 3 مارس 1930 وقد انتظمت في الصدور لخمسة أعداد فقط، في الفترة من 3 إلى 27 مارس وبعدها تركها أحمد حسين ورفاقه وتولى صاحباها إصدارها. ولعل عدم استمرار أحمد حسين ورفاقه فئ إصدار المجلة راجع لأسباب منها، أن الأفكار التي طرحتها لم تلق قبولا بين الجماهير، ولم يتحمس لها أحد هذا من ناحية؛ومن ناحية أخرى فإن أحمد حسين يعلل ذلك بقوله:

” لم نستمر في مواصلة إصدار الصرخة لسبب واحد هو أننا لم نجد موزعا يوزع الجريدة” ومهما يكن الأمر فإن الجماعة لم تواصل حديثها للجماهير حتى تبلور لهم أفكار وتجعلهم يعتنقونها ، واقترب موعد الامتحانات فانشغل هؤلاء الطلبة بالاستعداد لها ولم يواصلوا التجربة فترة أطول حتى يمكن الحكم عليها وتقييمها.

تولى أحمد حسين وفتحي رضوان وهما من طلبة كلية الحقوق في ذلك الوقت وحافظ محمود وله سابقة خبرة بالصحافة تحرير المجلة، فأثاروا موضوعات وكتبوا مقالات تدور كلها حول الإيمان بمجد مصر والعمل على بعثه من جديد؛

فقد جاء شعار المجلة في صدر صحافتها تعبيرا عن ذلك الإيمان ” مصر وقد تحركت عناصر القوة في شبابها الطامح وفلاحها الجريح وعاملها المضطهد، وفتاتها الناهضة، بعد أن طهرتها الآلام لن تموت أبدا” وقد تولى أحمد حسين كتابة سلسلة من المقالات بعنوان ” طريقنا إلى العظمة” دعا في المقال الأول منها إلى ضرورة بعث الحيوية المصرية في الشباب؛

وفى المقال الثاني بعنوان ” مصر الفتاة والميليشيا الفرعونية”

“بلور فيه فكرته التي طرحها عام 1929 فتحدث بأسلوب رومانسي عن الشباب الذين التفوا حول الأهرام ، ثم ساروا إلى المدينة في موكب أشبه ما يكون بالجيش الذي سيكرس حياته من أجل مصر؛

وعندما دخل الجيش المتخيل القاهرة ودوت أناشيده، بالمجد لمصر، وقد وصفه بأنه الميليشيا الفرعونية وأنه هو مصر الفتاة والتي عن طريقها استقلت الممالك وارتقت، فكانت إيطاليا الفتاة ورومانيا الفتاة أيرلندا الفتاة وتركيا الفتاة، كل أمة أرادت استقلالا ، أو نهوضا أو مجدا اتبعت هذا الطريق، طريق الشباب الملتهب بحماسة الإيمان، فما أحرانا بتكوين مصر الفتاة لنعيد لمصر بهجتها ومجدها”

استمر أحمد حسين يتابع سلسلة مقالاته وكلها تدور حول فكرته في ضرورة بعث مجد مصر ، ولكن يبدو أن الإيمان بأفكار جديدة وبأساليب جديدة في الكفاح لم تكن مطروقة ولا معلومة من قبل، فإن ذلك يتطلب كفاحا طويلا مستميتا في سبيل إدخال تلك الأفكار إلى قلوب وعقول الجماهير بعد بيان فكرتها وشرح الهدف منها، ولكن الجماعة لم تستمر في إصدار المجلة إلا لخمسة أعداد فقط، فلم تطل مدة قرعها للآذان بذلك الفكر الجديد حتى يتم الإيمان به.

ومهما يكن الأمر فقد توقف إصدار المجلة، وربما كان ذلك لأن أحمد حسين أدرك أنها لم تحقق هدفه من إصدارها ، فلم تحقق جماهيرية لأفكاره، فنادي في العام التالي بفكرة مشروع القرش بهدف كسب المزيد من الأنصار والخبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري؛

وكان عمله بالمشروع ونداءاته، حتى أن ” دار الهلال” قد تبرعت بإحدى مجلاتها ” الدنيا المصورة” كي تخصص عددا عن المشروع يخصص دخله لصالح المشروع . فتولى شباب المشروع تحرير ذلك العدد عام 1932.

وهكذا يتضح لنا أن تلك الجماعة لم تبتعد عن ممارسة العمل الصحفي، فأكسبها ذلك عنصري الخبرة والتنظيم والشهرة بين عنصر الشباب . وبعد أن أتم المشروع هدفه، فكرت الجماعة في الإقدام على تأسيس ” جمعية مصر الفتاة” وقد سبق ذلك محاولة إيجاد مجلة أو جريدة تعبر عن أفكاره الجمعية لكسب المزيد من الأعضاء والأنصار.

كان الحصول على جريدة أو مجلة تعبر عن أفكار مصر الفتاة، هو الشاغل الأول الذي شغل أحمد حسين ورفاقه، فتقدم هو وفتحي رضوان بطلب إلى وزارة الداخلية للتصريح لهما بإصدار جريدة أدبية اجتماعية اقتصادية سياسية عربية نصف أسبوعية باسم ” المجد”.

ولكن إدارة المطبوعات بالوزارة رفضت التصريح بإصدار تلك الجريدة. فاتجهوا للبحث عن مجلة “الصرخة” التي أصدروها من قبل عام 1930، فوجدوا أن رخصتها قد انتقلت ملكيتها إلى حسن حسنى عبد العال المحرر “بجريدة الأهرام” فاتصلوا به واستأجروها منه ، على أن يتولوا تحريرها وإدارتها وتحمل مسئولية ما ينشر فيها.

وفى ذلك الوقت أعلنت المجلة أنها ستصدر في ثوب جديد، وسيتولى تحريرها شباب مشروع القرش. كذلك أعلنت عنها جريدة ” كوكب الشرق الوفدية” وذكرت أنه ستولى الكتابة فيها كل من حوله من طه حسين وتوفيق الحكيم وحافظ محمود وإبراهيم علام وحسن صبحا وبعض أساتذة الجامعة، هذا بالإضافة إلى كل من أحمد حسين وفتحي رضوان وغيرهم من خيرة شباب مشروع القرش.

وهكذا عادت مجلة ” الصرخة” من جديد إلى يد جماعة مصر الفتاة، وصدر العدد الأول منها في 7 أكتوبر عام 1933، بوصفها جريدة سياسية، قومية نصف أسبوعية، وإن كانت قد صدرت في البداية أسبوعية، وتولى أحمد حسين وسيد فتحي رضوان إدارتها، وتولى حافظ محمود رئاسة تحريرها.

أما المحررون فقد كانوا من حسن صبحي عبد العال صاحب امتياز المجلة، وأحمد عبد المطلب الشيمى أمين صندوق جمعية مصر الفتاة، وعبد الحميد المشهدى أركان حرب الجمعية، وحنفي محمود جمعة المحامى واحد أعضاء شعبة الإسكندرية وغيرهم من أعضاء مصر الفتاة ومن شباب مشروع القرش من أمثال نعيمة على الأيوبي المحامية؛

هذا فضلا عن أن المجلة كانت تتلقى المقالات من بعض المؤيدين لسياستها، بعضهم من أساتذة الجامعة من أمثال أمين الخولى وبهجت بدوى، والبعض الآخر من رجال الأحزاب المؤيدة لمصر الفتاة ورجالها ووصفها بأنها صرخة الصدق والإخلاص ، وأنها صحيفة عقيدة والعقيدة عدة الأمم في كفاحها.

استمرت المجلة في الصدور أسبوعيا، بعد أن تكونت هيئة تحريرها من شباب متحمس لها ولأفكارها، وقد قوبل صدورها بالترحاب من معظم الجرائد والمجلات التي كانت تصدر في ذلك الوقت، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون البعض قد هاجمها فقد هاجمتها الجرائد الوفدية هجوما عنيفا، فكانت جريدة ” الجهاد” الوفدية أكثرها تطرفا في الهجوم.

وقد اتخذت الصحف موقفا معاديا لها على طول الخط، وبدأت الاتهامات للجماعة التي تصدرها واعتبروها إحدى حركات الإبراشي ناظر الخاصة الملكية وصاحب الحظوة لدى الملك فؤاد، فاعتبروها حركة موالية للقصر في مواجهة الوفد.

حاول القائمون على المجلة الدفاع عن أنفسهم ببيان الموارد المالية التي تتيح لهم إصدارها، وأن أحمد حسين اقترض مبلغ 200 جنيه من بنك مصر بضمان كمال الدين صلاح الذي كان يملك اسمها لدى البنك ورثها عن أبيه ، كذلك فإن أحمد حسين أعلن أن المجلة تغطى نفقاتها تقريبا عن طريق التوزيع والإعانات التي تتلقاها من بعض الشخصيات، ولكن ذلك لم يجد فتيلا، فقد استمرت حملة الشكوك حول الجمعية ومجلتها، وخاصة من جانب حزب الوفد.

تركز اهتمام المجلة في البداية في التعبير عن اتجاه الجمعية الاصلاحى في أول الأمر الذي يهتم بالتعليم والاقتصاد ومحو الأمية، فقد كانت المجلة زاخرة بالمقالات التي تعالج النواحي الاقتصادية التي تمثلت في الهجوم على سيطرة الأجانب على الاقتصاد المصري، وكما نددت المجلة بالامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة، فلم تجد الامتيازات الأجنبية من حاربها كما حاربتها مصر الفتاة ومجلتها الصرخة. .

القبض على أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود

 

وعلى الرغم من اهتمام المجلة بالنواحي الإصلاحية ففي أول الأمر إلا أنها تحولت إلى الاتجاه السياسي الوطني، ففي 12 نوفمبر عام 1933 بدأت المجلة تأخذ خطا معاديا للانجليز إلى الحد الذي دعت فيه لإعلان الثورة عليهم، فأصدرت السلطة العسكرية الإنجليزية ممثلة في شخص كين بويد مدير الإدارة الأوربية بوزارة الداخلية؛

الأمر بالقبض على أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود وفتشت منازلهم وأودعتهم النيابة السجن الاحتياطي لمدة 23 يوما، فكانت تلك هي القضية الأولى في حياة مصر الفتاة، وقد اتخذت عدة إجراءات ضد المجلة، منها أن اتصل المسئولين بوزارة الداخلية بصاحب امتياز المجلة ليوقع لهم تعهدا بإيقاف إصدارها ولكنه رفض، ومنها أن توجهوا لمطبعة ” الرغائب” التي تطبع المجلة وحاصروها واضطروا مديرها إلى توقيع تعهد بعدم طبعها.

وعلى الرغم من صرامة الإجراءات التي اتخذت ضد المجلة إلا أنها استمرت في الصدور فقد تولت مطبعة ” الترقي” طبعها. كما تولى أحمد الشيمى الإشراف على تحريرها في فترة اعتقال أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود، وعندما تم الإفراج عنهم تولى الشيمى رئاسة التحرير خاصة وقد أعرب حافظ محمود عن رغبته في التخلي عن ذلك المنصب وإن ظل يشترك في التحرير.

ولم يكن القبض والحبس الاحتياطي رادعا لأحمد حسين وجماعته، فقد استمرت المجلة تندد بالإنجليز وبتدخلهم في جميع مصالح الدولة، كذلك تناولت المجلة أمورا داخلية فهاجمت بعض الوزراء واشتدت في الهجوم على وزير الحربية (صليب سامي) .

فكان ذلك مبررا كي تقبض السلطات على أحمد حسين وفتحي رضوان وأحمد الشيمى، وبعد التحقيق أفرج عن فتحي رضوان وحكم على كل من أحمد حسين وأحمد الشيمى، بغرامة 25 جنيها لكل منهما بعد أن ترافع عنهم كل من عبد الرحمن الرافعي وفكري أباظة. وعلى الرغم من هذه الاضطرابات التي تعرضت لها جمعية مصر الفتاة من محاكمة رسمية فقد استمرت المجلة تصدر أسبوعا بعد آخر.

وفى الفترة التالية أثارت المجلة عددا من القضايا الاجتماعية الهامة، منها أن أفردت إحدى صفحاتها لمعالجة قضايا العمال في مصر، وعرضت لمشاكلهم واقترحت الحلول لها، كما طالبت العمال بالانضمام إلى النقابات التي تقيهم عسف الرؤساء وأصحاب الأعمال .

وهى في هذا تؤيد اتحاد العمال الذي يرأسه عباس حليم في مواجهة اتحاد العمال الوفدي. وعلى الرغم من هذا الاتجاه من جانب المجلة، فإن ذلك لم يغض من شأنها إذ تناولت تلك القضية الاجتماعية فكشفت عن بعض المتاعب التي كان يلقاها العمال.

ومن المفيد إلقاء الضوء على مدى انتشار تلك المجلة، فإذا علمنا أنه قد تم طبع 20 ألف نسخة من العدد الأول لم يوزع منها سوى ألفين، فخفض المطبوع إلى عشرة آلاف ثم إلى سبعة آلاف، وحتى بعد ذلك التخفيض كانت المجلة لا تحقق توزيعا معقولا، فإن معظم متعهدي توزيع الجرائد كانوا يرفضون توزيعها بإيعاز من الحكومة، فارتأت إدارة المجلة أن يتم توزيعها عن طريق البريد.

وقد افتتحت المجلة مكتبا لها بالإسكندرية وآخر بطنطا ليقوما بتوزيعها ولكن تلك الفكرة لم تحقق الهدف منها فقد امتلأت المكاتب بالأعداد التي لم توزع . فإذا كانت تلك هي حالة المجلة فمن الضروري أن نتناول مواردها المالية التي أتاحت لها الاستمرار في الصدد.

تنقسم الموارد المالية للمجلة إلى عدة أقسام ، منها الاشتراكات والعائد من التوزيع والإعلانات ، فضلا عن الهبات، والإعانات. فإذا علمنا أن عدد المشتركين فيها في عام 1934 بلغ 550 مشتركا من بينهم معظم الجرائد والمجلات المصرية وبعض الجرائد والمجلات في البلاد العربية .

ولم يكن ذلك العدد من المشتركين بالنسبة إلى عدد النسخ المطبوعة يحقق عائدا معقولا يسمح بإخراج مجلة أسبوعية، كذلك كان ما تحققه من عائد للتوزيع لا يساعدها على ذلك أيضا ، فإن نظرة إلى تكدس مخازن المجلة ودروها في القاهرة وطنطا والإسكندرية بالأعداد التي لم توزع ليعطى صورة واضحة عن كمية الأعداد المباعة، وفى الحقيقة فلم تحقق دخلا من التوزيع يسمح لها بالاستمرار في الصدور، وإن كانت في تلك الفترة زاخرة بالإعلانات عن الشركات الأخرى، وربما كان دخلها من الإعلانات يشكل جانبا هاما من مصادر تمويلها. هذا فضلا عن الإعانات والهبات من بعض الهيئات والشخصيات كما سبق أن ذكرنا.

أما عن سياسة الجريدة فقد حددها فتحي رضوان بقوله:” إن الذين يعرفوننا ويقرأون لنا من قبل فيسجدوا (كذا) في جريدة وادي النيل مواصلة لسياستنا، يجدون فيها صحيفة تلتهب إيمانا بأن مصر فوق الجميع وبأن المجد لها، وستسمو الجريدة عن الأغراض ،وستربأ بنفسها عن الدخول في مهاترات الحزبية وأباطيل السياسة الشخصية…

وستقسو على المنافقين والجبناء المتجرين بالوطنية والسائرة في ركاب خصوم البلاد، والمؤيدين للمغتصبين والطغاة، لن يجد أصدقاء الإنجليز في جريدة وادي النيل إلا مؤدبا قاسيا، ينذرهم ثم يأخذهم بيد من حديد، حتى يعودا إلى حظيرة الوطن وصفوف الشعب جنودا مخلصين”.

وإن المتتبع لاهتمامات الجريدة ليستطيع أن يحدد إلى أي حد التزمت بسياستها التي أعلنتها. فمن الملاحظ أن اهتمامات الجريدة وتبويبها قد اختلفا إلى حد كبير عما كان عليه الحال في مجلة الصرخة، ويبدو أن الجريدة قد احتفظت بسماتها قبل اندراجها تحت لواء جمعية مصر الفتاة ، هذا من ناحية؛

ومن ناحية أخرى فمن الواضح أن أخبار وأفكار جمعية مصر الفتاة لم تكن تكفى لتغطية صفحات جريدة يومية، ولعل عدم ذكر أن الجريدة لسان حال مصر الفتاة في صدر صفحاتها يعطى تفسيرا أن الجريدة إلى جانب اهتماماتها الأصلية، ضمت إلى جانبها اهتمامات مصر الفتاة.

تناولت الجريدة بعض الموضوعات التي توفر كتابتها بعض المحررين المتخصصين، ومنها السياسة الخارجية على مستوى العالم وتغطية أنبائه، قضية العمال في مصر ومناصرة اتحاد عمال عباس حليم، الاستمرار في الحملة التي بدأتها مصر الفتاة على صفحات الصرخة حول ضرورة إلغاء المحاكم المختلطة والامتيازات الأجنبية.

إلى جانب مقالات تحمل هجوما على الإنجليز وتدعوا إلى الثورة ضدهم. ومقالات تطالب بإعادة دستور 1923. إلا أن الحرب الايطالية الحبشية كانت الموضوع الرئيسي الذي أرفدت له الصحيفة صفحات كثيرة، وواصلت طرح القضايا عن تلك الحرب معبرة عن رأى مصر الفتاة في ضرورة أن تقف مصر على الحياد؛

كما اشتدت في الهجوم على الإنجليز، وعلى مايلز لامبسون المندوب السامي البريطاني مؤكدة ألا حل للقضية المصرية إلا باستخدام القوة. ولعل في هذه الموضوعات ما يؤكده أن الجريدة قد التزمت بسياستها التي أعلنتها منذ العدد الأول إلى حد كبير.

إن فكرة إصدار جريدة يومية تعبر عن جمعية مصر الفتاة الناشئة، كان عملا شاقا إلى حد كبير، يتطلب جهودا كبيرة وأموالا وفيرة، وهو ما لم يتيسر لها في ذلك الوقت، وربما كان إلقاء الضوء على موارد الجريدة المالية فيه ما يوضح عجز مصر الفتاة عن إصدارها، فالموارد تتمثل في الاشتراكات وعائد التوزيع والإعلانات بالإضافة إلى الإعانات؛

فإذا علمنا أن الجريدة لم تحقق توزيعا معقولا يتيح لها الاستمرار في الصدور، فلم يزد عدد النسخ المباعة عن 10% من النسخ المطبوعة. ومن الممكن أن يكون ذلك نتيجة رفض متعهدو التوزيع ، فقد كانوا يرفضون توزيعها لأنها ليسن جريدة وفدية، كما رفض الأهرام توزيعها كما كان يفعل مع الصرخة من قبل فقد رأى فيها منافسا له. حتى أن مدينة الإسكندرية التي وجدت فيها من يتولى توزيعها من المتعهدين، لم تكن مجالا لمثل هذه الجرائد التي تهاجم الأجانب.

أما عن دخل الجريدة من الإعلانات، فقد تهيأ لها في هذا الشأن مورد ثابت، فعباس حليم كان يدفع مبلغ 20 جنيها شهريا في مقابل إعلانات شركة سجاير الاتحاد التابع له، كما كانت الجريدة مرتبطة بعقود للإعلانات مع بعض الشركات الأجنبية، وقد كانت مصر الفتاة تقبل ذلك على مضض فكانت كما أعلنت تتحين الفرص للتخلص من تلك العقود مع الشركات الأجنبية.

فإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من الموارد ونعنى به الإعانات، فقد استعان أحمد حسين في بداية الأمر بالمبلغ الذي أعطاه له الملك عبد العزيز آل سعود عندما كان في الحجاز وهو مبلغ 65 جنيها.

الخديوى عباس حلمى الثانى وصحف الحزب

كما تلقت جمعية مصر الفتاة بعض الإعانات من الأفراد والهيئات وكلها كانت لمساعدة الجريدة على الاستمرار في الصدور ومنهم الخديوي عباس حلمي الثاني عن طريق عبد الخالق مدكور (باشا) وفى نفس الوقت كانت تتلقى الإعانات من القصر ، أما عن طريق على ماهر أو عبد الوهاب طلعت أو عبد القادر حمزة، وقد تراوحت تلك اللعانات التي دفعها على ماهر ما بين خمسة جنيهات وعشرين جنيها.

كذلك دفع القصر عن طريق عبد الوهاب طلعت بعض المبالغ غير الملومة إعانة للجريدة، أما عبد القادر حمزة صاحب جريدة البلاغ فدفع عشرون جنيها من القصر للجمعية، ومن المعروف أن جريدة البلاغ كانت في ذلك الوقت تعكس سياسة القصر وقد وعد عبد القادر حمزة أحمد حسين بمبالغ أخرى.

وعلى الرغم من مساعدات القصر للجريدة، فقد أدرك أحمد حسين أن محاولة إصدار جريدة يومية تعبر عن مصر الفتاة، يعد عملا شاقا يفوق إمكانياتها ، مما كان يعرضه لضائقة مالية، وكحل لذلك حاول أن يطبعها في القاهرة بدلا من الأسكدندرية على أمل أن يتخذ منها عباس حليم لسان حال لاتحاد عماله.

ولكن هذه المحاولة لم تر النور. وظلت الجريدة تتعرض لأزمات مالية طاحنة وخسائر كبيرة، إلى الحد الذي جعل موظفوها ومحرروها يضربون عن العمل نظرا لعدم حصولهم على مرتباتهم. فكانت تلك الأزمات المالية مبررا لمصر الفتاة كي تتخلى عن إصدارها.

ففي 19 أغسطس من نفس العام (1935) غابت عن صفحات الجريدة كتابات مصر الفتاة، وفى 3 سبتمبر رفع من صفحاتها كل ما يشير إلى مصر الفتاة من شعارات، ومن ثم عادت إلى ثوبها القديم في 17 سبتمبر فبدأت تهتم بنشر أخبار الوفد، وإن لم تعلن عن أنها جريدة وفدية. فبعد أن كانت تصدر صباحية أعلن عن تحولها إلى جريدة مسائية حتى يمكن إصدارها إلى جانب ممارسة النشاط السياسي للجمعية، هذا فضلا عن تخفيض عدد صفحاتها المستمر من 12 إلى 4 إلى 6 واستقرت في النهاية على 8 صفحات.

ولكن كل تلك المحاولات لم تجد فتيلا، ولم تكلل بالنجاح، فقد كانت الأزمات المالية أقوى من محاولات الخروج منها والتغلب عليها، فأعلن أحمد حسين فشل مجهوداته في إخراج جريدة يومية تعبر عن حركته وعاد إلى القاهرة. وظلت مصر الفتاة بدون صحيفة تعبر عنها إلى أن عادت الصرخة إليها من جديد فئ 5 نوفمبر 1935.

عاودت جمعية مصر الفتاة الاتصال بصاحب امتياز مجلة الصرخة لتعيد إصدارها من جديد وبالفعل تم التعاقد بينه وبين أحمد حسين على أن تبدأ في الصدور في أوائل نوفمبر 1935.

فصدر العدد الأول منها معبرا عن جمعية مصر الفتاة في 5 نوفمبر، وقد فسر أحمد حسين الارتباك وعدم الانتظام في إصدارها صحف تعبر عن مصر الفتاة بقوله:

” ما زلنا على العهد وليس يدخل في حسابنا مظهرنا المادي من حيث الكثرة أو القلة، ومن حيث الغنى أو الإعسار، وليس يعنينا أنتكون لنا صحيفة أسبوعية ، أو أن تكون لنا جريدة يومية، أو لا تكون، فكل هذه مظاهر توجدها المادة وتخلقها النقود وليس عارا أن نكون فقراء ، وليس عارا أن نعجز عن تدبير المال اللازم لإخراج صحيفة.. بل هى المفخرة والصفحة المشرفة أن يعلم الجميع أننا نصدر الصحف دفاعا عن المبدأ والعقيدة لا للمكاسب والأرباح”.

“الوفد” يتهم “مصر الفتاة” بالخيانة !

وهكذا عادت الصرخة إلى حظيرة مصر الفتاة مرة أخرى وتولى أحمد الشيمى إدارتها والإشراف عليها، وحل محله عبد السلام شهاب في رياسة التحرير وهو ليس من بين محرري مصر الفتاة ثم حل محله محمد صبيح في رياسة التحرير في 8 يناير 1936.

وقد واصل كتاب مصر الفتاة السابقين الكتابة في الموضوعات التي طرحوها من قبل، هذا فضلا عن اهتمام واضح بالحركتين الفاشية والنازية.

وعندما أعلن النحاس (باشا) أمام مجلس النواب أن مصر الفتاة تعمل لحساب دولة أجنبية، كان لذلك التصريح أكبر الأثر على الجمعية والمجلة، فقد حاول قادة مصر الفتاة، أن يدعوا لفيفا من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب ومندوبي الصحافة لاجتماع يدافع فيه أحمد حسين عن مصر الفتاة ويرد عنها عادية الاتهام، ولكن الحكومة لم تصرح بالاجتماع، ومن ثم نشرت المجلة الخطاب الذي كان سيلقيه أحمد حسين في الاجتماع فكان ذلك آخر عهدها بالانتظام في الصدور، فأصبحت محلا للاضطهاد والمصادرة عددا بعد آخر بدون استثناء.

وعلى سبيل المثال صادرت وزارة الداخلية عدد المجلة بتاريخ 22 يوليو وهو ما يزال تحت الطبع، وكان ذلك بأوامر من وزير الداخلية شخصيا ، فتقدمت مصر الفتاة ببلاغ إلى النائب العام ورفعت دعوى ضد الحكومة تطالبها بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بها نتيجة المصادرة.

ونتيجة لهذه المصادرة المستمرة للمجلة أن امتنعت عن نشر المقالات التي تعالج المسائل السياسية وبدأت تهتم بموضوعات فنية وزراعية وغيرها. إلا أن المجلة رغم هذا لم تنج من المصادرة، ومن الواضح أن حكومة الوفد كانت ترمى بعملها هذا أن تظهر عجز مصر الفتاة المؤدى، وفى نفس الوقت تعجزها عن مواصلة إصدارها فهي وجمعيتها خصوم للوفد.

ومن الواضح أن ذلك يدعونا إلى تناول الموارد المالية للمجلة، خاصة وأن جريدة “وادي النيل” توقفت عن الصدور لأسباب مالية بحته، فكيف استطاعت الجمعية إصدار الصرخة من جديد؟

 

الفكر النظرى لمصر الفتاة

تبلورت أفكار مصر الفتاة فئ أربع أفكار رئيسية ، يجدر بنا دراستها ومناقشتها وبيان مصادرها وتلك الأفكار هي فكرة القومية المصرية وفكرة العروبة وفكرة الجامعة الإسلامية كنهاية لمراحل التطور الفكري عندها خلال فترة البحث؛

وأخيرا قضية الثورة الاجتماعية، كمطلب حيوي من مطالب مصر الفتاة، منذ أن نشأت كحركة إصلاحية تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ، ويمكن تلخيص أفكار مصر الفتاة فيما أعلنته في برنامج الجمعية بأن غايتها

” أن تصبح مصر فوق الجميع إمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام”. ويجدر بنا أن نتناول كل فكرة من تلك الأفكار بالدراسة ونبدأ بفكرة القومية المصرية ومراحل تطورها.

ظهرت إلى جانب الدعوة لوحدة الشعوب الإسلامية، دعوة ناشئة تنادى بالقومية المصرية، وتبث الشعور بالوطنية في الأمة، التي تقوم على الجنس لا على الدين، منادية بقصر الاهتمام على المصالح المصرية ومعالجة مشكلاتها مستقلة عن مشاكل الدولة العثمانية والأقطار الإسلامية، وقد كانت هذه الدعوة صدى للاتجاه العالمي نحو فكرة القومية في القرن التاسع عشر، وكان المبشرون بهذه الدعوة في مصر متأثرين تأثرا واضحا بالتفكير الأوربي.

ويمكن القول أن هذه الحركة الجديدة نشأت قبيل الثورة العرابية وكانت هذه الثورة صوتها القوى ويدها الباطشة وقوتها المنفذة، وتمثلت هذه الدعوة في جمعية ” مصر الفتاة” السرية التي تألفت في الإسكندرية ، وفى بعض الصحف الثائرة التي برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تنتقد سياسة الحكومة وتندد بتفريطها في حقوق البلاد مثل صحيفتا ” مصر” و” التجارة” لأديب اسحق، وفى ” الحزب الوطني” الذي انضمت إليه جمعية مصر الفتاة السرية، والذي تألف قبيل الثورة العرابية من الرجال الذين تزعموها بعد ذلك.

وظلت هذه الدعوة يتناقلها بعض الأفراد والجماعات، ونبعت منها شعارات منها ” مصر للمصريين” وتألفت لهذا الغرض جمعيات في الثلاثينات من القرن العشرين مثل جمعية ” المصري للمصري” وإن اختلفت أهداف كل من الدعوتين وإن كانتا روافد للفكرة الأصلية، فكرة القومية المصرية؛

إلى أن كانت إرهاصات مصر الفتاة، متمثلة في إيمان أحمد حسين بمجد مصر، ومطالبته لمحمد محمود بأن يسعى لإعادة هذا المجد، وتصديه هو للفكرة في عام 1930، ثم أخفاق المحاولة فيعاود الكرة مرة أخرى ويؤلف جمعية مصر الفتاة في عام 1933 لهذا الغرض، فظلت تقرع الأذهان بفكرها الذي طرحته منذ عام 1929 وهو أن تصبح مصر فوق الجميع، فكيف يتحقق لها ذلك.

إن فكرة أن تصبح مصر فوق الجميع، تنم عن وطنية متعالية آمنت بها مصر الفتاة منذ بداية الإيمان بمجد مصر، والعمل على بعثه من جديد على يد أحمد حسين، وقد كان هذا هو أول شعار رفعته مصر الفتاة، فهو يعد أول الأفكار الملموسة التي سيطرت على حركتها في الثلاثينات، وتتلخص تلك العقيدة في أن مصر لها ماض عظيم وأنه يجب إعادة هذا الماضي وبعثه في المستقبل الآن،

وقد كان شعار “مصر فوق الجميع” هو الذي يوضح هذا الاتجاه، ولم يكن هذا الشعار واضحا في نفوس المصريين، على أنه دعوة إقليمية للاهتمام بمصر وبمشاكلها دون غيرها.

ولكنه استخدم كجزء من دعاية مصر الفتاة، في محاولة منها لخلق جو نفسي أصيل بين المصريين، يفعل فعله فئ خلق الوطنية المصرية وإعادة المجد لها بعد فترات الاحتلال التي عانت منها مصر خلال القرن التاسع عشر وما بعده.

ولكي نوضح ذلك الشعار، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أنه من الممكن أن يكون مستوحى من شعار الرايخ الألماني الثاني وهو ” ألمانيا فوق الجميع” وقد استخدم بواسطة أحمد حسين في عام 1929، قبل أن يتكرر استخدامه بواسطة الأملان في الرايخ الثالث عام 1933، ولم يذكر أحمد حسين أو غيره من قادة مصر الفتاة أنهم استخدموا أو قلدوا شعار الألمان وقد فسر أحمد حسين ذلك الشعار، بأن مصر فوق الجميع أي فوق الأحزاب السياسية والأفراد، ويذكر أن هذا الشعار قد فهمه البعض فهما خاطئا بأن فسروه على أن مصر فوق الدول العربية، وهو ينفى ذلك عندما فكر في استبدال الحزب الوطني الإسلامى بحزب مصر الفتاة.

ولكنه يغلب الظن أن أحمد حسين قلد شعار الألمان إذ هو يرى أن مصر لها ماضي مجيد وحضارة عظيمة يتيحان لها أن تكون فوق الجميع.

وأما الإيمان بمصر وبمجدها، فقد كان نابعا من أنه كما ترى مصر الفتاة بينما كان العالم يغط في نومه بين دياجير الظلام، كانت مصر الخالدة ترفع لواء المعرفة وتحمل راية النور والسلام، وعليها أن تستعيد مكانتها فوق الجميع، ولبناء هذا الصرح الشامخ يجب أن يبذل الشباب روحه ودمه من أجل مصر، ويضحى بشبابه وحياته في سبيلها.

فمصر الفتاة كانت تسعى إلى إعادة مجد مصر، حتى ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس حتى الموت من أجل إعادة قوة وعظمة الإمبراطورية المصرية، وقد شكل ذلك الإيمان عقيدة الجيل الجديد من شباب مصر الفتاة، والذين يستطيعون عن طريق نشر الروح العسكرية بينهم، واستخدام وسائل العنف أن يعيدوا لمصر مجدها القديم.

ولعل هذا الأيمان يطرح سؤالا هاما وهو، ما هي الظروف الموضوعية الفتى نشأت فيها تلك الجماعات المتطرفة؟ ومصر الفتاة إحداها- والتي تطرح أفكارا تعبر عن وطنية متطرفة.

في أثناء كفاح الشعب ضد حكومة صدقي (1931) وفى سبيل الاستقلال والدستور، برز مطلب الوحدة القومية مرة أخرى ، وقد تولى الطلبة الدعوة إلى الوحدة في ظل جبهة وطنية وتم توقيع ” الميثاق الوطني” فبدأ الأمر وكأن القيادات الحزبية القومية قد اتحدت؛

ولكن في حقيقة الأمر كانت القاعدة القومية، وخاصة الطبقة المتوسطة تعانى انقسامات عديدة، كان من نتيجتها أن تألفت بعض الهيئات السياسية تميزت بطابع التطرف القومي، وعكست انحرافات الطبقة المتوسطة نحو التعصب الديني أو العنصري أو القومي، وكان ذلك إيذانا بانفصال الطبقة المتوسطة عن الرأسمالية القومية، كما كان إيذانا بظهور نظريات القومية غير الديمقراطية وابتعاد القوميين عن الطبقة العاملة، ورواج أفكار ومذاهب مستمدة من الفاشية والنازية، وقائمة على المثالية الغيبية.

وقد تمثلت تلك المثالية الغيبية في المطالبة ببعث مجد مصر القديم، وهكذا فإن اهتمام مصر الفتاة في الثلاثينات كان لتحقيق تلك المثالية، فإن إيمانها وولاءها الأصلي ظل لمصر وحدها، وماضيها وأمجادها والبحث عن وسائل تضع حدا لتدهورها الحالي وإحياء هذا المجد التليد.

ساعدت الظروف الموضوعية التي مرب بها المجتمع المصري، على تبلور فكرة القومية المصرية، في شكل الدعوة للفرعونية من جانب أحمد حسين ومصر الفتاة ومن سبقوه، وقد كان لاكتشاف مقبرة توت عنخ آمون أكبر الأثر في التغني بمجد مصر، وأصبح هذا الكشف يعلى الفرعونية على ماعداها، فانتشرت الأسماء الفرعونية، وغلبت النعرة الفرعونية على الإنتاج الأدبي والفني، وصدرت المؤلفات تتغنى بحضارة مصر الفرعونية وقد نمت هذه الدعوة بشكل واضح؛

 

ففيما يختص بالبرلمان والدستور أعلنت مصر الفتاة أنها تؤمن بالشورى ولكنها ليست كما ترى مصر الفتاة شورى الرعاع والجهال ممن لا يملكون من ألأمر شيئا ولكنها ” شورى هؤلاء الذين لهم من الأمر كل شاء بجهادهم ونزاهتهم ورغبتهم في الصالح العام وخشيتهم من الله في أعمالهم وأقوالهم” وأما عن تفاصيل استخدام هذه الشورى وطرق تنظيمها فقد تركته مصر الفتاة للأحداث لتنظمها.

أكدت مصر الفتاة بذلك رفضها للنظام البرلماني المعمول به في مصر واعتبرته ” بضاعة أجنبية” لا تروج فيها. وإنما اعتقدت فئ التجربة الفاشية في إيطاليا، على اعتبار أنها ترى أن الفاشية تعتمد أساسا على الدين، وأن بها الكثير من تعاليم الإسلام، فيذكر أحمد حسين ” أستطيع أن أؤكد أن الفاشستية فيها الكثير من الإسلام، والإسلام هو أصلح النظم لحكم مصر”.

وقد علمت مصر الفتاة على تجاهل الفوارق بين ماهية الديمقراطية والديكتاتورية تدعيما لفكرتها في الأخذ بالفاشية، فقال أحمد حسين

” أنالا أعتقد مطلقا أن هناك في أوربا نظاما ديمقراطيا ونظاما ديكتاتوريا، وأن انجلترا وفرنسا تختصان بالديمقراطية وإيطاليا وألمانيا تختصان بالديكتاتورية، فهي ديمقراطية واحدة ولكنها مختلفة الصور حسب تقاليد كل أمة وعاداتها وما يتفق وطبيعة شعبها”.

ذهبت مصر الفتاة إلى القول بأن الفاشية هي النظام الوحيد الذي كانت إيطاليا في ظله تستطيع أن تحقق هذه الأعمال العظيمة التي حققتها حتى الآن، ثم ترى أيضا أنه هو ” الديمقراطية بعينها”

وتدلل على الفكرة بقولها:

” أليس معنى الديمقراطية حكومة من الشعب تعمل لأجل الشعب، لا لمصلحة فرد أو جماعة وهذا هو ما أراد مطبقا هنا على أجمل الصور، فموسولينى وأعوانه لا هم لهم إلا رفاهية الشعب الايطالي والارتقاء به”.

إذن مصر الفتاة ترى في الفاشية النظام الديمقراطي الصحيح، وربما كان عن تعمد لطمس معالم الديمقراطية والديكتاتورية وتذويب الفوارق بينهما ، إخفاء لاتجاهها وراء هذا الغرض، وربما كان عن عدم إدراك لطبيعة كلا من النظامين، وإن كان الرأي الأول أقرب إلى الصواب، فلتعمية الجماهير بفكرتها ترى أن الفاشية فيه الكثير من الإسلام.

 

“مصر الفتاة” وتوضيح نظم الحكم الفاشية والنازية

وفى أوائل عام 1938 بذلك مصر الفتاة جهودا كبيرة في شرح وتوضيح نظم الحكم الفاشية والنازية، فأبرزت أحاديث وخطب كل من موسولينى وهتلر، وكما أن عبد الرحمن بدوى رئيس مكتب الشئون الخارجية بالحزب، قد بدأ في كتابة تقارير عن السياسة الخارجية لكل من إيطاليا وألمانيا، نشرتها جريدة مصر الفتاة، وقد تطورت الأوضاع خطوات من إيطاليا وألمانيا؛

نشرتها جريدة مصر الفتاة، وقد تطورت الأوضاع خطوات أبعد من ذلك، فإن مصر الفتاة قد أصبحت أكثر رغبة في أن توحد بين نضالها، وبين نضال هذه الحركات الأوربية وخاصة ألمانيا، فاعترفت بأن برنامجها مستمد من تلك الحركات الأوربية.

ففي مقال عن اجتماعات ” نورمبرج” اعترفت مصر الفتاة أنها تأمل أنتحقق في اجتماعاتها ما حققه النازيون من تنظيم دقيق في اجتماعاتهم وعندما أعلنت مصر الفتاة عن إقامة معسكر الصيف للشباب في عام 1938؛

ذكرت أن للفاشية الفضل في هذه الفكرة، وأن فكرة المعيشة في هذه المعسكرات قد استخدمت من جانب ألمانيا وإيطاليا من قبل. وكذلك تتضح الصورة في كتابات أحمد حسين عن الإعجاب بالفاشية، وبالرغم من أنه يحاول أن يظهر فروقا بين نضال مصر الفتاة ” الروحي” وبين نضالهم، فأطرى كفاحهم كنموذج يحتذي ويستحق المحاكاة ففي أول حديث عام لأحمد حسين في أوائل عام 1938 مدح فيه كلا من إيطاليا وألمانيا.

كان مدح أحمد حسين للنظم الفاشية محاولة منه لأن يدعو شباب مصر الفتاة لمحاكاتها فقال

” أيها الشباب عليك أن تنظر إلى معجزة الايطاليين والألمان ، كيف أن الشباب في هاتين الأمتين كانوا قادرين على أن ينهضوا بأممهم من حالة الفقر إلى ذروة العظمة؛

فإيطاليا التي كانت علما على الفوضى السياسية والاجتماعية، أصبحت اليوم تعد من أقوى الدول في أوربا وألمانيا التي أعتقد أنها لن تقوم لها قائمة بعد ذلك، استردت اليوم مكانتها وأصبحت بلا منازع أقوى دولة في أوربا.

وهاتان المعجزتان قد حدثتا بالإيمان والثقة بأنفسهم، وهذا هو ما تدعوك مصر الفتاة إليه”

وهكذا يتناسى أحمد حسين ذكر الفروق التي ركز عليها من قبل، واعتبر كفاحهم كفاحا ماديا، وهو الآن يعتبره نضال ” روحي” ويضرب على ذلك الوتر فيسوق أدلة مادية يرجع نجاحها إلى أسباب ” روحية”

ففي حديث في 14 أبريل 1938 بدأ تقييمه لعظمة كل من ألمانيا وإيطاليا يأخذ شكلا ماديا، وكيف أن إيطاليا قبل موسولينى ” كانت القطارات فيها لا تستخدم ولا تحترم استخدام جدولا زمنيا محددا” وجاء موسولينى وتولى الحكم، وفى ظرف عشر سنوات جعل إيطاليا أقوى دولة في حوض البحر المتوسط بلا منازع، وكيف أنها أصبحت نموذجا يحتسي؛

وأن ألمانيا قبل تولى هتلر الحكم، كانت قد خرجت من الحرب فاقدة الثقة في نفسها، وجاء هتلر فاغتصب السلطة فأصبحت مرة أخرى أقوى دولة في أوربا بلا شك، وأما أن هذين الديكتاتوريين قد قاما بإنجازات مادية رائعة فإن ذلك إنما يرجع في المقام الأول لأسباب روحية تلخصت في الإيمان العميق.

 

بلغ حديث الإعجاب بالفاشية والنازية ذروته خلال رحلة أحمد حسين في أوربا فئ عام 1938، وكان هدفه من تلك الرحلة دراسة مختلف الأنظمة السياسية والاجتماعية لبلاد أوربا، التي سوف يزورها، وقد تهيأ سلفا، فقال قبل أن يسافر ” في إيطاليا وألمانيا سوف أشاهد المعجزات الرائعة التي نهضت بهاتين البلدين من العدم والموت إلى الحياة”.

ولكننا نلمس أنه كان أكثر تأثرا مما شاهده في ألمانيا، فقد أرسل من هناك عدة مقالات كلها تتسم بالإعجاب بالنظام النازي، فكانت أولى هذه المقالات عن زيارته لمعسكرات العمل الصيفية التي أقامها الحزب النازي للشباب، والتي يعمل فيها الناس من كل ” الطبقات” جنبا إلى جنب لا يهتمون بمركز أو تمييز طبقي، وقد طالب بأن يطبق هذا النظام داخل مصر بأن تقيم معسكرات عمل مماثلة؛

ومن ثم عرض ” لجبهة العمل الألمانية” تحت رئاسة دكتور روبرت لي، وذكر أنها حلت مشكلة العمل الألمانية ، بتنظيم كل نواحي العامل الألماني الاقتصادية والاجتماعية بقوله

” ليس هناك قوة ولا عنف، ولا ضغط أو إكراه ولا استبداد ولا خداع في حل مشاكل الطبقات العاملة؛فقد حصلوا على أجورهم المناسبة ، فهم على ثقة من مركزهم وأن أحدا سوف لا يخدعهم لأن الدولة تشرف وتراقب كل شيء وتنظم كل شيء وتتدخل في كل شيء، ليس هناك شيوعية، لأنه ليس هناك كبير ولا صغير فكلهم أعضاء في هيئة واحدة، وكل عامل يعمل من أجل المصلحة العامة قبل مصلحته الشخصية”.

وطالب أحمد حسين في ختام مقاله بضرورة اتباع النظام النازي في مجال العمل فقال ” إنه عودة إلى المجتمع الإسلامى الحقيقي، حيث لم يكن هناك عامل وصاحب عمل، بل كانوا جميعا أخوة متعاونين معا” وقرر أنه بعد عودته إلى مصر سينادى بشرف وجلال العمل، والعمل على تنظيمه لجلب السعادة للعمال وإدماجهم في ” جبهة متحدة”.

وكان آخر مقال لأحمد حسين من ألمانيا في شكل وجهه إلى هتلر، وقد صور فيه الحياة على أنها صراع. وأنه يجب على الشعوب أن تكون قوية منظمة حتى تستطيع أن تسترد مكانتها وتزدهر من جديد، وذلك باستخدام الديكتاتورية كما في ألمانيا وقد بدأ الخطاب بالحديث عن منجزات هتلر الروحية فقال

” كم أنجزت أيها القائد في إعادة الروح إلى هذا الشعب العظيم، وأضعهم تحت قيادة واحدة، وراية واحدة، وخطة واحدة، خضت معهم المعارك ، معارك الحياة ككتلة واحدة، قويا قادرا على أن ترفع رأسها عالية، مليئة بالشرف والوقار، لم تقبل أي خطأ أو إهانة لنفسها، فأنت سيدها أولا وأخيرا، ودون أن تكون لأية قوة خارجية سلطة عليها”.

وعندما تعرض أحمد حسين للحديث عن منجزات هتلر فقد أبرز تأثره بمقدرة الأمان على تعبئة الأمة داخليا، فقد قضى هتلر على البطالة ومنح العمال الأمن في عملهم ، وكذلك قضى على روح الحزبية والتناحر الحزبي، وفوق كل هذا فقد أنهى الصراع الطبقي، وجعل الأمة كلها ذات مشاعر واحدة.

وفى ختام خطابه مدح هتلر لقيامه بما كان هو نفسه يحاول القيام به وهو خلق جيل جديد قوى نشيط مؤهل لخوض نضال مستمر من أجل الأمة.

أما عن الأثر الذي أحدثه الإعجاب بالفاشية كنظام سياسي على الأوضاع الداخلية لمصر الفتاة، فإن اهتمامها صار منصبا على موضوعين هامين هما موضوع الثورة كأسلوب اعتنقته مصر الفتاة منذ البداية، وكوسيلة لتغيير نظام الحكم القائم في مصر، وموضوع العدالة الاجتماعية وضرورة تحقيقها بين كل أفراد الشعب وقد أكد أحمد حسين على هذين الموضوعين في أول حديث له بعد عودته من أوربا في عام 1938؛

 

وقد ردد الدكتور عبد العظيم رمضان هذه المعاني بقوله: ” إذا كان النظام الدستوري المصري مفتقرا إلى الضمانات الدستورية، فإن توفير الحماية له بأي شكل حتى ولو كان هذا الشكل يحمل ملامح فاشية ونازية، يعتبر من وجهة نظرنا لا غبار عليه لاستقرار الحياة الدستورية نفسها، حتى تتولى التشريعات أداء هذا الدور وفى كلا الرأيين غرابة، فكيف يمكن أن تدعم الديمقراطية وأن تصان الحياة الدستورية بأساليب فاشية، تؤمن بالعنف وباستخدام القوة؟

إن الديمقراطية وأساليبها لا يمكن أن تتوف لها الحماية إلا بوسائل ديمقراطية بحتة، أما التصدي لهذا الموضوع من جانب الدكتور عبد العظيم رمضان مرددا ما قاله زهير صبري في محاولته تبرير مسلك الوفد في إنشاء هذه الفرق ذات الصبغة الفاشية، والقول بأنها لصيانة الحياة الدستورية وتدعيم الديمقراطية فقول يخالف المنطق وطبائع الأشياء؛

فالديمقراطية أساليبها ووسائلها التي تحمى وجودها وتدعم فكرتها، فهو في هذا يبرر أن يقيم الوفد تشكيلات شبه عسكرية لها صبغة فاشية، وفى نفس الوقت ينكر على مصر الفتاة أن تقيم مثل هذه التشكيلات، ويهاجمها رغم ما بينهما من فوارق في تركيبها

وعلى أية حال فإذا فهم أن تستهوى المثل النازية والفاشية بعض الشباب فينشئوا ما يشبهها، فلم يكن مقبولا من الحكومة الدستورية التي تستند إلى أغلبية برلمانية كبيرة أن تواجه الانحراف بانحراف مثله، فتفضي من حيث لا تدرى صفة الشرعية أو الإقرار الضمني على تشكيلات مصر الفتاة.

وحقيقة الأمر أن مداعبة الأفكار الفاشية من كلا الفريقين مصر الفتاة والوفد وغيرهما كان أمرا غير مقبول ، ولكن الكيل بمكيالين أمر مرفوض تماما، إلى جانب أن الموضوعية تقتضيا ألا نقر تصرفا من جانب ونستنكره من الجانب الآخر ونحاول التبرير، ولكنه يمكن القول بأن التجربة الدستورية التي مرت بها مصر لم تتعمق جذورها بعد، فأصبحت عرضة لهزات عنيفة ألمت بها؛

وأنه لرسوخ الإيمان بالديمقراطية ووسائلها فإن ذلك يتطلب وقتا طويلا حتى ترسخ هذه التقاليد وتتأصل في نفوس الجماهير،ولعل تاريخ الديمقراطية في معظم دول العالم يؤكد تلك الحقيقة، فليس هناك من خطر على الديمقراطية لتعرضها لهزات، ولكن ذلك ربما يكسبها قوة وصلابة، ويزيد الإيمان بها ويوطد فكرتها، وليس أن تدعم وتصان بأساليب فاشية، وفى وقت لم تكن فيه التشريعات ناقصة وعاجزة عن القيام بصيانة الحياة الدستورية وتدعيم الديمقراطية فالتشريعات قائمة وكافية.

أما عن مصر الفتاة والفكرة العربية وهى الحلقة الثانية في سلسلة أفكارها ذات الحلقات الثلاث فإننا نجد أنها هي الوحيدة التي تبنت منذ قيامها تلك الفكرة، فنادت بتوحيد البلاد العربية، أما ما عداها من الأحزاب السياسية فلم تتضمن برامجها قبل صدور تصريح إيدن وظهور فكرة إقامة جامعة الدول العربية ، ما يشير إلى تبنيها لفكرة عربية على أي مستوى من المستويات.

وكان اعتناق مصر الفتاة لفكرة العروبة يعد انقلابا فكريا طرأ على فكر أحمد حسين وإن لم يكن انقلابا أصيلا في تفكيره فقد جاء اعتناقه للفكرة العربية من واقع التطبيق العملي ، حيث تبين له أن الأخذ بالفرعونية وكان مشجعا لها في البداية- صعب التحقيق ومخالف لطبيعة التطور، فليس من السهل استخدام لغة الفراعنة، والأخذ بعاداتهم وتقاليدهم واعتناق ديانتهم.”

أشار برنامج جمعية مصر الفتاة عام 1933 إلى قيام تحالف بين الدول العربية ولكن ذلك البرنامج لم يحدد نوعية هذا الحلف، ولم يحدد الخطوات التي يمكن عن طريقها تحقيق هذا التحالف، ولم يرسم حتى مجرد الخطوط العريضة لتنفيذ فكرته هذه .

أما برنامج ” الحزب الوطني الإسلامى” في عام 1940 فقد أشار إلى الوحدة العربية إشارة صريحة بحيث يتم توحيد الأمم العربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتشريعيا وتحريرها من كل نفوذ أو سيطرة أجنبية.

كما حدد البرنامج الأسس التي تقوم عليها الوحدة العربية بقول” لكي تتحقق الوحدة العربية لابد من الوصول إليها في خطوات تتم بالاتفاق مع الدول العربية الأخرى فيما يلي:

أولا: مكافحة الاستعمار في جميع صوره لأي قسم من أقسام البلاد العربية.

ثانيا: تخفيض الحواجز الجمركية بين البلاد العربية وإلغاء التأشيرات على جوازات السفر.

ثالثا: تقرير سياسة التفضيل لمنتجات الدول العربية. فتخفض الضرائب الجمركية إلى أدنى حد ثم تلغى هذه الحواجز بصفة نهائية.

رابعا: توحيد مناهج التعليم الأساسية.

خامسا: توحيد القوانين الأساسية المستمدة من الشريعة الإسلامية في جميع البلاد العربية.

سادسا: الارتباط مع الدول العربية في معاهدات دفاعية، يكون من أركانها تبادل المعلومات والبيانات العسكرية والاتفاق على السياسة الخارجية وتوحيدها.

وعلى ذلك ، فإن النظام الذي سيكون عليه الاتحاد العربي، هو أن تحتفظ كل دولة باستقلالها الداخلي، وأن يبقى لها نظام حكمها الذي اختارته لنفسها، على أن يتولى التنسيق والتخطيط للمسائل المتفق عليها، وهى السياسة الخارجية والتعليم والدفاع مجلس مشترك بين جميع الدول يضم أعضاء توفد بهم هذه البلاد ليبحثوا ويقرروا ، ويذكر أحمد حسين أن ذلك النظام ليس عجيبا ولا شاذا وإنما هو مطبق في الولايات المتحدة.

الاتجاه الإسلامى لدى مصر الفتاة

ومن الجدير بالملاحظة أنه من خلال الحديث عن الفضائل فإن الإسلام لم يذكر على وجه التحديد، ولكن الجمعية أعلنت أنه تحترم وتوقر كل الأديان السماوية، وهكذا فإن مصر الفتاة كانت تسعى لأن تضم الشباب المصري من أي دين ليعمل تحت لواء الوطنية المصرية.

ظل الاتجاه الإسلامى لدى مصر الفتاة يكتنفه بعض الغموض ، فقد فسر أحمد حسين الدين الإسلامى على أنه دين الإشتراكية والمساواة والديمقراطية، فهو دين الديمقراطية لأن الله دعا إلى استخدام مبدأ “الشوري” بين معتنقيه، وهو دين المساواة لأن القرآن قد نصر على ذلك وأخيرا فهو دين الإشتراكية، فقد فرض ضريبة الزكاة إجبارية على كل المسلمين، وهى شيء لم يعرفه العالم في نضاله الطويل، كدليل على التكافل الاجتماعي كما نظمه الدين الإسلامى.

وقد تطور هذا الاعتقاد من جانب أحمد حسين في تفسيره للدين الإسلامى فبلغ به الأمر بأن يدعو إلى الثورة على الأغنياء استردادا لحقوق الفقراء التي تجاهلوها، مبررا هذا المسلك بأن الإسلام يدعو للاشتراكية.

وأحمد حسين في هذا يبرر استخدام القوة متمثلة في صورة الثورة لتنفيذ أحد أركان الإسلام، في أن يحصل الفقراء على حقوقهم لدى الأغنياء.

فتبرير استخدام القوة ليس من قبيل الإسلام في شيء، وإنما ذلك كان مستمدا من فكر مصر الفتاة المبكر والذي يعد إلى حد كبير مستوحا من الأنظمة الفاشية.

وفى عام 1938 تبرز لنا الناحية الإسلامية على ما عداها في فكر مصر الفتاة فتدعو إلى زعامة مصر للعالم الإسلامى، وتحقيق الجامعة الإسلامية التي كانت موجودة من قبل.

وقد بدأت مصر الفتاة تحدد الاتجاهات التي تهيئ لمصر أن تتولى زعامة الإسلام، وتحقيق فكرة الجامعة الإسلامية تحت زعامتها، فنادت بسيادة التشريع الإسلامى داخليا، مطالبة بأن تكون كل قوانين الدولة المصرية مستمدة من الشريعة الإسلامية، وبأنها إذا أتيحت لها فرصة تولى الحكم فسيكون ذلك أول عمل لها.

وبمتابعة الاتجاه الديني لدى مصر الفتاة فإننا نجد أن الحزب كان قد أنس في نفسه قوة تتيح له أن يتولى الحكم، فبدأ يطالب بإنقاص سن عضوية مجلس النواب، توطئة لوصوله إلى البرلمان كخطوة أولى على طريق الوصول إلى الحكم، فبدأ يحاول استغلال موجة التدين التي كانت تميز طابع الملكية في ذلك الوقت، وما كان للشيخ مصطفى المراعى من أثر على فاروق في هذه الناحية ، وقد تلقفت مصر الفتاة الكرة؛

 

مصر الفتاة والقصر

 

تمثلت القوى السياسية المؤثرة في مصر، في قوى سياسية ثلاث هي القصر والأحزاب والإنجليز، وسوف نقتصر في هذا الفصل على دراسة علاقة مصر الفتاة بالقصر، أما العلاقة بالأحزاب وبالإنجليز فيتكون موضوع الفصلين التاليين.

وفيما يتعلق بدراسة القصر كقوة سياسية مؤثرة، فسوف تشمل الدراسة قوى أخرى تعد امتداد لقوته، ولعل في ذلك القول بعض الدراسة ، ولكننا سوف نعتبر الوزارات المصرية التي تولت الحكم لتعبر عن القصر ومصالحه في مواجهة مصالح الجماهير الشعبية، سوف نعتبرها امتدادا لقوته، وعلى ذلك فستجيء معالجة هذا الفصل لتشمل القصر والوزارات المختلفة التي يمكن أننطلق على كل منها “وزارة قصر”.

ظهرت جمعية مصر الفتاة في ظل أوضاع سياسية تتسم بالتشاحن والصراع بين قوى سياسية مختلفة، فمنذ أن طبقت التجربة الدستورية في البلاد والتي توزعت فيها القوى السياسية إلى قوى سياسية كبرى

ثلاث هي القصر والأحزاب والإنجليز المحتلين للبلاد. منذ ذلك والصراع قائم بين تلك القوى للاستئثار بالسلطة دون القوى الأخرى.

وكان ظهور جمعية مصر الفتاة في ذلك الوقت مثار تساؤل واستفهام من جانب تلك القوى أهي قوة سياسية جديدة وما لونها واتجاهها ، أم هي رافد لإحدى القوى القائمة لمساندتها في مواجهة القوى الأخرى، أم هي حركة معادية لهم جميعا.

ظلت تلك القوى في حيرة من أمر هذه الجمعية الناشئة، فلما ظهر برنامجها وضم شعارها اسم الملك، اطمأن القصر من ناحيتها وأمن جانبها واعتبرها حركة مساندة له تؤيده في مواجهة القوى الأخرى.

ولما كانت شديدة الهجوم على الأجانب عامة وامتيازاتهم الأجنبية وعلى الإنجليز خاصة، فقد اعتبرها الإنجليز حركة معادية لهم على طول الخط، واعتقدوا أنها ربما كانت امتدادا لتيار معادى لهم من دول أوربا وخاصة ايطاليا وألمانيا فكان عداؤهم لها واضحا منذ البداية.

أما الأحزاب المصرية القائمة فقد انقسمت حيالها إلى قسمين ، فحزب الوفد نظر نظرة ريبة وشك خاصة وأن الحركة جعلت لملك جزءا من شعارها والوفد يعادى القصر والملك؛

أما القسم الثاني فكان أحزاب الأقلية وعلى رأسها الأحرار الدستوريين رأت في تلك الجمعية حكة سياسية متطرفة من الشباب يمكن استخدامها للنيل من الوفد الحزب الشعبي المسيطر على مقاليد الأمور في البلاد سواء كان في الحكم أن خارجه، فقد رأت فيها حركة تساندها وتدعم موقفها في مواجهة هذا الحزب الشعبي لهذا لم تر بأسا فيها وفى القائمين عليها . ولنبدأ بتحديد علاقتها بالقصر.

تألفت جمعية مصر الفتاة في عهد وزارة عبد الفتاح يحيى- وهى إحدى وزارات القصر امتداد لعهد انقلاب صدقي ولما كانت الجمعية ترى أنها موالية للقصر وللنظام الملكي وترى من وجهة نظرها أن احتلال الإنجليز لمصر قد نفذ ثغرة الخلافات بين الملك والشعب فقد أرادت الحركة منذ البداية أن تطمئن الملك وتجلب رضاءه من ناحيتها فجعلت شعارها ” الله. الوطن . الملك” وقد فسر البرنامج هذا الشعار فكان ” يجب أن نعبد الله وأن نعلى كلمته ، يجب أن نقدس الوطن ونفنى في سبيل مجده، يجب أن نعظم الملك وأن نلتف حول عرشه” .

ولتطبيق ما جاء في هذا الشعار، وتطبيقا لسياسة أحمد حسين كما يذكر ذلك هو في مصانعة القصر رفع نسخة من البرنامج إلى الملك ليكون أول من يطلع عليه ولكن في ذلك الوقت لم يكن هناك رد فعل لتقديم البرنامج إلى القصر،

فقد قال زكى الابراشى لأحمد حسين بعد سنوات أن الملك فؤاد اطلع على البرنامج وأنه قدره حق التقدير

“وقد استدعيت فجأة في أحد الأيام بعد أن احتدت الحوادث لمقابلة محمود فهمي القيسي باشا وزير الداخلية في وزارة عبد الفتاح يحيى- فأراني نسخة البرنامج التي كنت قد رفعتها للسراي، وأعلمني أنها حولت إليه من القصر، وأنه في الخدمة”

ولعل ذلك يفسر مدى اهتمام القصر بالحركة وإن كان ذلك قد تأخر قليلا ومن المؤكد أن وزارة الداخلية كان لديها تعليمات من القصر بضرورة مساعدة تلك الحركة وعلى الأخص تقديم مساعدات مالية لها وربما كانت المقابلة لهذا الغرض.

ولعله من المناسب هنا أن نذكر أن الابراشى وإن كان قد ذكر لأحمد حسين واقعة اطلاع الملك على البرنامج وتقديره له، فلماذا لا يكون الابراشى قد حصل على توجيه من الملك في نفس الوقت بعمل اتصالات بهذه الجمعية ومساعدتها حتى تظل على ولائها للقصر، خاصة وأنه قد تردد أخبار في حينها عن قيام علاقة بين الابراشى وأحمد حسين.

ويؤكد ذلك بعض أعضاء مصر الفتاة البارزين والذين لعبوا دورا هاما ومؤثرا في تاريخها. فإذا علمنا أن الابراشى كان من الذين يسعون لضم بعض القوى لمساندة القصر، فربما وضح الأمر حول هذه العلاقة.

وسواء كان رد الفعل لتقديم البرنامج للقصر ناتجا عن الاتصال بوزير الداخلية أو العلاقة بين أحمد حسين وزكى الابراشى فإن علاقة مصر الفتاة بالقصر تعد مؤكدة إلى حد كبير وأنها تلقت إعانات مالية كبيرة منه عن طريق الابراشى، ومن المصاريف السرية لوزارة الداخلية عن طريق وزيرها.

استطاع القصر أن يضم جمعية مصر الفتاة إلى جانب القوى الموالية له فاستمرت بينهما طيبة إلى حد كبير في البداية بدليل أن الجمعية كانت تهرع إلى ساحة الملك في مختلف المناسبات، كما أنها بدأت ترفع إليه العرائض ومنها عريضة تطلب فيها منه العمل على إلغاء الامتيازات الأجنبية وقد اعتبرت مصر الفتاة نفسها جمعية مؤيدة من القصر تتجه إليه دون غيره من القوى في المقام الأول بمطالبها وخطواتها التي ترى أن تقوم بها في كفاحها الوطني وإذا كانت تلك هي صورة العلاقات مع القصر في البداية، فإنه من المهم أن نلقى نظرة على موقف وزارة عبد الفتاح يحيى منها.

وكانت خطة مصر الفتاة في علاقتها بالوزارات المصرية المختلفة تهادنها فترة عند توليها الحكم ثم لا تلبث أن تهاجمها إذا أدركت أنها لا تحقق ما تنادى وتعمل على تحقيق جزء من برنامجها، ومن ناحية أخرى فإن مصر الفتاة كانت ترى منذ البداية أنها حركة إصلاحية تهتم بالاقتصاد والتعليم ومختلف النواحي؛

ولكن بعض قادتها صرح بأن كفاح مصر الفتاة إن لم يكن موجها ضد الإنجليز أس هذا الفساد الذين يحاولون العمل لإصلاحه فلا قيمة لكفاحها، ومنذ ذلك الحين ومصر الفتاة تشن هجوما عنيفا على الأجانب عامة كما تمثل ذلك في مهاجمة الامتيازات وعلى الإنجليز خاصة باعتبارهم المحتلين لتلك البلاد وسبب تخلفها ومصدر فساد شئونها ، فكان هجومهم هذا مصدرا لحدوث صدامات بينهم وبين تلك الوزارات سواء كان هجوما على الوزارات أم على الأجانب والإنجليز.

نشرت مجلة مصر الفتاة “الصرخة” عددا من أعدادها بمناسبة عيد الجهاد الوطني في 13 نوفمبر 1933 اتسم ذلك العدد بالعنف والتطرف، فكان أحد المقالات التي حواها بعنوان ” يا شباب 1933 كن شباب 1919″ وقد رأت فيه الحكومة القائمة دعوة للثورة، فاستصدرت أمرا من النيابة بالقبض على كل من أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود باعتباره رئيس تحرير المجلة وظلوا بالحبس لمدة ثلاثة وعشرين يوما.

وكان هذا أول صدام بين الوزارة ومصر الفتاة، توالى بعده القبض على أعضاء وقادة جمعية مصر الفتاة وإيداعهم السجن، ومصادرة مجلتهم لاتباعها خطة العنف والتطرف في معالجة الأمور.

ولكن مصر الفتاة اشتدت في العنف في مهاجمة وزير الحربية والبحرية فيما يختص بالجيش فكان ذلك موضوعا أثار الوزارة ضد مصر الفتاة وكان له مباشرة على تصرفاتها، لأهمية ذلك الموضوع سوف نعرض لتفاصيله.

انطلاقا من فكر مصر الفتاة المبكر في ضرورة بث النظام والطاعة بين صفوف الجماهير فقد اهتمت بالجيش على اعتبار أنه المدرسة الوطنية الوحيدة التي تحقق بغيتها في بث النظام والطاعة والخلق القويم.

فتقدم نفر من أعضائها إلى وزير الحربية- صليب بك سامي- بطلب انضمام إلى الجيش المصري على أن تكون مدة الخدمة به سنة واحدة بدلا من خمس سنوات وأن يطبق نظام التجنيد على كل الشباب من أبناء مصر وأن يلغى نظام البدل النقدي الذي حول الجيش والانضمام إليه عنوانا على الفقر والفاقة.

وفى نفس الوقت كتب أحمد حسين مقالا على شكل خطاب وجهه إلى وزير الحربية هاجم فيه الجيش القائم ووصفه بأنه جيش من المرضى والضعفاء والجهلاء يخضع لرئاسة اسفنكس (باشا) مفتش الجيش المصري.

وقد هدد أحمد حسين في نهاية المقال بأنه إذا رفض طلبهم في الانضمام إلى الجيش فسينضمون إلى الجيش العراقي، ويهاجم وزير الحربية ويصفه بأنه ما هو إلا موظف في وزارة الحربية البريطانية.

رأت وزارة الحربية في هذا المال مساسا بشخص الوزير فاعتقلت الحكومة أحمد حسين كاتب المقال وأحمد الشيمى رئيس تحرير المجلة الذي وافق على النشر وأودعتهما سجن الاستئناف.

وقد توالى هجوم مصر الفتاة على الجيش والوزير وطالبته بأن يعمل على تسليح الجيش، ورغم هذا فقد ظلت القضية المتهم فيها أحمد حسين والشيمى منظورة أمام القضاء حتى أصدرت محكمة الجنايات حكمها بعد أن أبدى أحمد حسين دفاعا طويلا أمامها، وشارك في الدفاع عنهما كل من عبد الرحمن الرافعي و فكرى أباظة ويقضى الحكم بغرامة 25 جنيها لكل منهما وقد رفض أحمد حسين دفع الغرامة ولكم مصلحة الجمعية اقتضت خروجه من السجن فدفعها بعد حبس دام أسبوعين.

ولما لم تجب مصر الفتاة إلى طلبها في الانضمام إلى الجيش المصري تقدم رئيسها أحمد حسين بطلب التطوع في الجيش العراقي بخطاب أرسله إلى المفوضية العراقية في مصر،ولكن المفوضية ردت عليه بأن الخدمة في الجيش العراقي مقصورة على العراقيين.

اشتدت مصر الفتاة بعد دخول قادته السجن مرتين في الهجوم على الوزارة وعلى الإنجليز، فانتقدت سياسة الملاينة والملاطفة التي يتبعها رئيس الوزراء تجاه الإنجليز موجهة إليه نقدا شديدا وتسأله الحساب عما قدمه لشعبه، مطالبة إياه وزملاؤه الوزراء بأن يتقصوا طريق كل من موسولينى وهتلر وما قدماه لشعبهما.

وعلى أثر هذا الهجوم بدأت وزارة الداخلية تتخذ الخطوات الفعالة للحد من نشاط تلك الجمعية وتعقب أفرادها، فوزعت إدارة الأمن العام كتابا دوريا على المديريات تطلب منها فيه العمل على عدم نجاح هذه الحركة.

كان ذلك الكتاب تفويضا لمديريات الأمن المختلفة كي تمارس نشاطها بحرية أكثر في تشديد قبضتها على أعضاء مصر الفتاة أو من يشتبه فيه على أنه عضو بالجمعية المذكورة، فقامت باتخاذ إجراءات قاسية ضدهم وأصبحوا عرضة للاضطهاد والظلم وقد بلغ الاضطهاد والمطاردة مداها حتى بلغ الأمر بأحد أعضاء الجمعية أن يطالب سكرتيرها العام بأن تكون الجمعية سرية تعمل على نشر مبادئها سرا وضرب أمثلة بجمعية ” الكاربونارى” فى ايطاليا وجمعية ” الاتحاد والترقي” في تركيا.

وقد استمرت العلاقات متوترة بين الجمعية والحكومة على ما هي عليه بل ازدادت اتساعا حتى بلغ عدد من دخل السجن من أعضائها خلال العام الأول لها خمسين عضوا هذا فضلا عن تعرض الكثير منهم ومن الأعضاء الآخرين إلى تفتيش منازلهم. وبعد نهاية ذلك العام بقليل استقالت وزارة عبد الفتاح يحيى وتولت وزارة توفيق نسيم فبدأت مرحلة جديدة من العلاقات بينها وبين مصر الفتاة.

استقبلت مصر الفتاة وزارة توفيق نسيم استقبالا حسنا كخطتها الدائمة خاصة وأنها أدركت أن الحكومة تنوى إطلاق الحريات للمواطنين. فكان من الأجدر بمصر الفتاة أن ترحب بها لما عانته من اضطهاد في عهد الوزارة السابقة، ولما قامت به تلك الوزارة من استصدار أمرملكى في 30 نوفمبر 1934 بإلغاء العمل بدستور 1930 وحل المجلسين.

وقد قرب ذلك العمل الوزارة من الشعب وخاصة وأنه في بداية توليها الحكم، فأدرك الشعب أن الوزارة تعمل على عودة دستور 1923 وإطلاق الحريات. ثم بدأت تظهر الخلافات بين الجانبين فلم يكد يمضى شهر على تولى الوزارة الحكم حتى بدأت الصدامات بينهما، فمصر الفتاة تشكو من تتبع القلم السياسي بوزارة الداخلية لنشاطها واضطهاد أعضائها بتقديمه تقارير ملفقة إلى الداخلية خاصة بالجمعية واعتبارها جمعية خطرة على الأمن وأنها فوضوية ومهيجة.

فبدأت مصر الفتاة تشن هجوما على الحكومة متهمة إياها بالتفريط في حقوق الأمة وخضوعها للانجليز ثم تعود فتمدحها لأنها سمحت بإقامة حفلة افتتاح دارها الجديدة، وأثنى أحمد حسين على الوزارة وصرح بأن الجمعية تؤيد الوزارة طالما أيدت الحريات.

ظلت العلاقات طيبة بين مصر الفتاة ووزارة توفيق نسيم، وذلك لإطلاقها الحريات فلما تلكأت الوزارة في العمل على تحقيق مصالح البلاد القومية، وتهاونت في إعادة دستور البلاد دستور 1923 المعطل اشتدت مصر الفتاة في الهجوم على الوزارة وطالبتها على الأقل بإزالة القيود المفروضة على الصحافة وأن تترك لها الحرية بعد أن عطلت البرلمانات.

وقد حاول أحمد حسين أن يلتقي برئيس الوزراء عدة مرات ولكنه لم يسمح له بذلك وربما كان لهذا الموقف أثره في تشدد أحمد حسين في هجومه على وزارته فوصفها بأنه وزارة مترددة ضعيفة، يتحكم فيها الإنجليز وتعمل بوحي من إرادتها وكأن قصر الدوبارة قد أصبح المرجع الأول لها والأخير كما ذكر أحمد حسين ولعل هذا الهجوم على الوزارة كان مبررا لها في أن تسلك مسلك سالفتها في معاملة أعضاء مصر الفتاة.

اتبعت الوزارة كرد فعل للهجوم عليها أسلوبا عنيفا ضد جمعية مصر الفتاة وكرد فعل من جانب مصر الفتاة لمصادرة الوزارة للاجتماعات وتطبيق القوانين الاستثنائية وعدم الاهتمام بإعادة الدستور، اشتدت في مخاصمتها لها إلى الحد الذي جعلها تطالبها بالاستقالة وقد استمرت مصر الفتاة في حملتها التي شنتها على الوزارة ووصفتها بأنها عقبة كأداء في سبيل الأمة؛

وانتقلت من الهجوم على الوفد لسكوته عليها بأن في السياسة البريطانية وإبقاء على صلته بالوزارة النسيمية التي وعدته بأن تخلى له الطريق إلى كراسي الحكم. وانتقلت للهجوم على الإنجليز وعلى نواياهم في “عقد معاهدة تجارية” مع مصر وكيف أن الوزارة تنفذ مشيئتهم وتحقق رغباتهم.

ارتفع معدل التوتر بين الطرفين وقد كان محك ذلك مطالبة مصر الفتاة الوزارة بإعادة الدستور “دستور 1923″ باعتبار أنه مطلب الأمة جميعا، وعلى حد تعبير جمعية مصر الفتاة في هذا الشأن ” أعيدوا الدستور وحذار من التسويف، فإن غضب الأمة وسخطها مخيف لا يبقى ولا يذر، أما ما يريده الإنجليز ثمنا لهذا الدستور فإن مصر بأسرها ترفض أن تمنح الإنجليز مزايا جديدة على حساب الفلاح المصري وعلى حساب الاقتصاد والمالية المصرية، أعيدوا الدستور فهو حقر لنا سواء رضيت انجلترا أو لم ترض”.

توجه نسيم باشا بكتاب إلى الملك في 17 أبريل 1935 يقترح فيه إعادة دستور 1923 بعد تنقيحه كما ينص على ذلك الدستور، وإذا رأى جلالته أي شيء فيه يمكن تنقيحه للصالح العام، أو يوضع دستور تقره جمعية تأسيسية وطنية تمثل البلاد تمثيلا صحيحا يختار أعضاؤها من مختلف الهيئات والطبقات. ووافق الملك على إعادة دستور 1923.

وقد اعتبرت مصر الفتاة ذلك الكتاب مسوغا للوزارة كي تعيد إلى الأمة دستورها ولما كانت وزارة نسيم تنفيذ مشيئة الإنجليز، فقد اقتنعت بالتبليغ الشفوي الذي أبلغه لها المندوب السامي البريطاني بأن بريطانيا تعارض في عودة الدستور في ذلك الوقت، ولكنها ترى وضع دستور جديد تقوم به لجنة حكومية على أن تمثل بها الأحزاب السياسية.

وقد استسلمت وزارة نسيم لهذا التبليغ، ولكن مصر الفتاة يبدو أنها كانت لا تقدر حقيقة موقف وزارة نسيم حق التقدير فاشتدت في الهجوم عليها، وطالبت توفيق نسيم أما أن يعيد الدستور وأما أن يستقيل ويخلى مكانه لوزارة تكون قادرة على تنفيذ إرادة الملك في عودة الحياة النيابية.

اشتدت الأزمة حول إعادة الدستور بين وزارة نسيم والحكومة البريطانية وقد زاد الأزمة تصريح صمويل هور وزير خارجيتها بأن حكومته لا ترى إعادة دستور 1923 لعدم صلاحيته للعمل، ولا دستور 1930 لأنه لا ينطبق على رغبات الأمة.

وفى أثناء ذلك قامت المظاهرات احتجاجا على ذلك التصريح، ولكنا نرى لمصر الفتاة موقفا سابقا على ذلك التصريح فقد قامت بإعداد المنشورات التي تهاجم فيها الوزارة وقبولها التبليغ البريطاني وعدم إعادة الدستور، وطالبت بإعلان عدم الثقة بها لجميع ما يصدر عنها من تصرفات؛

وطالبت أيضا بالتوجه إلى جلالة الملك بالرجاء في إسقاط هذه الوزارة وتولية وزارة أخرى تكون أقدر منها على تلبية إرادة جلالته السامية في رد الدستور والزود عن حقوق البلاد واستقلالها، وتنظيم مظاهرة قانونية بإذن السلطات يوم 12 أكتوبر 1935 يعبر فيها الرأي العام عن إرادته في إعادة الدستور. تلك كانت بعض قرارات مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة فيما يختص بموقفها من الوزارة ومن عودة الدستور.

هرع أحمد حسين إلى القصر الملكي فرفع رسالة إلى الملك تطبيقا لقرارات مجلس الجهاد، فطالبه بإقالة الوزارة وتشكيل وزارة تكون أكثر قدرة منها فقال:

“إن مصر بأسرها باتت تئن من تلك الوزارة.. إن مصر بأسرها تتطلع إليكم لإنقاذها من هذه الوزارة.. وإني باسم ألوف من الشباب المصري باسم جنود مصر الفتاة المجاهدين أرفع هذه العريضة إلى سدتكم العالية متلمسا إقالة هذه الوزارة وتشكيل وزارة أكثر قدرة منها على تحقيق رغائب جلالتكم وإرادة الأمة، وزارة تكون أكثر حرصا على استقلال مصر وحقوق مصر، وزارة تعرف كيف تحمل الإنجليز على احترامنا، وزارة ترد للأمة حريتها وتجمع صفوفها وتعلن دستورها وتحقق استقلالها”.

لم يكد أحمد حسين يهرع إلى الملك بطلب إقالة الوزارة حتى كان تصريح صمويل بعده بأيام قلائل، قد تعقد داخليا وخارجيا، فقد اشتدت المظاهرات حتى بلغت قمتها في عيد الجهاد الوطني مما أفضى إلى “ثورة” 1935 ، فاشتدت مظاهرات الطلبة حدة وهى التي كانت موجهة في المقام الأول ضد الإنجليز، وإن كان البعض يرى أن المظاهرات كان لها هدف داخلي بأن تضغط على الوفد حتى يوافق على وجهة نظر الطلبة في تكوين وزارة ائتلافية دون قيد أو شرط.

وكنتيجة لذلك الموقف الداخلي والخارجي تقاربت الأحزاب السياسية وتألفت منهم “الجبهة الوطنية” التي طالبت الحكومة البريطانية بالعودة إلى المفاوضات لعقد معاهدة تحدد علاقة مصر بانجلترا.

وفى خلال كل هذه التطورات حول الأزمة لإعادة الدستور لم تلق مصر الفتاة بسلاحها لمهادنة وزارة نسيم ولكنها كلما تأخرت عودة الدستور اشتدت في مخاصمتها، وكرد فعل من جانب الوزارة أخذت تصادر اجتماعات الجمعية وتضيق الخناق وكان ذلك مثار قضايا بين الطرفين ، فمصر الفتاة تقاضى رئيس الوزراء لمنعه اجتماعا لها بعد التصريح به.

والوزارة تقدم العديد من أعضاء الجمعية إلى المحاكمة عليهم بغرامات مالية متفاوتة. وعلى هذا فقد كانت العلاقات بين وزارة توفيق نسيم ومصر الفتاة علاقة مواقف مختلفة وأخطاء ارتكبتها وزارة نسيم ولم تقبلها مصر الفتاة وسألتها الحساب واحتدت معها فيه، فكانت الصدامات بينهما، ووزارة كوزارة نسيم لا حول لها ولا قوة أمام بطش الإنجليز

وخاصة وأنها وزارة تفتقد لسند شعبي، فهي وزارة مهلهلة تحكم بإرادة قوى سياسية متعارضة إذ أنها خاضعة للانجليز تماما وتنفذ إرادتهم وسياستهم، ولما كانت هي الوزارة الوحيدة التي رضي عنها الوفد وساندها فقد كانت حريصة على أن تعمل على إرضائه وأن تمهد له الطريق، وفى النهاية فهي في آخر الأمر إحدى وزارات القصر خاصة وأن توفيق نسيم كان رجل القصر ورئيس الديوان الملكي من قبل فلابد وأن تعمل بوحي منه وتنفذ سياسته، والتوفيق بين تلك الأطراف الثلاثة المتنافرة معادلة صعبة لا تقوى وزارة كوزارة نسيم على حلها.

ولعل ذلك يدعونا إلى أن نبين علاقة مصر الفتاة بالقصر وكيف كان موقفه من كلا الطرفين، خاصة وأن على ماهر باشا صديق مصر الفتاة تولى رئاسة الديوان الملكي في عهد تلك الوزارة.

أما عن موقف القصر من تصرفات وزارتي عبد الفتاح يحيى وتوفيق نسيم حيال جمعية مصر الفتاة ، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أن الملك فؤاد قد سقط فريسة مرض خطير استمر طوال عام 1934 وحتى وفاته عام 1936 ونشأ عن ذلك أن أصبح الابراشى باشا ناظر الخاصة الملكية هو الحاكم الحقيقي للبلاد، مما أثار الاستياء والتذمر في جميع الأوساط وقد انعكس ذلك على الإنجليز أيضا ، فكان أحد مطالبهم من وزارة عبد الفتاح يحيى التي لم تستجب لها طرد الابراشى (باشا) من القصر.

ولعل ظروف الملك طوال العام جعلت أمور القصر غير مستقرة ، فلم يتخذ ما يخفف الضغط على مصر الفتاة، ومن ناحية أخرى لعل الابراشى لم يجد ما يدعوه إلى التعامل مع مصر الفتاة، بطريقة مكشوفة فكان يساعدها في الخفاء ونزيد على ذلك تفسيرا ثالثا وهو تركها تتعرض لما تعرضت له بدافع من التمويه حي لا تظهر بأنها مؤيدة من القصر فيكون ذلك مبررا للانجليز فيتشددوا في تضييق الخناق عليها وخنقها وهى ما زالت في المهد.

ومهما يكن المر فإن علاقة مصر الفتاة في تلك الفترة كان يشوبها شيء من الفتور وتمت في إطار من السرية وخاصة وبعد أن فقدت ركيزتها فيه بخروج الابراشى (باشا) ورغم هذا فإن أحد تقارير المندوب السامي البريطاني إلى الخارجية البريطانية يشير إلى أن القصر كان يرعى جمعية مصر الفتاة ويدافع عنها؛

ويتضح ذلك عندما صادرت الحكومة عددا من أعداد المجلة “الصرخة” كان يحتوى على عنف وتطرف في مهاجمة السياسة البريطانية ووسائل الاستعمار، ومما جعل السلطات البريطانية تعتقد اعتقادا راسخا بأن الجمعية تتلقى التأييد من القصر، أن الموظف الذي صادر هذا العدد من المجلة قد أنب رسميا عن طريق مراد (باشا) محسن وكيل الديوان الملكي، فالقصر لا يؤيد الجمعية التي تناصب بريطانيا والأجانب العداء فحسب بل أنه اعترض على مصادرة عدد من مجلتها يضم مقالة عنيفة ومتطرفة تهاجم بريطانيا.

وقد حاولت مصر الفتاة أيضا أن تظل على علاقة بالقصر وبدوائره فقد أرسل أحمد حسين رئيس الجمعية فتحي رضوان سكرتيرها العام إلى قصر عابدين بعد طرد الابراشى (باشا) ناظر الخاصة الملكية من القصر(1935)، يحمل معه مجموعة كاملة من مجلة “الصرخة” لكي يوضح لدوائر القصر أن المجلة تؤيده، ولكي يبين لهم أيضا أن شعار الجمعية هو (الله. الوطن. الملك) ولقد قابل فتحي رضوان عبد الوهاب طلعت لهذا الغرض.

وعندما عاد من زيارته للقصر بدا عليه أنه راض تماما عن هذه المقابلة. وفى الأيام القليلة الماضية أرسل أحمد حسين أيضا عبد الرحمن العيسوي إلى عبد الوهاب طلعت ليطلب منه تبرعا لجريدة “وادي النيل” من جانب القصر، ولقد قرر العيسوي بعد عودته من لقاء عبد الوهاب طلعت أنه قال له هؤلاء الشبان ممتازون ومخلصون ولكن تنقصهم الخبرة والتجربة. ولعل ذلك في حد ذاته يوضح إلى أي مدى كانت دوائر القصر تعطف على مصر الفتاة.

لم يؤثر خروج الابراشى من القصر على التأييد الذي كانت تناله مصر الفتاة بل أن الأحداث التالية جاءت مواتية تماما، فبتعيين على ماهر في رياسة الديوان الملكي قد صار ركيزة جديدة في القصر بل ربما ألصقتها بالقصر وبدوائره بدرجة أكبر تفوق ما كانت عليه في الماضي؛

 

 

مصر الفتاة والأحزاب

أما عن الأحزاب السياسية القائمة في البلاد والتي كانت تمثل القوة الثانية من القوى السياسية، فقد كانت كيانات سياسته ذات اتجاهات جد مختلفة وإن التقت جميعها حول هدف واحد وهو طلب الاستقلال التام للبلاد، ويمكننا أن نحدد علاقة مصر الفتاة بها جميعا على ضوء موقف كل منهم ومن نشاطها، خاصة وأنه قد سبق أن ذكرنا أن هذه الأحزاب انقسمت حيالها إلى فريقين، أحدهما مؤيد والآخر معارض ومناهض لها ولحركتها ، ولنبدأ بالفريق الثاني ونعنى به حزب الوفد.

ترجع علاقة مصر الفتاة إلى ما قبل إنشاء جمعية مصر الفتاة تعد امتدادا لمشروع القرش، فقد عارض الوفد المشروع منذ البداية واعتبره أحد أعمال وزرة صدقي، ولكن عندما اتضح للوفد أن المشروع يهدف إلى خدمة الاقتصاد المصري لم ير ما يمنع من مساهمته فيه، فتبرع له النحاس باشا ومكرم عبيد وغيرهما من رجالات الوفد.

ولكن موقف الوفد من الجمعية عند نشأتها كان موقف المتشكك فيها، وإن حمل طابع العداء لها فيما بعد، فقد رأى فيها حركة مساندة ومؤيدة للقصر في سياسته التي ترمى إلى سلب مكاسب الشعب لصالحه، فكان ذلك كافيا كي يقف الوفد منها موقف الخصومة، كما لا يغيب عنه أنها مؤيدة بأحزاب الأقلية مثل الأحرار الدستوريين والحزب الوطني وغيرهما.

وعلى هذا فقد كان الوفد يسعى لإعاقة نشاطها خاصة وأنه كان يخشى أن تستهوى دعوتها الشباب من أنصاره فتستقطب جانبا من جماهيره من الشباب وهم عدته في كفاحه ، فرأى الوفد منذ البداية محاربتها والعمل على إحباط نشاطها فيوجه الوفد تعليمات إلى شبانه في هذا الشأن، ولقد قام زهير صبري رئيس لجان الشبان الوفديين بنقل تعليمات الوفد إلى الشبان وتقضى بمحاربة مصر الفتاة والقضاء عليها في مهدها.

أما مصر الفتاة فكانت لا ترى مناصبة الوفد العداء في تلك الفترة المبكرة من نشاطها وخاصة وأنها لا تقف على أرض صلبة تمكنها من ذلك، بل كان اتجاهها في ذلك الوقت أن تحاول الحصول على اعتراف من الوفد بها وبوجودها، فهي رغم معاداتها له إلا أنها لم تجاهر بذلك العداء، وإن كانت قد استطاعت أن تقيم علاقات مع القصر وأحزاب الأقلية في فترة مبكرة من وجودها، إلا أنها كانت لا تقنع بذلك وترى أنها لن تكتسب شرعية وجودها إلا باعتراف الوفد بها، باعتباره الحزب الذي يضم غالبية قوى الشعب، فكان نشاطها في العامين الأولين من حياتها ينصب على هذه المحاولة.

حاول كتاب مصر الفتاة مهادنة الوفد وإزالة الريب والشكوك التي تساوره ضد جمعيتهم. ويؤكدون بأنهم “وفديون” ولا يرون غضاضة في أن تقوم إلى جانب الوفد جمعية متطرفة.

وهو يرون أن الوفد أكبر الهيئات السياسية وأعظم الأحزاب المصرية وماضيه حافل بجلائل الأعمال والأمة تحبه وتجله. ولهذا السبب كان إصرار مصر الفتاة للحصول على اعتراف الوفد بها، وقد جاء فى تصريحات أحمد حسين رئيس جمعية مصر الفتاة ما يفيد قيام محاولات التقارب من جانبه ” إننا لا نحمل للوفد ولزعيمه إلا كل حب واحترام وإننا نرى فيه الهيئة الوحيدة التي عملت منذ نشأتها بإيمان وإخلاص للقضية المصرية وأنه يتمثل في الوفد اليوم جهاد الأمة البريء”.

ولما لم تجد هذه التصريحات لم يجد أحمد حسين بدا من أن يوجه خطابا مفتوحا إلى النحاس باشا مباشرة يطلب إليه فيه الاعتراف بجمعية مصر الفتاة ويبسط له أن الجماهير لا ترى تعارضا بين الوفد وبينها، كما طالب أحمد حسين بالتعاون مع مصر الفتاة والوفد، وأوضح أن حركته تلقى تأييدا من الوفديين وخاصة في الإسكندرية ”

حتى أن الأستاذ عبد الفتاح الطويل عميد الوفدية في الإسكندرية تطوع للدفاع عنى وبعض نفر من كبار المحامين الوفديين، فرأيت من الواجب إزاء ذلك أن اتصل بدولتكم من جديد لنتفاهم تحت ضوء الحوادث الأخيرة” وفى ختام الرسالة يطالب أحمد حسين النحاس باشا أن يقول كلمته في هذه الجمعية ومبادئها.

وعلى الرغم من أن مصر الفتاة لم تتلق ردا على كل المحاولات التي بذلتها للتقارب من الوفد، إلا أنها ظلت على خطتها فئ محاولة كسب وده كي يعترف بها، فعندما أ‘لن الوفد عن عقد المؤتمر الوفدي عام 1935، أعلنت مصر الفتاة أنها رغم ما رماها به الوفديون من تهم وطعن في شرفها، فإنها تتناسى كل ذلك وتطلب إلى المؤتمرين السماح لها ولأعضائها كشباب بحضور هذا المؤتمر لتدلى بوجهة نظرها في الكفاح، وأن تعرض على المؤتمر طريقها إلى الاستقلال، وأعلنت عن استعدادها لتنفيذ ما يقرره المؤتمر بعد أن تشترك في وضع قراراته.

ورغم كل هذه المحاولات فإن الوفد آثر أن يتجاهل هذه الحركة الناشئة ومصر الفتاة تصر على أن تحصل على اعترافه بها أو أن يقول كلمته فيها دون جدوى.

وطبقا لنفس الخطة التي رسمها أحمد حسين للحصول على اعتراف الوفد به وبجمعيته، فقد رفع خطابا إلى جلالة الملك فؤاد يشرح له فيه ألأوضاع التي تعانى منها البلاد، وخصوصا في فترة مرض جلالته الذي أعطى الفرصة للانجليز كي يتدخلوا تدخلا سافرا في شئون البلاد، ويرى أن وزارة عبد الفتاح يحيى لم تستطع أن تلقمهم حجرا عندما تطاولوا على حقوق العرش وعلى شخص الجالس على العرش، وفى نهاية خطابه يطالب الملك باسمه وباسم الشباب الذي يتولى رئاسته أن يعيد الوفد لتولى الحكم فهو ومن خلفه القوى الشعبية تسانده بقادر على أن يقف في وجه أطماع الإنجليز وتطاولهم وير للبلاد دستورها وحريتها.

وحتى ذلك الوقت ورغم المحاولات المتكررة من جانب مصر الفتاة لاستمالة الوفد، إلا أنه لا يخرج عن خطته في تجاهل تلك الجمعية وإن كان بعض أعضائه يعطفون عليها ويؤيدون نشاطها. ولكن مصر الفتاة ترى أنهم أفراد إنما يعبرون عن أشخاصهم فقط وهى تريد الحصول على اعتراف الوفد كهيئة سياسية بها.

وعلى الرغم من خطة الوفد في تعامله مع مصر الفتاة وهى التزام الصمت والتجاهل تجاهها ، إلا أنه قد جرت بعض المحاولات من جانبه لتقويض دعائم تلك الجمعية، فقد كان الدكتور عبد الرازق السنهوري المدرس بكلية الحقوق آنذاك يتولى قيادة حركة الشبان الوفديين في الجامعة، رأى السنهوري أن يقيم علاقات بين حركة الشبان وبين جمعية مصر الفتاة؛

وقد رتب لهذا الأمر صلاح ذهني الطالب بالجامعة فاتصل بمحمد صبيح وفاوضه مبدئيا في فكرة انتساب لجن الشبان الوفديين إلى جمعية مصر الفتاة، فعرض صبيح الفكرة على أحمد حسين ولكنه لم يتخذ فيها قرارا لأنه خشي أن يكون الوفد عازما على هدم جمعيته بإدماج هؤلاء الشبان فيها .

ومصر الفتاة رغم أنها لا تود أن تهاجم الوفد إلا أنها تتعامل معه بحذر شديد ، فهي تعاديه ولا تثق في حركته تجاهها ولكنها في نفس الوقت لا تريد أن تجاهر بهذه العداء.

وعندما تتأزم الأوضاع السياسية في البلاد على عهد وزارة توفيق نسيم التي أبطلت العمل بدستور 1930 ولم تعد دستور 1923 فأصبحت البلاد بلا دستور، وما ذلك إلا لتدخل انجلترا في شئون البلاد تدخلا سافرا في عهد تلك الوزارات الضعيفة التي لا تستند إلى أي سند شعبي، في ذلك الوقت تقدمت مصر الفتاة إلى كل الأحزاب والهيئات السياسية كي تتحد وتتعاون للخلاص من تلك الأزمة، ولكي يكونوا قادرين على الوقوف في وجه أطماع الإنجليز.

كانت مصر الفتاة أول من رفع شعار الاتحاد والتعاون بين الأحزاب المختلفة لكن الأحداث الجارية لم تتح لهذا الاتحاد أن يرى النور إلا في شهر نوفمبر من نفس العام.

لم تتلق مصر الفتاة ردا على دعوتها التي دعت إليها، فهي تطالب زعماء الأمة بأن يجتمعوا لمعرفة غايات الأمة ومطالبها، ولعلها تدرك تماما أن غايات الأمة هي دعوة الوفد لتولى الحكم كي يستطيع أن يوقف تدخل انجلترا في شئون البلاد الداخلية، وبالرغم مما ترمى إليه مصر الفتاة فإن الوفد ظل على خطته في تجاهلها، وأدرك أن استمراره في تأييد وزارة توفيق نسيم كي تمهد له العودة إلى الحكم لا يجعله بحاجة إلى أن يصغى لجمعية هو شاك فيها وفى اتجاهها منذ البداية.

نفذ صبر مصر الفتاة في مهادنة الوفد، فلم يستطع أحمد حسين أن يكبح جماح نفسه أكثر من هذا بل حاول أن يخرج عن صمته ويهاجم الوفد، فخرج بمقال طويل بعنوان “الوفد بين الأمس واليوم” لماذا كنا من جنوده؟ ثم اختلفنا معه.

وفى ذلك المقال عقد مقارنة بين الوفد عندما كان “يرعب” الإنجليز وهم في أوج قوتهم، أما اليوم لقد أصبح الوفد الآن يدعو إلى صداقة الإنجليز، ويهاجم قرارات المؤتمر الوفدي التي تدعو المصريين إلى التفاهم مع الإنجليز ورعاية مصالحهم المشروعة، ثم يندد بتصرفات النحاس باشا ، وتتضح خطة أحمد حسين من هجومه هذا بقوله

” إن الخلاف بيننا وبين الوفد، أن الوفد يحاول وصم كل حركة بعيدة عنه سواء كانت مصر الفتاة أو اتحاد العمال الخاص بالنبيل عباس حليم”

وينم هذا المقال عن العداء “الهادئ” للوفد ولرئيسه مع محاولة لتبسيط الخلاف وهو أن الوفد يرفض قيام أية كيانات إن لم تندرج تحت رايته، وأحمد حسين عاتب على الوفد تصرفه هذا .

وتشتد مصر الفتاة في مهاجمة الوفد إلى حد ما ، فيوجه أحمد حسين خطابا إلى النحاس باشا يحمله فيه مسئولية ما آلت إليه أوضاع البلاد على يد وزارة نسيم التي يؤيدها، ويحدد أحمد حسين في هذا الخطاب سياسته تجاه الوفد في المستقبل ويوضح أنه على الرغم من أن الوفد قد وجه له اهانات شخصية بأن اتهمه بأنه اختلس أموال مشروع القرش وقامت المظاهرات تنادى بسقوطه “حرامي القرش”

فإن أحمد حسين لم يخرج عن خطته ولم يهاجم الوفد طوال العامين الماضيين ، إلا أنه هذه المرة لديه رغبة شديدة في مهاجمة الوفد، وإن كان يبرر هجومه بأنه لمصلحة البلاد فهو يهاجم الوفد هجوما موضوعيا ويهاجمه لأنه يرى أن ما تعانيه البلاد على يد نسيم باش إنما الوفد هو المسئول عنه، بل يحمل النحاس باشا شخصيا مسئولية ما يحدث، ولكنه يخفف نغمة الهجوم فيذكر أنه لا يقصد من ورائه إلا الخير فالوطن فى خطر.

وعلى الرغم من أن أحمد حسين قد أعلن أنه سيهاجم الوفد إلا أن نغمة العداء الهادي ظلت مستمرة، فلم يكن هجوما عنيفا وربما لأن مصر الفتاة لم تكن تستند إلى سند قوى في تلك الفترة.

ويخرج الوفد عن صمته وتجاهله فيكتب العقاد كاتب الوفد الأول في ذلك الوقت مقالا يهاجم فيه مصر الفتاة ويعتبرها إحدى حركات زكى الإبراشي (ناظر الخاصة الملكية) ويتساءل العقاد عن المصادر التحى تمولها وأنى لها بإصدار جريدة وافتتاح مكتب لها في القاهرة، وآخر في الإسكندرية إذن العقاد في هذا يعبر عن رأى الوفد فهو من كبار كتابهن وبذلك يفصح الوفد عن تشككه في مصر الفتاة، وعلى الرغم من أن أحمد حسين وفتحي رضوان توجها لمقابلة العقاد وشرحا له كل ما يتعلق بهم وبجمعيتهم إي أنه لم يقتنع بوجهة نظرهما وعاد فهاجمهما واعتبرهما وجمعيتهما صنيعة من صنائع السراي.

وعلى هذا بدأ الوفد يجاهر بالعداء، فعندما سافر أحمد حسين وفتحي رضوان إلى أوربا في ديسمبر 1935 للدعاية للقضية الوطنية، قاطعتهما لجنة الطلبة المصريين بباريس وهم في الغالب من الطلبة الوفديين.

ولعل الوفد كان يتجاهل الجمعية طالما كان نشاطها داخل مصر أما أن ينتقل إلى المحافل الدولية فذلك ما لا يرضى عنه الوفد، والوفد طوال حياته السياسية يرفض وبإصرار أن تقوم إلى جانبه كيانات سياسية تستقطب بعض نشاطاته فئ الخارج وتدعى أنها تمثل الأمة.

استطاع الوفد أن يسترد أنفاسه التي أنهكتها مطرقة صدقي وشرع ينظم صفوف جماهيره في عهد وزارة توفيق نسيم، فتكونت “رابطة الشبان الوفديين” برئاسة زهير صبري المحامى ومن بين أعضائها كان تكوين فرق القمصان الزرقاء.

عاد أحمد حسين من أوربا ليجد أن تلك الفرق قد تم تأليفها ، وبذلك دخلت خصومته للوفد مرحلة جديدة وانتهت مرحلة العداء الهادئ التي مارسها منذ البداية، فمه أنه أظهر سروره فى البداية لأن فكرة مصر الفتاة في النظام والعسكرية قد انتصرت إلا أنه عاد بعد أيام فهاجم هذه الحركة ووصفها بأنها “حركة زائفة” وأنها قامت على تقليد حركة القمصان الخضر، فلن تلبث أن تزول.

على أن أحمد حسين عاد أيضا ليجد كبار مؤيديه قد تولوا الحكم، على ماهر رئيسا للوزراء، وعلوبة باشا وزيرا للمعارف وغيرهما “فالوزارة كلها صديقة لمصر الفتاة”.

في ظل تلك الظروف المواتية لم يجد أحمد حسين مفرا من أن يشتد فى الهجوم على الوفد ، خاصة وأن كبار أصدقائه يساندونه، وقد استغل هؤلاء تجاهل الوفد وتجهمه تجاه الجمعية وعملوا على ضمها إلى صفوفهم ، فيذكر أحمد حسين بنفسه أن الوفد هو الذي أحجم عن فتح قلبه لجمعيته فهو يطالبه بأن يعلن خطة للكفاح المستميت، وليعلن الحرب على الخوف، وليدع للتضحية وينظم الصفوف لخلق القوة في نفوس الشباب، لتكن أول من ينضوي تحت لوائه ونكون لجنة من لجانه.

ولما كان الوفد لا يخرج عن خطته فئ التجاهل سنحت الفرصة أمام الأحزاب الأخرى والشخصيات السياسية كي تتصل بمصر الفتاة، ولما كانت الحركة في حاجة دائمة إلى المال ، طرقت عدة أبواب من بينها علوبة باشا ، محمد محمود باشا ، بهي الدين بركات باشا، وكان على رأسهم حماسة ورغبة في تأييد مصر الفتاة على ماهر ويليه محمد محمود ثم بهي الدين بركات.

وفى ذلك الوقت تضافرت كل تلك القوى ضد الوفد فهؤلاء الأشخاص وأحزابهم هم الأعداء الطبيعيون للوفد، أما مصر الفتاة فقد رأت فيه العدو الأول لأنه يهاجمها ويعمل على خنقها وعقبة في سبيل انتشار “النور الجديد” فاتفق الطرفان إذ اتحدت مصلحتهما في أن يعملا على صرع الوفد والتغلب عليه.وعلى ضوء تلك النظرية التي اعتنقها أحمد حسين أخذت العلاقات تسوء بينه وبين الوفد يوما بعد آخر.

عاد أحمد حسين من أوربا فوجد أصدقاءه في كراسي الحكم، فالتقى بهم كثيرا وأخذ نشاط جمعيته يزداد قوة واتساعا، فقد عقدت الجمعية اجتماعات ضخمة عقب عودته وقد كانت هذه الاجتماعات مثار خلافات وصدامات بين القمصان الزرقاء التي حاول مهاجمتها والعمل على فضها، وكان البوليس يتدخل لصالح مصر الفتاة.

وهنا يمكن القول أن تكوين فرق القمصان الزرقاء التي ألفها الوفد كانت محكا للاشتباكات الدائمة والعنيفة بين الطرفين، فقد اتسعت دائرة الصدام واتخذ الخلاف والصراع مظهرا عنيفا سيتطور حتى يصل إلى قمته عند نهاية عهد وزارة الوفد في عام 1937 باعتداء عز الدين عبد القادر على النحاس باشا .

اشتد الوفد في مخاصمة مصر الفتاة، وقد رأت أن تتصدى له بعد أن وجدت نفسها مؤيدة بقوى كبيرة ولعل أهمها في ذلك الوقت الوزارة وعلى رأسها على ماهر، والقصر يعطف عليها ويساندها، وقد استمرت تلك الفترة إلى أن تولت وزارة على ماهر إجراء الانتخابات في ظل الجبهة الوطنية، فأسفرت عن فوز الوفد بأغلبية كبيرة أتاحت له أن يؤلف الوزارة 1936؛

وهنا تدخل العلاقات مرحلة جديدة، وعلى الرغم من أن مصر الفتاة رحبت بوزارة النحاس وأطلقت عليها الوزارة الدستورية، وأنها تؤيدها كلمتا دافعت عن الدستور وعودة الحياة النيابية إلى البلاد، وخاصة وأن رئيسها أعلن برنامجا نص فيه على إتمام الاتفاق مع الإنجليز وتسوية المسائل المعلقة التي تشوب استقلال مصر ، وأنه سيضمن العدالة والحرية لجميع الأحزاب على السواء.

وهكذا استقبلت مصر الفتاة وزارة الوفد عساها تبدأ صفحة جديدة من العلاقات الطيبة ولكن واقع الأحداث التالية لم يدل على ذلك . وفى نفس الوقت الذي كان فيه الوفد يتجاهل جمعية مصر الفتاة تجاهلا تاما وبعد أن قررت أن تتصدى له، فإن محاولات كانت تجرى بينهما لتحسين العلاقات؛

فأحمد ماهر باشا على علاقة بمحمد صبيح الذي كان يعمل معه في جريدة “كوكب الشرق” الوفدية، وفى نفس الوقت كانت هناك اتصالات بينه وبين أحمد حسين، وقد أثنى أحمد ماهر على نشاط الجمعية وأبدى سروره لوجود جمعية متطرفة معادية للانجليز ووعد بمساعدتها وأنه سيبذل أقصى جهده للعمل على تحسين العلاقات بينها وبين الوفد.

ويذكر أحمد حسين:

” أنه منذ وصل النحاس باشا إلى الحكم قدرت أنه يجب أن يأخذ فرصته كاملة وقد استقبلنا حكومته استقبالا حسنا، وفكرت في مشروع اشغل به نفسي ولا يدخلني في اصطدام مباشر مع الحكومة؛

ففكرت في أن أقوم برحلة من أسوان مخترقا الصعيد سيرا على الأقدام وتطوع معي سبعة أو ثمانية مجاهدين.. وإذا بى أفاجأ بدعوة لمقابلة حسن باش رفعت وكيل الداخلية.. فنقل إلى رغبة النحاس باشا في ألا أقوم بالرحلة ، فإذا كان ولابد فعلى ألا لبس القميص الأخضر”

أصر أحمد حسين على أن يقوم بالرحلة رغم المخاوف التي بثها فيه حسن رفعت بأن حياته في خطر، فتوجه إلى لقاء كين بويد (مدير الإدارة الأوربية بوزارة الداخلية) وأبلغه بما حدث بينه وبين حسن رفعت فطمأنه كين بويد وأحسن استقباله وأكد له أن لا خوف على حياته، وظل يطمئن على أحواله طوال الرحلة رغم التعليمات من وزارة الداخلية للمديرين في الوجه القبلي بتضييق الخناق على الرحلة وعدم السمح لأفرادها بارتداء القميص الأخضر واستبداله بقمصان ” كاكية”.

وعلى الرغم من الحصار الذي فرضه النحاس باشا- وزير الداخلية- على الرحلة إلا أن أحمد حسين ارتاح لنتائجها ، خاصة حين قدم هارون باشا سليم أبو سحلى نائب فرشوط استجوابا في البرلمان جاء فيه ” هل أصدر وزير الداخلية أمرا بمنع سفر أعضاء مصر الفتاة في رحلة إلى الصعيد، ما داموا يلبسون القميص الخاص بهذه الجمعية؟ ..

وهل يعلم دولته أن رئيس الوزراء قد استعرض هو ووزير الزراعية شبانا يلبسون قمصانا زرقاء في سيدي جابر، وإنه أعلن رضاؤه عنهم وعن نظامهم؟ فإذا كان دولته يعلم ذلك فهل هناك نص في الدستور أو القانون يبيح لجماعة ما يحرمه على جماعة أخرى”.

رد النحاس باشا على الاستجواب بقوله أنه ثبت لوزارة الداخلية أن جماعة مصر الفتاة تعمل لحساب دولة أجنبية، وق جرت محاولات داخل المجلس من بعض النواب لاستجلاء الموضوع وحمل النحاس باشا على إلقاء مزيد من الضوء عليه، فوقف النائب فكرى أباظة يقول أنه نظرا لأن كثيرا من الشباب متصل بهذه الجمعية فإنه يرى تأجيل الاستجواب حتى تودع الحكومة وثائق الاتهام في المجلس ليطلع عليها الأعضاء ولو في جلسة سرية؛

فإذا تبين لهم أن هذه التهمة الخطيرة ثابتة، استطاعوا أن يحولوا دون خطر هذه الجمعية على البلاد، أما إذا كانت التقارير محل نظر استطاع النواب أن يناقشوا بالحجة والمنطق.

على أن النحاس باشا رفض رفضا باتا إيداع أية وثائق في مجلس النواب، قائلا أن الوزارة متثبتة مما قدم إليها من الأدلة ، وأن هذه المسائل تتعلق بسياسة الدولة العامة وهى من أسرار الدولة ولا يمكن أن تتقدم بها ولن تتقدم، لأن أسرار الدولة فوق كل اعتبار والوزارة مسئولة أمامكم، فإما أن تعطوها ثقتكم وإما أن تسحبوا منها هذه الثقة والرأى الأخير لكم.

استمرت المحاولات من جانب فكرى أباظة والنائب عبد المجيد إبراهيم صالح- الأحرار الدستوريين لإقناع النحاس باشا إيداع الوثائق بالمجلس، أو تقديم أعضاء هذه الجمعية إلى المحاكمة، ولكنه أصر على رفضه معلقا الأمر بثقة المجلس في الحكومة، وإزاء هذا الإصرار أدرك النواب أن لا جدوى من المناقشة فوافقوا على إنهائها. وبذلك ظل الاتهام معلقا فوق رأس مصر الفتاة. وإن لم يقدم النحاس باشا الدليل عليه.

كان رد فعل ذلك الاتهام لدى مصر الفتاة عنيفا، فقد بعث فتحي رضوان سكرتير عام الجمعية ببرقية إلى النائب العام نصها “اتهم دولة رئيس الوزراء جمعية مصر الفتاة اليوم في مجلس النواب بأنها تخدم دولة أجنبية وهذه تهمة الخيانة العظمى .. نطلب التحقيق معنا لتحديد المسئولية” هذا وقد اجتمع مجلس الجهاد وقرر إيفاد ثلاثة منهم ليقدموا أنفسهم للنيابة عن الجمعية.

فاعتذر النائب العام بأن الحكومة لم تكلفه بذلك، ومن ثم انهالت برقيات التأييد على جمعية مصر الفتاة من أعضائها بعد أن لم يقدم النحاس ما يثبت اتهامهم، ورفض النائب العام التحقيق معهم، ورأت الجمعية أن ترد على اتهام رئيس الحكومة بعقد اجتماع في مسرح” برنتانيا” ولكن ذوى القمصان الزرقاء هاجموا الاجتماع وعملوا على فضه ولكن القمصان الخضر أظهروا شجاعة فى الدفاع عن أنفسهم فاضطر البوليس إلى فض الاجتماع” .

كذلك أراد أحمد حسين أن يعقد اجتماعا يدعو فيه لفيفا من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب ورجال الصحافة ليقلى فيهم خطابا يدافع فيه عن نفسه وعن حركة مصر الفتاة، وأرسل بطاقات الدعوة إلى أكثر من مائة فرد من المدعوين الذين تم اختيارهم ولكن الحكومة لم تسمح بهذا الاجتماع وصادرته، ولذلك اضطرت مصر الفتاة إلى طبع الخطبة وتوزيعها ونشرتها مجلة الصرخة فكان ذلك آخر عهدها بالانتظام فى الصدور. كان ذلك إيذانا بازدياد معدل التوتر واضطراب العلاقات بين مصر الفتاة والوفد.

ولقد كانت النتيجة المباشرة لتصريح النحاس باشا باتهام مصر الفتاة بالعمالة هو اتساع دائرة الصدام القائم بين القمصان الزرقاء والخضراء، وبدأت الاضطرابات بينهما تزداد شدة خلال شهري يوليو وأغسطس في كثير من المدن المصرية، وكان أكثر هذه الحوادث خطورة ما وقع في نهاية شهر يونيو، حيث كانت تعليمات النحاس باشا تقضى وتحرض القمصان الزرقاء بالهجوم على اجتماعات القمصان الخضر، ويتحمل الوفد مسئولية هذه الاشتباكات في بداية الأمر.

وفى هذه الفترة بدأ كل من الجانبين يعمل على تسليح نفسه بالسكاكين والعصي الغليظة والحجارة والمقاليع، وأسفرت الصدامات عن انتصار القمصان الزرقاء لكثرتهم وانتشارهم في كل مكان، وفى منتصف يوليو أعلن مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة أنه لا يحمل ولا يمكن أية عداوة للقمصان الزرقاء ويناشدهم وضع حد لهذا العداء ولكن ذلك لم يتح لهم أن ينجوا من الاعتداء ، فأصدر أحمد حسين لأعضاء مصر الفتاة بألا يرتدوا أزياءهم الرسمية علانية في الشوارع كي يسود الهدوء البلاد.

وبالرغم من تعليمات أحمد حسين للمجاهدين من أعضاء جمعيته بألا يرتدوا الملابس الرسمية فإن ذلك لم يجعلهم يسلموا من الاعتداء أيضا، وانتشرت الحوادث في طول البلاد وعرضها، وكان أكثرها خطورة ما وقع فى دمنهور في شهر أغسطس عندما قتل أحد أصحاب القمصان الزرقاء، فقد جرت معارك دموية، وقد اتهم بقتله عبد الرحمن أبو الوفا عضو مصر الفتاة وقدم معه للمحاكمة سبعة من أعضاء الجمعية.

وكان ذلك الحادث هو الذي اقنع وزارة الوفد بفشل هذا الأسلوب في محاربة مصر الفتاة، فرأت أن تتدخل بقوة الدولة السافرة فأصدرت أوامرها بإغلاق دور مصر الفتاة في أنحاء البلاد،وكذلك زادت الحكومة في أجراءتها فمنعت جريدة الجمعية ” الصرخة” عن الصدور وفى ذلك الوقت قرر صاحبها أن يقطع علاقته بمصر الفتاة تماما.

وقد امتد نشاط الوفد للتضييق على مصر الفتاة ومهاجمتها إلى خارج مصر، فكان فصل مصطفى الوكيل من البعثة دليلا جديا على مدى فساد السياسة الحزبية التي مارسها الوفد.

كان مصطفى الوكيل يدرس لدرجة الدكتوراه في بعثة دراسية بلندن على نفقة وزارة المعارف ولما جاءت وزارة الوفد وتولت الحكم، كان من تصرفاتها للتضييق على مصر الفتاة وخنقها أن فصلت مصطفى الوكيل من البعثة لا لشيء إلا لأنه ينتسب لجمعية مصر الفتاة وعلاقته برئيسها أحمد حسين ، فلما كان وفد المفاوضات في لندن لتوقيع المعاهدة، التقى مصطفى الوكيل بمكرم عبيد وسأله عن سبب فصله من البعثة؛

فطلب إليه مكرم عبيد أن يقطع علاقته بمصر الفتاة وبأحمد حسين هو على استعداد أن يعيده إليها مرة أخرى ، ولكن مصطفى الوكيل رفض، وازداد إصرار على علاقته بمصر الفتاة، واستطاع أن يتم دراسته لدرجة الدكتوراه في الرياضة البحتة من جامعة لندن في عامين بدلا من ثلاثة وهى فترة البعثة وعاد إلى مصر في نوفمبر 1937.

وهكذا يتخذ الوفد من الخصومة السياسية تكأة لكل تصرفاته المشينة والوقوف في سبيل نابغة من نوابغ الشباب المصري في تلك الفترة فيحاربه في أعز شيء لديه وهو تهدي مستقبله، ولكن ثقته بنفسه جعلته ينجز دراسته في أقل من المدة المقدرة لها.

أخذ أحمد حسين عهدا على نفسه بألا يهاجم الوفد طالما المفاوضات بينه وبين الإنجليز جارية لعقد المعاهدة، وإن كان يعتقد مقدما بأن النحاس سوف يقضى عليه بعد توقيع المعاهدة لأنه سيسلم في حقوق مصر بما لم يقبل به محمد محمود باشا وصدقي وغيرهما من الوزراء المصريين، معللا ذلك بأن المفاوضين يتساهلون مع الإنجليز لإبقائهم في الحكم وقد بنى ذلك على امتداح الصحف الإنجليزية لهم، ولكنه يذكر أن الشباب المصري لهم بالمرصاد فإذا لم ترضه المعاهدة فسيقضى على القائمين بها.

بعد أن ساد جو نسبى من الحرية بعد توقيع المعاهدة حتى تتاح الفرصة كي يصدق عليها البرلمان، وبعد أن تم التصديق رأت الحكومة أن يدها مطلقة في الحكم تفعل ما تشاء، وخاصة بعد أن اطمأنت إلى تأييد الإنجليز لها بعد أن ظفروا منها بالمعاهدة التي روجت لها الحكومة فسمتها ” وثيقة الشرف والاستقلال” وكان الإنجليز أكثر لهفة على بقاء الوزارة فئ الحكم باعتبارها أقدر الحكومات على تطبيق المعاهدة.

وقد لاح في الأفق أن الحكومة تنوى البطش بمصر الفتاة، فأعلنت مصر الفتاة عن نيتها في عقد مؤتمر في نهاية عام 1936 لينظر في الموقف السياسي المترتب على إبرام المعاهدة، ولكن النحاس يصدر أمره بمنع الاجتماع فيشتد أحمد حسين في الهجوم عليه.

ويرسم لنفسه خطة مع “حلفاء” الأمس كي يعملوا جميعا على إسقاط وزارة النحاس بعد أن اشتدت في مخاصمتها لمصر الفتاة وسارت في الحكم سيرة الحكم المطلق، فارتكبت في ثلاثة أشهر ضد مصر الفتاة ما لم تتعرض له منذ نشأتها.

ولم يركن على ماهر إلى السكون والراحة بعد أن أخلى منصب الوزارة للوفد ولزعيمه ويقنع بكرسيه في مجلس الشيوخ، بل شرع يعد الخطط ويحكم التدابير لإزاحة وزارة الوفد، فقد تحول منزله إلى معسكر يعمل لتوجيه الضربات للوفديين فكان يستقبل كبار الموظفين وله فيهم بعض أصدقاء أو قل صنائع، فكانوا يمدونه بأسرار الحكومة ما جرى وما سيجرى، وكان بعض النواب من جميع الهيئات يتصلون به كذلك، وهكذا كان على ماهر باشا يعمل بالليل والنهار متعقبا الوفد.

ولما اشتد الوفد في هجومه على مصر الفتاة كان ولابد وأن تلتقي مع على ماهر في منتصف الطريق وأن تعمل إما بتوجيهاته ، أو بوحي من داخلها على صرع الوفد والاستماتة في إحراجه متعاونة مع كل القوى لإسقاط وزارته فقد ركزت جهودها في إحراجه العام التالي عام 1937 لتحقيق هذا الهدف.

شرع أحمد حسين و”حلفاؤه” الطبيعيون يدبرون الخطط لإقالة وزارة النحاس فقد تحولت جمعيته إلى حزب سياسي، وخاصة أن المعارضة التقليدية للوفد كانت تسانده وتؤيده للمضي في حركته لتقويض دعائم الوزارة .

وبناء على هذه الخطة شرع أحمد حسين يشتد في هجومه على وزارة الوفد ويطالب بإسقاطها فينشئ مقالا بعنوان “برنامجنا السريع إسقاط وزارة صاحب المقام الرفيع” ولكنه يتدارك في نهاية المقال فيعلن أنه سوف يرجئ هذا الأمر حتى يتولى جلالة الملك سلطاته الدستورية؛

ولقد كان ذلك المقال سببا في اتخاذ الحكومة إجراءات ضده فألقى القبض عليه وقدم إلى المحاكمة، وأودع سجن الاستئناف ولكن حاجة الحزب إليه اقتضت دفع الكفالة التي حكم عليه بها وخروجه من السجن. خرج أحمد حسين ليوجه الحملة ضد الوزارة حتى يحقق هدفه وهدف حلفائه من ورائها.

وعندما قرر أحمد حسين تأجيل المطالبة بإقالة الوزارة، اهتم بمسائل أخرى كانت تحرج موقفها أمام البرلمان، فلما كان أحمد حسين ينتهج موقف الدفاع عن الإسلام بإزاء ما يتهدده من أخطار فقد اتهم- القمصان الزرقاء بالإلحاد وصف الحكومة الوفدية بأنه قبطية النزعة، خاصة وأن كل من مكرم عبيد وواصف بطرس غالى قد اسند إليهما وزارتا المالية والخارجية، ولم يكن ذلك الموقف شيئا جديدا فإن الأحرار الدستوريين وصفوا الوفد منذ عام 1929 بأنه حزب يمثل الأقباط المتعصبين.

ومن هذا المنطلق سعى أحمد حسين لإثارة هذا الموضوع فيتقدم عبد العزيز الصوفانى بسؤال في مجلس النواب عن بعض الوظائف التي تقلدها موظفون من الأقباط وكذلك يتقدم عبد الحميد بك سعيد وكلاهما من رجال الحزب الوطني بسؤال آخر حول نفس الموضوع لوزير المعارف ، كما أن السيدة نبوية موسى كانت تقوم بإحصاء الإعانات الحكومية التي منحت للمدارس الحرة “القبطية” منذ أن تولت وزارة الوفد الحكم وقررت أن هذه المبالغ زيادة عن المألوف . وعلى ذلك تهتم مصر الفتاة بإحراج موقف الوزارة أمام البرلمان رغم الأغلبية التي تؤيدها.

وفى نفس الوقت برزت إلى الوجود مسألة الامتيازات الأجنبية وهى المجال الآخر الذي ستنازل فيه مصر الفتاة الوفد وتعمل على مهاجمته ، ففي يناير من عام 1937 دعت حكومة الوفد الدول صاحبة الامتيازات إلى الاشتراك في مؤتمر يعقد في مدينة ” مونترو” بسويسرا يوم 12 أبريل من نفس العام وذلك للمفاوضة في إلغاء هذه الامتيازات، وقد استجابت تلك الدول لهذه الدعوة.

ومنذ أن أعلنت الحكومة عن نيتها في عقد المؤتمر شرعت مصر الفتاة تعد العدة لعقد مؤتمرات في الجامعة والجامع الأزهر طالبت فيها بإلغاء الامتيازات بحرة قلم من جانب الحكومة المصرية، وأن تلغى المحاكم المختلطة بعد إنذار الدول بعام واحد. ومصر الفتاة تضع نتائج مسبقة للمؤتمر وترفض ما عدا ذلك.

وبعد أن تواترت أخبار المؤتمر في مصر وموقف الوفد المصري ومشروع الاتفاق الذي قدمه للمؤتمر ، هاجمت مصر الفتاة المشروع واشتدت في الهجوم على شخص النحاس باشا متهمة إياه بالتهاون في حقوق مصر كما ترى مصر الفتاة فقد كانت ترى أن يعلن النحاس باشا في المؤتمر أن الحكومة المصرية قد قررت ابتداء من يناير 1939أن تلغى المحاكم المختلطة.

وأعلنت رفضها البات للمطالب التي تقدمت بها الحكومة المصرية، ووجهت نداء للمصريين تشرح لهم فيه حقهم الكامل في إلغاء الامتيازات والمحاكم المختلطة، وأن كل تفريط في هذه الحقوق وإعطاء الأجانب ضمانات خاصة وتنظيم ما يسمونه بفترة الانتقال هو عدوان جديد على سيادتهم واستقلالهم وشرعت تهاجم مشروع الاتفاق بنشر الآراء المختلفة حوله، ومنه أن نشرت أن محمد محمود باشا اعتبر أن ما وصل إليه المؤتمرون لا يرضى مصريا واحدا.

وكذلك انشأ عباس العقاد وكان قد خرج على الوفد- مقالا بعنوان “أقل النتائج في أحسن الظروف” هاجم فيه ماوصل إليه المؤتمر واعتبره أقل بكثير مما كان يمكن الحصول عليه.

ولم يكتف حزب مصر الفتاة بذلك بل اصدر بيانا طويلا حدد فيه موقفه من اتفاقيات مونترو، فأعلن في ختامه” أنه لا يرضى بإلغاء المحاكم المختلطة بديلا وأن يكون إلغاؤها ناجزا وشاملا كاملا. ولذلك فهو لا يعترف باتفاقيات موترو حتى ولو وافق عليها البرلمان.

وعلى الرغم من أن مصر الفتاة قد بذلت الكثير في الهجوم على اتفاقيات مونترو إلا أنها كانت خطوة مرحلية للخلاص من الامتيازات وما ينتج عنها وهى بلا شك خطوة إلى الأمام فقد حققت بها مصر رسميا سيادتها على الأجانب في التشريع والإدارة والقضاء.

كانت تلك الكتابات التي نشرتها مصر الفتاة قبل سفر الوفد إلى المؤتمر ومهاجمتها ما سوف يصل إليه المؤتمر مقدما مثار تحقيق ومساءلة من جانب النيابة لكل من أحمد حسين ومحمد صبيح على اعتبار أنه رئيس تحرير جريدة “الثغر” والمسئول عما ينشر فيها فقد تم القبض عليهما، وأودعا سجن الاستئناف لمدة 14 يونيه على ذمة التحقيق.

وفى ذلك الوقت كثرت القضايا التي قدم فيها أعضاء مصر الفتاة ورئيسها للمحاكمة حتى أن هذا العهد يمكن أن نسميه عهد القضايا والمحاكمات، فبلغ عدد القضايا المنظورة أما القضاء في شهر أبريل ست قضايا وقد طلب أحمد حسين ضمها جميعا أما دائرة قضائية واحدة .

وكانت في جملتها قضايا نشر صحيفة اشتداد الجانبين في معاملة الآخر، والذي أدى إلى حدوث الكثير من الصدامات التي انتشرت طول البلاد وعرضها والتي تمثلت في اعتداءات القمصان الزرقاء على قمصان مصر الفتاة.

هذا فضلا عن تعرض منازل أعضاء مصر الفتاة للتفتيش وإلقاء القبض على بعض أعضائها في عرض الطريق. ومحاولات من جانب القلم السياسي استخدام عملاء له من بين الأعضاء.

استمر الموقف هكذا بين الطرفين، فلم تكف مصر الفتاة عن تحريض الطلبة من أعضائها وأنصارها على إثارة الشغب والإضراب والإخلال بالأمن العام . كذلك رسم حزب مصر الفتاة خطة لإحراج موقف الوزارة وذلك باستئناف رحلة الصعيد وإثارة الفلاحين والعمال ضدها.

واستمر الحزب في ذلك المخطط فلما لجأت الحكومة إلى مصادرة اجتماعاتهم وجريدتهم، عقد أعضاؤه المتحمسين النية على أن يتحول حزبهم إلى جمعي سرية تحارب الحكومة وتوزع المنشورات بكل الوسائل لإثارة جميع الطبقات من العمال والطلبة والفلاحين والموظفين ضد الحكومة، ومحاولة كسبهم إلى صفه في مواجهة أعمال العنف التي تتخذها الحكومة وقمصانها الزرقاء حياله ، كما أن الحزب يرى أن حلفاءه وأصدقاءه سيؤيدونه تماما بكل الأساليب في تنفيذ خطته ضد الوزارة وأنهم سوف يمدونه بكل مساعدة ممكنة.

تعددت أساليب ذلك المخطط الذي رسمته مصر الفتاة بالتعاون مع حلفائها لإسقاط الوزارة، فإلى جانب نشر المقالات التي تحوى هجوما عنيفا على الوزارة والتنديد بها وبتصرفاتها ، فقد سعت أيضا إلى العمل على بث الفرقة بين صفوف الوفديين خاصة بعد إخراج النقراشي من الوزارة عند إعادة تأليفها بعد تولية الملك سلطاته الدستورية ، فكان ذلك الانقسام في صفوف الوفد فرصة سانحة لمصر الفتاة استغلتها أحسن استغلال لمهاجمة الوزارة الوفدية.

فقد عمدت إلى إظهار ذلك الانقسام وتوسيع مداه. هذا فضلا عن إثارة الطلاب ضدها بإحداث الاضطرابات داخل المدارس والجامعة عند بدء الدراسة بها.

وتتابع مصر الفتاة تنفيذ مخططها فتتقدم بالتماس في شهر أغسطس إلى الملك بطرد الوزارة. وفى شهر سبتمبر يطرح الحزب استفتاء على صفحات جريدة “الثغر” حول الوزارة القادمة التي ستحل محل وزارة الوفد، وفى شهر أكتوبر تتوجه بنداء إلى زعماء البلاد جميعا أن يشتركوا في ائتلاف لإنقاذ البلاد.

ويكرر أحمد حسين محاولة اللجوء إلى القصر طالبا إقالة الوزارة، فليس أدل على فساد حكمها وتصرفاتها في استقالة أحد أعضائها محمود غالب باشا وزير الحقانية احتجاجا على تصرفات الحكومة في الشئون المالية.

وتحاول مصر الفتاة أن توسع نطاق المعارضة فتطلب من أعضائها في مختلف البلدان ضرورة التوجه بعرائض إلى الملك بطلب إقالة الوزارة . فتتوالى العرائض على القصر تحمل مئات التوقيعات من مختلف لجان مصر الفتاة بالأقاليم.

ولم يقتصر تقديم العرائض على داخل البلاد بل لجأ أحمد حسين إلى أسلوب لآخر، فأرسل نسخا من العريضة التي أعدها ضد الوزارة إلى الجمعيات المصرية في كل من فرنسا وسويسرا وانجلترا كي يوقعها أعضاء تلك الجمعيات ويرسلوها إلى الملك، كذلك أرسل أحد علماء الأزهر نسخا منها إلى أعضاء البعثات الأزهرية في الخارج.

وعندما عين على ماهر في منصب رئيس الديوان دون علم الوزارة، كان ذلك بداية الصدام بينها وبين القصر وإن كانت قد سلمت بالأمر الواقع. وقد كان خضوعها للأمر الواقع بداية التفريط في الدستور وحق الشعب بعد عقد المعاهدة فكان يجب أن تقف الموقف الحازم الذي يصون للوطن حقوقه ويزود عنه سلطان القصر.

مصر الفتاة والمسألة الوطنية

 

مصر الفتاة والإنجليز.

مصر الفتاة وإيطاليا.

مصر الفتاة وألمانيا.

مصر الفتاة وقضايا الدول العربية.

عندما ظهرت جمعية مصر الفتاة إلى الوجود رأى أحمد حسين رئيسها أن يتجه نشاطها اتجاها إصلاحيا في مختلف شئون الحياة بعيدا عن التعرض للاحتلال القائم.

وإنما رأى البعض الآخر أن معالجة هذه الشئون دون التعرض للاحتلال سبب الاختلال القائم في مختلف النواحي يعد عملا جانب الصواب إلى حد كبير، وإن كان برنامجها في عام 1933 قد نص على ضرورة وضع الأجانب في مركزهم الطبيعي ضيوفا على مصر وليسوا أصحابها وذلك يكون بإلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة.

كان ذلك تطبيقا لرأى أحمد حسين في معالجة الشئون الداخلية أما البرنامج فلم يتعرض للاحتلال صراحة ولا للوسائل الموصلة للخلاص منه.

وعندما لقي رأى أحمد حسين في كفاح مصر الفتاة معارضة من بعض زملائه، جعله ذلك يتحول إلى التصدي للاحتلال والتنديد به، ومن ثم شنت مصر الفتاة هجوما عنيفا على الأجانب عامة وعلى الإنجليز خاصة لأنها ترى أنهم هم سبب التأخر الواضح الذي تعانى منه البلاد، كما أنهم عقبة في سبيل الإصلاح الذي تنشده.

فكان أن تركز نشاطها في البداية في العمل على إزالة ما أسمته “الضربات العشر” التي تعيش تحت وطأة البلاد وهى ” الأراضي المصرية مرهونة للأجانب، رؤوس الأموال المصرية جلها ملك الأجانب، البرلمان المصري قاصر عن التشريع للأجانب، القضاء المصري قاصر عن الحكم على الأجانب، البوليس المصري قاصر عن إيقاف المجرمين الأجانب، الحكومة المصرية قاصرة عن فرض ضريبة على الأجانب ، تجارة السموم في مصر يروجها الأجانب، وأن الشعب المصري لا يحترمه الأجانب” ورأت مصر الفتاة أن ذلك يهدم السيادة القومية، ويسد عليها طريق الإصلاح ويؤخرها عن بلوغ المجد.

تركز كفاح مصر الفتاة في البداية للخلاص من هذه الحالة بالعمل على إزالة تلك الضربات ، فكان ينم عن كراهية شديدة من جانبها للأجانب، فهل كان ذلك هو حقيقة موقفها منهم؟ حقيقة أن كفاح مصر الفتاة اتسم بالعداء الشديد للأجانب ومقاطعة كل ما هو أجنبي؛

فقد نصت المبادئ العشرة التي اعتبرتها مصر الفتاة دستورها، فكان أحدها ينص على لا تشتر إلا من مصري، ولا تلبس إلا ما صنع في مصر، ولا تأكل إلا طعاما مصريا (المبدأ الثاني) كذلك احتقر كل ما هو أجنبي بكل نفسك وتعصب لقوميتك حتى الجنون. (المبدأ السابع) وهكذا يتضح موقف مصر الفتاة من الأجانب في أول عهدها.

وتحسم مصر الفتاة هذا الموضوع فتوضح أنه تحتقر الأجانب وتحرم على الوطنيين من أبنائها التعامل معهم مباشرة أو عن طريق مصنوعاتهم.

وعندما اشتد الإنجليز في معاملة مصر الفتاة كرد فعل لموقفها من الأجانب يضع أحمد حسين النقاط على الحروف فيكتب مقالا بعنوان” هل نحن نكره الإنجليز والأجانب ونكره كل تعاون معهم ” فيؤكد أنهم لا يكرهون أحدا، فهم يكرهون الإنجليز ولكنهم خصوم لسياستهم التي ترمى إلى إذلال مصر وتجريدها من حريتها واستقلالها وأمام ذلك فلا مناص لهم من الكفاح ضد هذه السياسة.

ثم يحدد أحمد حسين الموقف من الأجانب بدرجة أكبر، وخاصة بعد أن اشتهر لدى مختلف القوى كره مصر الفتاة للأجانب فقال: يجب أن يعرف الأجانب بأننا لا نرض لهم بأي امتياز في هذه البلاد يجعلهم في وضع يختلف عن المصريين .

ولعل في هذا إشارة إلى المدخل الذي دلفت منه مصر الفتاة في معاداة الأجانب وهجومها الحاد عليهم في مسألتي الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة.

بذلت مصر الفتاة جهودا كبيرة في محاربة الامتيازات الأجنبية، فقد تركز هجومها عليها وعلى الآثار التي فرضتها على المجتمع المصري . فطالبت بأتن تقوم مصر بإلغائها من جانبها.

كذلك فقد أفردت جريدتها الصفحات لنشر أبحاث عن الامتيازات وبداية تطبيقها، قائلة أنه كما سن قانون أو معاهدة لقيامها فإنه يمكن أن يلغى هذا القانون في وقت آخر.

وفى هذا المجال خطت مصر الفتاة خطوات أبعد من ذلك، فأرسل أحمد حسين خطابا إلى وزير اليونان المفوض طالبه فيه بضرورة إلغاء الامتيازات، فأبدى الوزير استعداد بلاده إذا تحركت الحكومة المصرية في هذا السبيل .

كما قامت بحملة واسعة النطاق للدعاية ضد الامتيازات وضرورة إلغائها. وتوجت جملتها هذه بالتوجه إلى الملك بعريضة طالبت فيها بالعمل على إلغاء الامتيازات والمحاكم المختلطة موضحة أنهما قد صارا عبئا ثقيلا على حياة البلاد الاقتصادية والاجتماعية.

وفى حقيقة الأمر، فإن الامتيازات الأجنبية قد تعرضت لهجوم من جانب مصر الفتاة إلى الحد الذي طالبت فيه بتنظيم مظاهرة في يوم 2 مايو 1934 وذلك لإعلان السخط عليها، ولكن الحكومة حالت دون قيام المظاهرة وصادرت عددا من مجلة “الصرخة” خصصته مصر الفتاة لهذا الغرض. وقد ظل موقفها من الامتيازات إلى أن كان موقفها من مؤتمر “مونترو” الذي نظر في مسألة الامتيازات وقرر إلغائها، كما رأينا من قبل.

اتخذت مصر الفتاة من مسألتي الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة مدخلا لتوضح منه موقفها المعادى للأجانب عامة كي تصل إلى ما تريده في مهاجمة الإنجليز المحتلين للبلاد، فدعت إلى الثورة عليهم لإخراجهم من البلاد بالقوة وأخذت تندد بهم وبتدخلهم في شئون البلاد الداخلية وتغلغلهم في كل مصالح الحكومة موضحة أن الإنجليز يحطمون استقلال البلاد؛

وأضافت أن الإنجليز يسيطرون على كل شيء “اسفنكس باشا” يتولى منصب مفتش عام الجيش المصري ، و”رسل باشا” حكمدار بوليس العاصمة ، و”كين بويد” مدير الإدارة الأوربية بوزارة الداخلية و”أبلت” حكمدار بوليس القناة ، و”بيكر” مساعد حكمدار العاصمة.

وكرد فعل من جانب الإنجليز لهذا الهجوم أن أدخل أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود السجن لأول مرة (1933) وكنتيجة لذلك فقد اشتدت مصر الفتاة في موقفها، فكتب حافظ محمود مقالا صرح فيه بأن الإنجليز هم الأعداء الحقيقيين لمصر وعلى المصريين أن يتحدوا في مواجهتهم.

وهكذا وحدت مصر الفتاة دون أن تدرى بين جهود الإنجليز خاصة والأجانب عامة لمحاربتها والعمل على إسكات صوتها. ويتوج أحمد حسين جهوده في هذا المجال فيرسل خطابا إلى رئيس وزراء انجلترا باسم مصر الفتاة طالبه فيه بأن يستمع إلى صوت الجيل الجديد من الشباب الذي تمثله مصر الفتاة وأن يستجيب لما يطالبون به، وهو عودة السودان لمصر كاملا، وكما أنهم يريدون استقلال بلادهم كاملا أيضا، وفى حالة رفض الاستجابة لمطالبهم فإنهم سيجاهدون للوصول إلى تلك المطالب.

وعلى الرغم من التشدد الواضح من جانب مصر الفتاة في الهجوم على الإنجليز، فإنهم وإن كانوا قد أشاروا على السلطات المصرية باتخاذ بعض الإجراءات ضد زعمائها، إلا أن انجلترا وقفوا موقف عدم الاكتراث واللامبالاة لما تقوم به مصر الفتاة استهانة بشأنها.

فعندما توجهت مصر الفتاة بخطاب إلى المندوب السامي البريطاني ذكرت فيه أن كل ما تعانى منه مصر من ويلات إنما كان مرتبطا بمؤامرة محكمة للنفوذ البريطاني في مصر، وطالبت انجلترا بالنظر في مسائل الامتيازات وفصل واحة جغبوب والسودان عن مصر؛

كما أشار الخطاب إلى مهزلة الدستور والبرلمان في مصر، ورغم شدة اللهجة التي جاء بها الخطاب فإن تعليق الخارجية البريطانية على ذلك بأن مصر الفتاة لا تمثل تحديا خطيرا للوفد في ذلك الوقت. فمن باب أولى أنها لا تمثل تحديا أو خطرا عليهم في مصر.

ومن ثم سادت فكرة لدى الأجانب المقيمين بمصر عامة والإنجليز خاصة أن مصر الفتاة معادية للأجانب على طول الخط، وقد كان موقف مصر الفتاة من الحرب الايطالية الحبشية ومن معركة إعادة الحياة النيابية للبلاد في ظل دستور 1923 تعبيرا صادقا عن موقفها المعادى للانجليز.

فقد نبهت مصر الفتاة إلى خطر الحرب المتوقع نشوبها بين الإنجليز والايطاليين في أعقاب الهجوم الايطالي على الحبشة، فهاجمت وزارة نسيم لاتفاقها مع ” مايلز لامبسون” للوقوف إلى جانب انجلترا في ذلك النزاع.

وقد أعلنت مصر الفتاة أن الموقف الطبيعي لمصر تجاه الحرب المنتظرة إنما هو موقف الحياد الدقيق وذلك اتقاء لويلات الحرب ونفقاتها.

وكذلك عقد مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة اجتماعا اتخذ فيه قرارات في هذا الشأن منها ” ضرورة وقوف مصر على الحياد من النزاع الحاضر بين إيطاليا والحبشة، وامتناعها عن تقديم كل ما يشتم منه المساعدة للسياسة الإنجليزية”

كذلك تقدمت مصر الفتاة برسالة إلى الملك فؤاد حول هذا المعنى فأكدت من جديد أن موقف مصر الطبيعي في ذلك الصراع هو أن تقف على الحياد، كما أوضحت الرسالة مدى عداوتها لانجلترا بقولها ” وعلينا أن نقاوم أية رغبة لانجلترا في الزج بنا لخدمة مصالحها والدفاع عن خططها”.

وفى الوقت الذي وقف فيه الشعور الوطني المصري مساندا قضية الأحباش اتخذ أحمد حسين موقفا معارضا فأعلن أن هؤلاء الذين يريدون الدفاع عن الحبشة أن يدافعوا عن مصر .

وقد بدت دعوته في ذلك الوقت دعوة غريبة شاذة وأن أخذ الرأي العام يهجس بأنها دعوة مدسوسة وأن للايطاليين فيها دخلا. ولعل هذا الموقف من جانب مصر الفتاة يوضح مدى عداوتها للانجليز.

وعندما لم تسارع وزارة توفيق نسيم بإعادة دستور 1923، شنت مصر الفتاة هجوما على الوزارة وطالبت بإسقاطها ، كما شنت هجوما على الإنجليز وطالبت الوزارة قائلة “أعيدوا الدستور لأنه حق لنا سواء رضيت انجلترا أو لم ترض ولا تخافوا من عدم رضائها” وفى الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا عن رفضها لعودة دستور 1923 أو دستور 1930 ” ما دام قيد أنه غير صالح والثاني لا ينطبق على رغبات الأمة”

وفى نفس الوقت اشتدت مصر الفتاة في الهجوم على الإنجليز لموقفهم المتعنت من عودة الحياة النيابية إلى البلاد فوجهت نداء للمصريين جميعا بالكفاح من أجل عودة الدستور والحياة النيابية.

وإزاء ما أحست به مصر الفتاة من خطر يهدد استقلال البلاد، توجهت بدعوة إلى الأحزاب السياسية للاتحاد والتعاون لمواجهة ذلك الخطر ولمجابهة الإنجليز.

وبلا شك فإن تصريح صمويل هور في 9 نوفمبر 1935 كان له ردود فعل كبيرة لدى المصريين جميعا، فقد سحب الوفد تأييده لوزارة نسيم، كما هاجم السياسة البريطانية لتدخلها في شئون مصر الداخلية.

أما مصر الفتاة فقد كانت تخطط لإقامة اجتماع كبير للاحتفال بعيد الجهاد 13 نوفمبر،وفى ذلك اليوم بدأ الصدام بين المتظاهرين من الطلبة وبين البوليس ولكن مصر الفتاة لا تشارك الطلبة مظاهراتهم كما يذهب أحد المؤرخين المعاصرين وإنما كان شغلها الشاغل هو حراسة مكان الاجتماع المزمع عقده.

وعندما اشتدت المظاهرات في اليوم التالي لم تشارك فيها مصر الفتاة أيضا، وقد اعترفت قيادة الجمعية بذلك معلنة أن دورها في تحريك لجماهير لا يقل أهمية عن المشاركة الفعلية.

ولكن مما يجعلنا نشك في هذه الرواية أنه في أثناء المظاهرات والصدام مع البوليس تردد الشعار المميز لمصر الفتاة وهو “مصر فوق الجميع” ولعل ذلك يشير إلى اشتراكها في المظاهرات. ويمكن القول بأن مصر الفتاة قد اشتركت في المظاهرات كأفراد وإن لم تشارك كجماعة سياسية منظمة.

ومما يدل على اشتراك مصر الفتاة في حوادث الطلبة عام 1935، أن إبراهيم شكري أحد أعضائها كان من بين المصابين برصاص البوليس، وقد نقل جنبا إلى جنب مع الشهيد محمد عبد المجيد مرسى إلى مستشفى قصر العيني حيث أجريت له عدة عمليات جراحية انقدت حياته.

وكما أصاب رصاص البوليس عددا من الطلبة الآخرين منهم محمد عبد الحكم الجراحي. وقد كتب الجراحي بدائه خطابا باللغة الإنجليزية بتاريخ 16 نوفمبر 1935 إلى رئيس وزراء انجلترا بعد إصابته ورد فيه ذكر شعار مصر الفتاة “مصر فوق الجميع” ولعله كان من بين أعضائها في ذلك الوقت ولكنه استشهد بعد إصابته بأيام قلائل.

وفى حقيقة الأمر ، فإن اشتراك مصر الفتاة في “ثورة” 1935 قد دلت عليه معظم القرائن هذا فضلا عن أن شعور المصريين جميعا والشباب خاصة كان متأثرا بموقف انجلترا من دستورهم، فلا أقل من أن تشارك مصر الفتاة ها الشعور.

ولكن واقع الأحداث التالية يؤكد أن مصر الفتاة في شخص رئيسها وسكرتيرها العام يتركان المجال في مصر وفى ظل ظروف “الثورة” القائمة ضد الإنجليز من أجل عودة الدستور والتي ازدادت اشتغالا بعد تصريح هور الثاني في 5 ديسمبر 1936 الذي أكد عناد بريطانيا وعدم موافقتها على إعادة الدستور.

وقد أدى ذلك الموقف لتأليف الجبهة الوطنية التي طالبت الملك بإعادة دستور 1923 ، وطالبت الإنجليز بالعودة إلى المفاوضات لوضع معاهدة تحدد العلاقات بين الطرفين.

في وسط تلك الظروف التي تعيشها البلاد سافر أحمد حسين وفتحي رضوان إلى أوربا بهدف الدعاية للقضية المصرية كما أعلنا في ذلك الوقت- كما طرحا اكتتابا لتغطية نفقات الرحلة أسفر عن جمع مبلغ 200 جنيه دفع الجزء ألكبر منه على ماهر وصدقي ومحمد محمود وعلوبة.

غادر وفد مصر الفتاة المسافر إلى أوربا محطة القاهرة في يوم 4 ديسمبر وكان في وداعه علوبة وعبد القادر حمزة، وقد أعلن أحمد حسين في المحتشدين في المحطة أنه مسافر للدفاع عن القضية المصرية.

ثم سافر الوفد من الإسكندرية في يوم 5 ديسمبر على الباخرة “النيل” إلى مرسيليا ومنها إلى باريس . وفى باريس وصلت الأنباء عن تأليف الجبهة الوطنية وعودة الدستور فكان ذلك مشجعا لهما على حد تعبير أحمد حسين فواصلا الرحلة إلى لندن. وكان يشغلهما في ذلك الوقت أن يلتقيا بزميلهما مصطفى الوكيل هناك لينضم إليهما ويشاركهما نشاطهما.

بدأ وفد مصر الفتاة نشاطه بلندن فضم إليه مصطفى الوكيل، كما اتصل ببعض المقيمين هناك ومنهم بعض المتصلين بمكتب الصحافة المصري هناك، فقد وثق الوفد علاقته بهم، وذلك لأنهم يهدفون القيام بنشر الدعاية للقضية الوطنية هناك، فكان من ذلك أن طلبوا عقد لقاءات مع بعض رؤساء تحرير الصحف، كما اتصلوا بحزب العمال، كما كانوا على اتصال وثيق بالنادي الملكي المصري هناك.

كما أعد الوفد مذكرة وزعت في انجلترا ضمنها المطالب الآتية:

أولا: قيام تعاون حر وتحالف شريف بين مصر وانجلترا .

ثانيا: استقلال مصر التام وسيادتها الكاملة.

ثالثا: إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة.

رابعا: إلغاء إدارة الأمن العام الأوربية.

خامسا: حق مصر في تقوية دفاعها طبق حاجاتها الضرورية وجعل التجنيد إجباريا.

سادسا: الاعتراف بحقوق مصر كاملة في السودان.

وقد أعلن الوفد أن هذه هي مطالب مصر لاستكمال استقلالها وأنه إنما جاء ليطالب بها لمصلحة مصر وانجلترا.

وبالإضافة إلى ذلك النشاط فقد قام الوفد بالاتصال ببعض الشخصيات البريطانية بلندن وبالصحف وإقامة الاجتماعات العامة لشرح القضية المصرية، فيوضح أحمد حسين هذا النشاط بقوله

” تلقت بالأمس رسالة من مصري اسمه محمد يحيى يحدثني عن رغبته في تعريفي لمنجتون يدعوني فيه لمقابلة في 9 يناير 1936، بعثت بعدة خطابات للصحف السياسية في طلب تحديد موعد لمقابلات؛

بعثت بخطاب لوزير الخارجية أطلب عقد مقابلة لأحدثه عن مصر، بعثت بخطاب للمستر لانسبورى والمستر دالتون أطلب تحديد مواعيد للمقابلة، انتهينا من إعداد مذكرة صغيرة عن مصر الفتاة لتقدم إلى ” وليم كنت” صاحب مجلة انجلترا والشرق ، جاءني محمد يحيى اليوم ليرتب لنا اجتماعا مع طلبة جامعة لندن من الإنجليز”.

ومن بين الأنشطة التي قام بها الوفد هناك أيضا، أنه عقد اجتماعا للمصريين المقيمين هناك، خطب فيه أحمد حسين خطابا ضمنه مطالب مصر التي ذكرناها من قبل وأبرق بها إلى الحكومة البريطانية.

كما حدثت مراسلات بين فتحي رضوان وبين مستر فنربركواى سكرتير حزب العمال المستقل الذي أوضح لفتحي رضوان أن مستقبل العلاقات بين مصر وانجلترا ربما حقق تقدما ملحوظا عندما يتولى حزب العمال الحكم في انجلترا .

كم ألقى أحمد حسين خطابا في مؤتمر الطلبة الاشتراكيين البريطانيين بجامعة “كرديف” أصدر المؤتمر في نهايته قرارات منها أن المؤتمر يؤكد تأييده المطلق لكفاح الطلاب المصريين من أجل الدستور وحقهم في الاستقلال والانضمام إلى عصبة الأمم، وأنه يبدى استنكاره الشديد للأساليب التي يتبعها بعض الإنجليز بمصر فى قمع المظاهرات ، وأن حزب العمال يؤيد بكل قوة كفاح المصريين. وقد وافق المجتمعون على هذه القرارات بالإجماع.

ومهما يكن النشاط الذي قام به وفد مصر الفتاة في لندن، فقد حقق بعض النجاح إلى حد كبير في الدعاية للقضية الوطنية وشرحها أمام بعض قطاعات الرأي العام البريطاني، ولكن أحمد حسين رأى أن ينقل نشاطه في الدعاية للقضية المصرية إلى المحافل الدولية، فيسافر من لندن إلى جنيف ويعود فتحي رضوان إلى مصر

حيث يقوم هناك بنشاط كبير، فيتقدم في 30 يناير 1936 بمذكرة طويلة إلى السكرتير العام للعصبة وفى مناسبة انعقاد مجلسها للنظر في المشكلة الايطالية الحبشية. وقد اعد الدكتور وحيد رأفت له هذه المذكرة قبل سفره إلى أوربا، وقام بترجمتها إلى اللغة الفرنسية زكى على الذي كان مقيما بجنيف في ذلك الوقت، كما اتصل هناك بعلي الغاياتى صاحب جريدة منبر الشرق والذي عرفه بكثير من المصريين المقيمين هناك.

استهل أحمد حسين خطابه إلى سكرتير عام العصبة بقوله:

” لي لشرف أن أوجه لك رفق هذا مذكرة عن المسألة المصرية باسم جماعة مصر الفتاة بالقاهرة والتي تمثل الشبيبة المصرية التي بذل الكثير منها دماءهم فداء لوطنهم وسقطوا ضحية القمع البريطاني، وتتمنى كل الأمة المصرية أن تصبح في التو عضوا في عصبة الأمم، وأن تدعى عن طريقها لشغل مكانها الذي يخوله لها حقها”.

وعلى العموم فإن الهدف من الرحلة قد حقق نجاحا في نشر الدعاية للقضية المصرية في أوربا، ويذكر أحد المؤرخين أن الرحلة كان لها هدف آخر وهو تأسيس لجان دائمة للطلبة المصريين للدعاية للقضية المصرية في أوربا، ولكن الرحلة لم تنجح في تحقيق هذا الهدف.

فإن واقع الأحداث لم يهيئ لها ذلك، هذا فضلا عن أن لجنة الطلبة المصريين في باريس أعلنت أنه ليس لها علاقة بوفد مصر الفتاة، وإنما هي تقوم بالدعاية للقضية المصرية تحت راية الوفد المصري، وفى جنيف أعلنت لجنة الطلبة المصريين أنه ليس لها أي اتصال بوفد مصر الفتاة أيضا.

وهكذا فقد قوبل وفد مصر الفتاة إلى أوربا بالإعراض التام عن التعامل معه من معظم الطلبة المصريين في أوربا. وعلى الرغم من ذلك فإن الرحلة لم تكن عديمة القيمة لمصر الفتاة ولكنها هيأت لها فرصة الشهرة الواسعة عن طريق الصحافة المصرية وغيرها، ونبهت الرأي العام الخارجي لأول مرة إلى الجمعية وخاصة من خلال نشاط وفدها في لندن.

أما فتحي رضوان وهو أحد قطبي الرحلة فيذك الآن أن الهدف من الرحلة أن أحمد حسين كان يرى أن مصر الفتاة في حاجة إلى دعاية لنفسها في الداخل وأن رحلة لنا مصر الفتاة في الخارج قد تظهرنا في ثوب الدعاة للقضية المصرية، وإننا نفعل ما لا تفعله الأحزاب الأخرى، ونسقط على أنفسنا ثوب مصطفى كامل . ولعل ما ذكره فتحي رضوان هو حقيقة الهدف من الرحلة.

عقدت جمعية مصر الفتاة عدة اجتماعات كبيرة في القاهرة بعد عودة وفدها، فعقد فتحي رضوان اجتماعا في 5 فبراير 1936 ، قرر فيه أن على مصر ألا تدخل في صدام مع انجلترا الآن ما لم تكن قادرة على تكوين جيش قوى يتولى مهمة الدفاع عنها، كما طالب بنشر الروح العسكرية بين المواطنين لإكراه بريطانيا على تحقيق أماني المصريين القومية، كما ردد أحمد حسين في الاجتماعات التحى عقدها بعد عودته نغمة العداء لبريطانيا، مؤكدا أن القوة هي الطريق الوحيد لتحقيق الاستقلال لمصر.

وإزاء هذا الموقف من جانبه طالبه على ماهر رئيس الوزراء في ذلك الوقت بأن يمسك عن الدعاية ضد انجلترا حتى لا تؤثر على المفاوضات المقبلة مع بريطانيا فوافق على طلبه ولكنه لم يلتزم بذلك تماما، فأعلن في حالة فشل المفاوضات فإن جمعية مصر الفتاة يجب أن تكون نواة لجيش يحارب الإنجليز وأن يكون ذوو القمصان الخضراء طليعة هذا الجيش.

وعندما صدرت التعليمات للصحف المصرية على مختلف اتجاهاتها بأن تمتنع عن نشر ما يعكر المفاوضات الجارية، لم تلتزم صحافة مصر الفتاة بهذه التعليمات واعتبرتها مؤامرة لكم أفواه الصحافة واشتد أحمد حسين في مهاجمة الإنجليز.

وقد أثار هذا الهجوم قلق دار المندوب السامي البريطاني، وبتعليمات من المندوب السامي اتصل” مستر سمارت” بعلي ماهر وأكد له أن المندوب السامي البريطاني يتابع باهتمام نشاط أحمد حسين، وأنه على علم بتأييده لهذا النشاط وحمايته، وأنه يحمله مسئولية هذا النشاط الثوري المتزايد.

ولكن على ماهر أنكر علمه بهذا النشاط في ذلك الوقت وأنه سيبحث الموضوع . كذلك فإنه عندما أعلن أحمد حسين عن قيامه برحلة إلى الصعيد في 28 مايو 1936 والمفاوضات لا تزال جارية فقد اعتبرت السلطات الإنجليزية في مصر أن الهدف من هذه الرحلة هو العمل على نشر دعاية ثورية مضادة لبريطانيا بين الفلاحين، هذا فضلا عن أن هذه السلطات قد أعربت أيضا عن اهتمام السلطات الايطالية في مصر بهذه الرحلة مما أثار شكوكها ومخاوفها.

ولكن حقيقة الأوضاع التي سادت أثناء قيام الرحلة تنفى هذه الشكوك من جانب السلطات البريطانية ، فقد سبق أن ذكرنا أن أحمد حسين كان على اتصال بكين بويد الذي أزال مخاوف أحمد حسين من اعتداء الوفديين عليه، فلو أن بريطانيا كانت تخشى نتائج الرحلة لوضعت العراقيل في وجهها ولكن ذلك يبدو ناتجا عن الحساسية الشديدة الناتجة عن ميول مصر الفتاة نحو الايطاليين.

كان ذلك هو الجو السائد في العلاقات بين مصر الفتاة وبين ممثلي انجلترا في مصر ، وموقف كل منهما من الآخر في الفترة السابقة لعقد معاهدة سنة 1936 التي عجل الوضع الدولي في منطقة البحر المتوسط بعقدها.

ولقد قاد المعارضة للمعاهدة الحزب الوطني ومصر الفتاة وبعض المستقلين من أمثال محمد على علوبة وبهي الدين بركات، ولقد تكون منهم جميعا نوع من الائتلاف كما ترددت بعض الشائعات في نهاية عام 1936، تردد أن علوبة والحزب الوطني ومصر الفتاة سيؤلفون حزبا جديدا بعد أن يندمجوا معا، وعلى الرغم من أن هذا الاتحاد المزعوم لم يظهر إلى الوجود إلا أنهم تعاونوا معا وبنشاط جم في نقد المعاهدة.

وسارت مصر الفتاة في ركب المعارضة تندد بالمعاهدة وتصفها بأنها معاهدة “الخزي والاحتلال” فيوجه أحمد حسين نداء إلى ذوى القمصان الخضراء بأن عليهم تمزيق المعاهدة وتخليص البلاد من ربقتها.

وفى هذا الشأن كتب العقاد سلسلة مقالات نقد فيها المعاهدة في جريدتها فقال في أحدها:

“إن الوصول إلى معاهدة خير من هذه المعاهدة في الوقت الحاضر قد كان فى الإمكان لولا ما أنسه الإنجليز من جانب المفاوضين المصريين من الجهل بالأحوال الدولية”

وفى حقيقة الأمر فإن معاهدة 1936 وإن كانت قد حددت وضع مصر بإزاء انجلترا ، واستردت بموجبها جزءا كبيرا من حريتها الداخلية والخارجية فقد نصت على إنهاء الاحتلال، وكان أمل المفاوض المصري أن المعاهدة تكف يد الإنجليز عن التدخل في الشئون المصرية ولكن ذلك لم يحدث.

لم تتخل مصر الفتاة في التنديد بالمعاهدة، فعندما سافر أحمد حسين إلى أوربا عام 1938 سعى سعيا حثيثا للمطالبة بتعديل المعاهدة موضحا صعوبة تنفيذها وخاصة فيما يختص بالثكنات العسكرية والبعثة العسكرية والطرق الحربية.

وتتمة لموقف أحمد حسين من المعاهدة فقد تقدم بنداء إلى الحكومة والشعب البريطاني طالب فيه بعدم بناء الثكنات للجيش البريطاني في منطقة القناة من مال مصري، والحصول على تعديل في المعاهدة في مدة خمسة أعوام مع الاحتفاظ بالمحالفة بين البلدين.

وعندما استطاع محمد محمود تعديل المعاهدة فيما يختص بنفقات بناء الثكنات العسكرية هنأته مصر الفتاة على ما وصل إليه من نجاح، وإن كانت قد أعلنت أنها تطالب بتمزيق الكثير من قيودها. وقد ظل ذلك هو موقف مصر الفتاة من المعاهدة فطالبت بتعديل في موادها حتى يتاح للطرفين تعاون حر من كل القيود.

وفى عام 1937 تدخل العلاقات بين مصر الفتاة والإنجليز مرحلة جديدة، فتصرح مصر الفتاة بموقفها وتتشدد فيه، فعندما عيد القصر على ماهر رئيسا للديوان الملكي دون علم وزارة الوفد، اتصل النحاس ومكرم عبيد بدار السفارة البريطانية وطالبا بتدخلهما لمنع هذا التعيين أو إرجائه لفترة؛

وقد سعى مستر “كيلى” القائم بأعمال السفارة لهذا فاتصل بالسراي واتصل يعلى ماهر وقد اعتبر أحمد حسين هذا تدخلا من جانب الإنجليز في شئون مصر الداخلية واعتداء على إرادة الجالس على عرش البلاد؛

وأرجع كل هذا إلى المعاهدة المشئومة، وقد احتج على هذا التصرف من جانب “مستر كيلى” فأرسل إليه برقية نشرت في حينها “إن ما قمتم به من سعى في مسألة رئاسة الديوان هو اعتداء على استقلال مصر ومبادئها احتج عليه بكل شدة باسم شباب مصر بأسرها بل باسم المصريين كافة، وسوف ترون أن انجلترا تخسر كثيرا من جراء هذه التصرفات والمجد لمصر”.

وفى شهر مايو عام 1938 يوجه أحمد حسين خطابا إلى ” مايلز لامبسون” يطالبه فيه بمنحه تسهيلات لزيارة انجلترا كصحفي على نفقته الخاصة، على أن يتاح له لقاء رئيس وزراء ووزير خارجية انجلترا.

فيقابل السفير طلبه بشيء من عدم الاهتمام ويكتب لوزارة خارجية بلاده يسترشد برأيها في هذا الشأن ، فأفادت بأنه ليس لديها مانع من منحه التسهيلات كصحفي على أن يهمل طلبه فيما يختص بلقاء رئيس الوزراء ووزير الخارجية كما حدث ذلك من قبل عندما طلب لقاء وزير الخارجية أثناء زيارته السابقة للندن.

سافر أحمد حسين إلى أوربا في صيف عام 1938 مبتدئا بانجلترا ، وهناك وجه نشاطه للاتصال بدور الصحف حيث شرح في كتاباته لها الأعباء التي فرضتها المعاهدة على مصر فيما يختص ببناء الثكنات العسكرية.

وطالب بإنفاق المال المخصص لبنائها في تسليح الجيش وزيادة عدده ليحل محل الجيش البريطاني في الدفاع عن مصر عامة وعن قناة السويس خاصة.

هذا فضلا عن بعض اللقاءات التي عقدها مع بعض النواب البريطانيين ، فالتقى مع السير مردوخ مكدونالد النائب البريطاني، كما عقد اجتماعا لأفراد الجالية المصرية بلندن، وكان نشاطه يدور حول التخلي عن مسألة بناء الثكنات والدعوة لتقوية الجيش المصري.

ومن الواضح أن أحمد حسين أعجب بانجلترا وبشعبها من خلال تلك الزيارة، فجعله ذلك أقل عداء لها وتخلى بعض الشيء عن عدائه السافر.

وسجل إعجابه هذا حين كتب لسير مايلز لامبسون فأشاد بالتحالف القائم بين مصر وبريطانيا فهو “أمر طبيعي” وإن كان هذا الإعجاب لم يمنع أحمد حسين من مطالبة انجلترا بالجلاء عن مصر بعد أن يتيسر لها جيش قوى يستطيع الدفاع عن قناة السويس وعن سلامة المواصلات الإمبراطورية معلنا أن تلك هي رغبة الطرفين.

رد سمارت السكرتير الشرقي باسم السفارة على أحمد حسين مشيرا إلى وصول رسالته ويبدو أن أحمد حسين أتخذ من ذلك ذريعة لمواصلة الكتابة إلى السفارة مشيدا بمستر سمارت بوصفه أحد الشخصيات العظيمة ، آملا في أن تقوم بينهما علاقات صداقة وثيقة.

وكان أحمد حسين يدرك خطورة الموقف الدولي فأوضح في رسالته للسكرتير الشرقي رأيه في أن مصر لن تدخل الحرب إذا لم تهاجم، ونصح انجلترا بأن تعلن عزمها على الجلاء عن مصر ورد حقوقها في السودان غليها.

وبذلك حدد أحمد حسين موقفه من دخول مصر الحرب في المستقبل ووضع لذلك شروطا، منها أن تعلن انجلترا عزمها على تحقيق أماني المصريين بالجلاء عن بلادهم وإعادة السودان في حالة انتصارها، ولعل هذا الموقف المسبق من أحمد حسين سيكون هو موقفه عند اندلاع الحرب بالفعل.

ولكن انفراج الأزمة الأوربية وتسويتها مؤقتا جعل أحمد حسين ينسى موقفه من الإنجليز فيدعو في أواخر عام 1938 إلى إحداث الانقلاب في نظام الحكم في مصر باستخدام القوة فينشى مقالا بعنوان” لابد من انقلاب ، لابد من قوة” لابد من قوة لنخرج الإنجليز من مصر لنسترد ثروتنا وحقوقنا من الأجانب.

ولعل هذا الموقف المتغير لأحمد حسين يدل دلالة واضحة على ارتباكه وعدم استقراره على سياسة معينة، متأثرا بتطورات الموقف الداخلي في مصر، وموقف الحكومات المتعاقبة منه ومن جماعته.

وعندما يتأزم الموقف الدولي من جديد وينذر بقرب وقوع الحرب، أخذ أحمد حسين يدعو إلى الوحدة الوطنية في مواجهة الأخطار التي ربما تعرضت لها البلاد. كما دعت مصر الفتاة إلى الاستعداد لمواجهة تلك الأخطار، فطالبت بجعل التجنيد إجباريا ، وتقوية سلاح الطيران، وتحصين الحدود، وإنشاء مصانع للأسلحة والذخيرة، وإن على أبناء مصر أن يدافعوا عن بلادهم.

ولكن عندما اشتدت الأزمة وتأكد بأن الحرب وشيكة الوقوع، أكدت مصر الفتاة موقفها السابق، عبر مصطفى الوكيل عن ذلك من منطلق ديني بقوله ” إن موقف انجلترا وفرنسا بالنسبة لفلسطين وباقي الدول الإسلامية يجعلنا لا نقف إلى جوارهم في الحرب المقبلة”.

ولكن أحمد حسين يتراجع عن هذا الذي أعلنه من قبل، وقد تحول إلى المناداة بدخول الحرب إلى جانب انجلترا . وفى هذا الشأن كتب سلسلة مقالات برر خلالها أهمية دخول مصر الحرب إلى جانب انجلترا وكيف أن هذه الحرب هي الفرصة الوحيدة لمصر كي تحقق أمانيها ولأن النصر سيكون حليفها هي وانجلترا بقوله ” فإن ألماني وإيطاليا لا يمكن إلا أن ينهزما في نهاية الحرب لأن التاريخ يحتم هذه الهزيمة”

 

علاقة مصر الفتاة بالدول العربية

 

أما عن علاقة مصر الفتاة بسوريا فقد كانت علاقة غير مباشرة فهي علاقة موقف من الاستعمار الفرنسي هناك تندد به وبتصرفاته حيالها وقد كان ذلك انطلاقا من معاداتها للاستعمار في كل مكان من العالم وفي العالم العربي خاصة وقد سبق ن ذكرنا أنه كانت هناك اتصالات بين شباب مصر الفتاة والشباب السوري وقد تمثل ذلك في المراسلات بين نفر منهم وبين فتحي رضوان قبيل تأليف جمعية مص الفتاة وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال يفرض نفسه وهو هل قامت اتصالات بين مصر الفتاة كحركة تمثل الشباب المصري وبين الحركات المشابهة لها في سوريا ونخص بالذكر الحزب القومي السوري ؟

وللإجابة على هذا السؤال تقول أنه قامت محاولات للاتصالات تمثلت في بعض المراسلات بينهما ولكنها لم تتعد هذا المستوى أما إقامة اتصالات منظمة ودائمة فذلك ما لم يحدث ولكنه ربما كانت الاتصالات بهدف الوقوف على نشاط كل منهما .

أنبرت مصر الفتاة تشن حملة عنيفة ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا , تندد بتصرفاته حيال الوطنيين هناك وقد بلغت هذه الحملة قمتها بمقال كتبه أحمد حسين بعنوان ” سوريا تحركي وانهضي فقد حانت ساعة استقلالك وخلاصك” كما أرسل خطابات إلى رئيس الوزراء السوري وإلى الدكتور عبد الرحمن الشهبندر زعيم المعارضة يدعوهما إلى الثورة وتحريض الشعب ضد فرنسا .

كما نددت مصر الفتاة بتصرف فرنسا عندما تنازلت لتركيا عن “لواء الإسكندرونة” السوري وهاجمت تركيا لأنها كما تري عادت من جديد لبذل المحاولات لتوسيع نفوذها وقد احتج أحمد حسين على هذا العمل احتجاجا شديدا فأرسل برقية إلى المندوب السامي الفرنسي في بيروت نصها ” تلقينا باستنكار واشمئزاز عدوانكم المخيف على استقلال سوريا ودستورها؛

وليس ذلك إلا حلقة في سلسلة عدوانكم المتواصل على العرب والمسلمين وباسم الشباب المصري أعلنكم بمقتنا لكم وعزمنا على محاربتكم بكل ما نملك من وسائل فأبلغوا ذلك لحكومتكم الفرنسية والله أكبر ” وقد ظل هذا هو موقف مصر الفتاة مما يجري في وسوريا فهي تستنكره وتشتد في الهجوم على الاستعمار الفرنسي هناك من منطلق عربي وإسلامي أيضا كما تعرف أحمد حسين على بعض الزعماء السوريين مثل سعد الله الجابري وجميل مردم عندما كان لاجئين في الحجاز عام 1935 .

ومنذ وقت مبكر فقد نشأت لمصر الفتاة اتصالات بالحجاز فقد كانت حريصة على أن تكون لها صلات بملوك العرب والمسلمين في البلاد العربية فأرسل فتحي رضوان خطابا مفتوحا لهؤلاء الملوك في عام 1934 شرح لهم فيه حركة مصر الفتة وأهدافها وطلب إليهم إبداء رأيهم في كفاحها وتحقيقا لذلك الاتصال قرر أحمد حسين في عام 1935 تأدية فريضة لقاء الملك عبد العزيز آل سعود؛

وكان بصحبة بعض المصريين من أمثالا سيد خشبة “باشا” فاستأذن أحمد حسين جلالة الملك وألقي كلمة مدح فيها جلالته وأشاد بأعماله فقربه ذلك من الملك الذي أعطاه مبلغ خمسة وستين جنيها وخصص له سيارة يسافر بها إلى المدينة مع وعد منه بالمساعدة المالية من وقت لآخر بعد أن قدم له أحمد حسين بعض أعداد مجلة “الصرخة” لتأييد جلالته والإشادة بأعماله الجليلة كما ادعي أحمد حسين انه نشأت لجمعيته شعبة في “المدينة المنورة” ولكن ليس ذلك صحيحا فلم يرد ذكر لهذه الشعبة سوي في هذا التقرير .

استمرت الاتصالات قائمة بين أحمد حسين وبين الملك عبد العزيز فقد تردد أحمد حسين على الحجاز بغرض أداء فريضة الحج عدة مرات كان في كل منها يلقي خطبا ن أمجاد الإسلام كان يلقي عليها عطفا متزايدا من الملك عبد العزيز .

ففي عام 1940 سافر هو ووالده ووالدة زوجته وعبد الحميد المشهدي عضو مجلس إدارة الحزب لأداء الفريضة ونزلوا في ضيافة الملك عبد العزيز ويعرب أحمد حسين عن شكه لجلالته لما لاقوه من حسن الوفادة ومما غمرهم به من رعاية وعطف وكما توجه في العام التالي 1949 لأداء الفريضة وبصحبته إبراهيم شكري وعبد القادر بك مختار وهي الحجة الثالثة له وفي كل مرة كان أحمد حسين يلقي خطابا سياسيا أمام الملك ووفود الدول الإسلامية يدعو إلى ضرورة قيام الجامعة الإسلامية

حتى أنه كتب مقالا ذكر فيه:

” ما ذهبت مرة إلى الأراضي المقدسة وعدت منها إلا وتضاعف إيماني بعظمة الدين الإسلامي والقوة الكامنة في معتنقيه واقتراب الساعة التي يسترجعون فيها مجدهم وعزمهم ”

كان أحمد حسين يجد الفرصة سانحة أمامه كي يسمع صوته إلى رجالات العرب والمسلمين عندما يلتقي بهم في الحجاز ليردد أمامهم دعوته إلى تحقيق الجامعة الإسلامية ولعل ذلك راجعا لأنه لم يكن يستطيع أن يمارس نشاطه بحرية في مصر نظرا لظروف الحرب القائمة؛

هذا فضلا عما كان يلقاه من عناية وعطف من الملك عبد العزيز آل سعود وعلى هذا فقد استمرت علاقة أحمد حسين بالسعوديين علاقة طيبة طوال الفترة وربما حققت نجاحا كبيرا .

اهتمت مصر الفتاة منذ البداية بالعراق وعلى سبيل المثال فقد تقدمت بطلب لانضمام بعض أعضائها إلى الجيش العراقي كما سبق القول ولسنا ندري سببا لاختيار العراق بالذات وفي محاولة لتفسير ذلك فإنه يمكن القول أن الجيش العراقي في ذلك الوقت كما ذاع ذلك؛

يمثل القوة العربية الحقيقية وربما كان ذلك ناتجا عن دراسة لأوضاع العراق وأن بها حركات مشابهة لحرك مصر الفتاة تقوم على أساس شبه عسكري مثل حركة الكشافة العراقية ثم حاولت مصر الفتاة أن تقيم صلات بينهما فقد فكرت في عام 1935 في ايفاد عز الدين عبد القادر إلى العراق ليقيم تلك الاتصالات

وبما كان ذلك ناتج عن لقاء أحمد حسين ببعض شباب الكشافة العراقية عندما كان بالحجاز عام 1935 وفي نفس الوقت بكثير من الشعوب الإسلامية الأخرى وأقسموا على ” المصحف ” جميعا بأن يعملوا بإخلاص لمقاومة الاستعمار وتهيئة الرأي العام للثورة ضده في كل البلاد الشرقية وقد استطاع عز الدين عبد القادر أن يحصل على تأشيرة دخوله من القنصلية العراقية بالقاهرة وسافر عن طريق فلسطين ولكن يبدو أنه لم يواصل السفر وعاد إلى القاهرة .

ولم تعدم مصر الفتاة محاولة إقامة صلات وبين العراق فقد استطاعت أن يكون لها مراسلون لجريدتها من العراقيين يوافونها بالأخبار عن شئون العراق كما كان هناك من المصريين من قام بهذا العمل أيضا وفي أكتوبر 1940 سافر مصطفي الوكيل إلى العراق ليتولي منصبا للتدريس في دار المعلمين ببغداد كان ذلك في الظاهر ولكن أحمد حسين يقرر أنه أرسل فعلا من جانب الحزب ليقيم علاقات مع زعماء القوميين العرب في كل من العراق وسوريا وفلسطين

 

 

 

 

كانت علاقة فتحي رضوان بجماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأستاذ حسن البنا علاقة طيبة ومتعاونة لأبعد حد، حتى أن الأستاذ فتحي رضوان كان دائما ما يكون المحامي في قضايا الإخوان المسلمين مثل قضية السيارة الجيب حيث كان موكلا عن محمد فرغلي النخيلي و أسعد السيد أحمد وحمد متولي حجازي، و جمال الدين طه محمود الشافعي.

كما تولى الدفاع عن ورثة الإمام البنا في قضية إغتيال الإمام البنا، حتى أنه عندما اصدر النقراشي باشا قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين عام 1948م، قال فتحي رضوان:

“القرار ثورة على الدستور، وخروج بسلطة الأحكام العرفية، عن الغرض الذي أعدت له.

إن النقراشي باشا الحاكم العسكري في فترة الحرب مع الصهيونية، هو الذي يحل هيئة الإخوان المسلمين الذين حاربوا في فلسطين ضد الصهاينة كأشجع وأقوى ما يكون المحاربون.

وبعد هذا القرار فتح الأستاذ فتحي رضوان مكتبة للأستاذ البنا ليتردد عليه ويدير شئون جماعته منه، فكان الأستاذ البنا يتردد ما بين المكتب وجمعية الشبان المسلمين.

ولذا يقول الأستاذ عمر التلمساني:

وحتى “حزب مصر الفتاة” لم ننل منه بمثل ما نال منا، ونحن نكن لرجالاته من أمثال المرحوم أحمد حسين، والأستاذين إبراهيم شكري وفتحي رضوان وأمثالهما، لمودة والتقدير والاحترام.

 

طبيعة العلاقة بين جماعة الإخوان و حزب مصر الفتاة

 

طبيعة العلاقة من طرف جماعة الإخوان المسلمين

إن أبين شرح و أشمله لطبيعة هذه العلاقة و حقيقتها هو ما ذكره الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس بقوله :

” بهذه المناسبة لابد لي أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من جماعة مصر الفتاة , لقد تكونت هذه جماعة الإخوان منذ عشر سنين و تكونت جماعة مصر الفتاة منذ خمس سنين , فجمعية الإخوان تكبر جمعية مصر الفتاة بضعف عمرها تماما , و مع هذا أيضا شاع في كثير من الأوساط أن جماعة الإخوان من شعب مصر الفتاة , و سبب ذلك أن مصر الفتاة اعتمدت على الدعاية و الإعلان في الوقت الذي آثر فيه الإخوان العمل و الإنتاج , و ما علينا من ذلك كله فسواء أكان الإخوان هم الذين رسموا لمصر الفتاة طريق الجهاد و العمل للإسلام أم أن مصر الفتاة هي التي أظهرت الإخوان و أبرزتهم للناس , و هم قد ولدوا قبلها و سبقوها إلى الجهاد و الميدان بخمس سنوات أي بمثل عمرها , و ذلك أمر نظري لا يقيم له الإخوان وزنا , و لكن الذي أريد أن أنبه إليه في هذه الكلمة أن الإخوان المسلمين لم يكونوا يوما من الأيام في صفوف مصر الفتاة و لا عاملين لها , و لا أقصد بذلك أن أنال منها أو من القائمين بدعوتها و لكن أقول تقريرا للواقع , و أن جريدة مصر الفتاة هاجمت الإخوان و اتهمتهم تهما غير صحيحة و زعمت أنهم يعتدون عليها و يتهمونها و ذلك غير صحيح أيضا , و نحن معشر الإخوان لم نعقب على ما كتب أهمية , و لا نحب أن نؤاخذ بشيء منه …

في مصر الفتاة من لا يرى الإخوان إلا جماعة وعظية و ينكر عليهم كل ما سوى ذلك من منهاجهم , و في الإخوان من يعتقد أن مصر الفتاة لم ينضج في نفوس كثيرا من أعضائها بعد المعنى الإسلامي الصحيح نضجا يؤهلهم للمناداة بالدعوة الإسلامية خالصة سليمة , فلنترك للزمن أداء مهمته و إصدار حكمه و هو خير كفيل بالصقل و التمييز .

بقي أمر أخير ذلك هو موقف الإخوان من مصر الفتاة في قضية تحطيم الحانات , و معلوم أنه ما من غيور في مصر يتمنى أن يرى فوق أرضها حانة واحدة , و قد ألقى الإخوان تبعة هذا التحطيم على الحكومة قبل الذين فعلوه , لأنها هي التي أحرجت شعبها المسلم هذا الإحراج و لم تفطن إلى ذلك التغيير النفساني , و الاتجاه الجديد القوي الذي طرأ عليه من تقديس الإسلام و الاعتزاز بتعاليمه , و قديما قيل : (قبل أن تأمر الباكي بالكف عن البكاء , تأمر الضارب أن يرفع العصا) , و نحن نعتقد أن هذا التحدي لم يحن وقته بعد , و لابد من تخير الظروف المناسبة أو استخدام منتهى الحكمة فيه , و إنفاذه بصور أخف ضررا و أبلغ في الدلالة على المقصد , كلفت نظر الحكومة إلى واجبها الإسلامي , و بالرغم من أن المقبوض عليهم لم يعترفوا , فقد وجه الإخوان إلى معالي وزير العدل , يلفتون نظر معاليه فيه إلى وجوب النظر في هذه القضية نظرة خاصة تتناسب مع الدافع الشريف فيها , و أن يسرع بإصدار تشريع يحمي البلاد من هذه المهالك الخلقية .” .

ومن هنا نقول إن: طبيعة العلاقة من طرف جماعة الإخوان المسلمين:

كان هناك الكثير جدا من الأمور التي أنكروها على حزب مصر الفتاة منها:

1- المسمى المقتبس من الخارج ، فضلا عما يوحي إليه من إقليمية و قومية وما شابه ذلك من أمور نهى عنها الإسلام فالجميع تحت راية الإسلام سواسية لا يتمايزون إلا بالتقوى .

وفي هذا المعنى يقول الأستاذ عبد الحليم خفاجي:

” أما عن حزب مصر الفتاة .. فإن أول ما ينفرنا منه اسمه الذي يشعرنا بالتخنث والإقليمية ، اسم تنفر منه فطرتنا. ، شعاراتهم كثيرة ، وحماسهم كبير وعملهم قليل .. وقد تبخروا علي ضفاف القنال ، بعد الطلقات الأولي من بدء المعركة ، وتبخروا من ميدان العمل ليكونوا فرسان الكلام .

فهذه جريدة الإشتراكية – لسان حال حزب مصر الفتاة – تفتح صدرها لسلسلة مقالات نارية بقلم سيد قطب عن فساد الأوضاع وضرورة التغيير .. وفي مرة خصصت صفحتين كاملتين لصور المتسولين ، والعجزة ، وأصحاب العاهات ، وتحتها عبارة رعاياك يا مولاي ، إظهاراً للتناقض الفاضح بين طبقات الأمة ، وختمت عمرها القصير بالدعوة السافرة إلي الثورة وصدَّرت بها صفحاتها ..”.

 

ويقول الأستاذ محمود عبد الحليم :

” وظهرت في ذلك الوقت جمعية مصر الفتاة التى أنشأها الأستاذ أحمد حسين المحامى ، وكانت تصلنا فى المدرسة مجلتها ((الصرخة)) تفيض بالحماسة الدفاقة ؛ وكنت أميل إليها باعتبارها فكرة ناهضة إلا أنني لم أتخذها لي مبدأ وفكرة لأن نفسي كانت تشمئز من الانتماء إلى التراب ، واتخاذ مصر إلها نقدم له القرابين ؛ إذ كان مبدأها ((مصر فوق الجميع)) وهو ادعاء على غير أساس وتميز عنصري يستطيع كل جنس ادعاءه وما أنزل الله به من سلطان”.

2-      شعارهم ( مصر فوق الجميع) وكان هتافهم (الله أكبر ، و المجد لمصر) ، والذي يتنافى في جملته الثانية مع مبادئ الدين الإسلامي ، حيث أن المجد للإسلام دوما ..في حين أن هتاف الإخوان كان (الله أكبر ، و لله الحمد) و الذي يتوافق جملة و تفصيلا مع الإسلام .

العجلة في بعض الأمور دون النظر إلى عواقبها وذلك بهدف كسب أعداد كبيرة من الشباب مثل ما كان منهم من أمر تحطيم الحانات . وقد كان للإمام البنا وجهة نظر حكيمة حيث كان يرى أن الوقت لازال غير مناسباً لإزالة هذا المنكر بالقوة وتحدي الحكومة في ذلك، مع ما كان من فضيلته من تفهم تام لغيرة هؤلاء الشباب وحرصهم على تغيير المنكر . يقول الأستاذ مصطفى مشهور:

” وقد حدث فى الأربعينات من هذا القرن تحطيم لبعض الحانات على يد أفراد من حزب مصر الفتاة ولم يغير ذلك من الأمر شيئاً وربما كانت مثل هذه الأعمال الجزئية سبباً فى العمل على حماية هذه الأماكن من قبل النظام الحاكم وتعويضهم عما يخرب عندهم …

3-      معارضة الحزب الشديدة حين انضم اثنان منه لجماعة الإخوان و أعلنوها صراحة من ليس معنا فهو ضدنا ، برغم أنهم أنفسهم يقومون بدعوة أبناء الأحزاب الأخرى .. فلما انتهج منهجهم ذاته في هذا الأمر هاجوا و ماجوا وقامت ثائرتهم .

 

محاولة مصر الفتاة اغتيال الإمام حسن البنا رحمه الله

 

من الثابت تاريخيا محاولة أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة اغتيال الإمام البنا لكن دوافع ذلك تختلف عن دوافع الأحزاب الأخرى التي حاولت أيضا اغتيال البنا .

يقول الأستاذ جمعة أمين :

” وكان لمصر الفتاة نصيب في محاولات اغتيال الإمام الشهيد وإن كنا لا نرجح أنها تمت بإيعاز من قوى أجنبية إنما كان دافعها الغيرة والحسد ، فقد كانت هناك محاولتان تم رصدهما وقام الإخوان بإفشالها:

1 – كانت المحاولة الأولي في مدينة المحلة وكان تقوم فكرتها علي حرق السرادق المقام فيه الحفل ، عن طريق خلع الأعمدة التي يقوم عليها السرادق في توقيت معين ، فيتهدم السرادق وتشتعل فيه النار عن طريق قناديل الإنارة . وقد علم الإخوان بتلك المؤامرة واستعدوا لها ، وقام الإخوان بالإمساك بالمنفذين عندما شرعوا في التنفيذ .

2 – أما المحاولة الأخرى فكانت تقوم فكرتها علي وضع قنبلة زمنية تحت المنصة التي يخطب عليها الإمام الشهيد ، وكانت هذه المؤامرة بأمر من أحمد حسين نفسه ، واستطاع الإخوان الإمساك بهؤلاء النفر ومعهم المتفجرات . وقام الإمام البنا باستدعاء الأستاذ أحمد حسين وسلمه رجاله ومتفجراتهم ومن يومها توقفت محاولات مصر للفتاة .”

وعن هذا أيضا يقول الأستاذ أحمد عادل كمال:

” وفى بعض فترات الخلاف بين حزب مصر الفتاة والإخوان كان للإخوان مؤتمر كبير ومزدحم فى دراهم بالحلمية الجديدة فأرسل الحزب اثنين من أعضائه لتفجير عبوة وسط الجموع. وجاءنا العلم بهما فكنا فى انتظارهما وما أن جاءا وجلسا حتى قبض الإخوان عليهما وحبسوهما فى حجرة ببدروم الدار تحت الحراسة بعد تجريدهما من المفرقعات. وطال انتظار الأستاذ أحمد حسنين دون أن يسمع الانفجار, وبعد انتهاء المؤتمر اتصل به الأستاذ البنا تليفونيا وقال له ” لك عندنا أمانة, إن كان يهمك أن تستردها فلتحضر” وجاء أحمد حسين فسلمه الأستاذ البنا عضوى حزبه وأكياس المفرقعات, ولا أعلم مادار بينهما من حديث, ولكنه كان درسا جعل مصر الفتاة لا تعود لمثلها أبدا.

 

مصر الفتاة و الإخوان .. الدور الحقيقي في حرب فلسطين

 

يؤكد التاريخ أن الدور الحقيقي في الجهاد على أرض فلسطين المباركة كان للإخوان فيه نصيب الأسد .

يثبت هذه الحقيقة الأستاذ عباس السيسي بقوله :

” إن جماعة الإخوان المسلمين قدموا آلافاً من المتطوعين الذين أعدهم النظام الخاص إلى المعركة على أرض فلسطين بكامل أسلحتهم، بشهادة سعادة اللواء أحمد المواوي بك إذ قال : إنهم يمثلون أكثرية المتطوعين البالغ عددهم عشرة آلاف فى الجبهة الجنوبية، وهذا يعنى أن متطوعى الإخوان فى الجبهة الجنوبية وحدها زاد على خمسة آلاف يقيناً لا ظناً، أما الصاغ محمود لبيب بك فقد قال فى شهادته: إن متطوعى الإخوان المسلمين كانوا يمثلون 90% من مجموع المتطوعين أى أنه بلغ فى الجبهة الجنوبية وحدها 9000 متطوع، وأن مجموع المتطوعين من باقى الهيئات كان ألف متطوع.”

ويأتي السؤال: برغم وجود متطوعين من جهات وأحزاب متعددة .. لكن ظل الإخوان أهل الريادة في ميدان الجهاد على أرض فلسطين و الاهتمام بالقضية الفلسطينية .. ترى ماهو السبب في ذلك ؟!

إن مبادئ كل جهة هي التي تجيب على هذا السؤال ببيان .

فمثلا: حزب مصر الفتاة – وهو الذي يعنينا هنا – .. برغم أنه قد رفع شعار الكفاح المسلح ضد اليهود على أرض فلسطين إذ قام بإرسال متطوع واحد فقط للجهاد هناك ، إلا إنه و استنادا إلى مبادئه التي تتضح فيها القومية بشكل سافر حدد نقاط الاهتمام بهذه القضية وهي كما ذكرتها الأستاذة عواطف عبد الرحمن في كتابها مصر و فلسطين حيث تقول :

ومن أبرز سمات اهتمام مصر الفتاة بالقضية الفلسطينية في تلك المرحلة ما يلي:

1- الدعوة الدائمة للأغنياء إلى التبرع بالأموال والأسلحة والتطوع في صفوف المجاهدين .

2- كان أحمد حسين رئيس تحرير صحيفة مصر الفتاة أكثر كتاب الصحيفة اهتماما بالقضية الفلسطينية رغم أن كتاباته كانت تتميز بالأسلوب الإنشائي و البلاغي . وقد دأب على توجيه النقد اللاذع للحكومات العربية التي لم تقدم للقضية الفلسطينية سوى الضجيج الفارغ دون أن تتحرك بجدية لإنقاذ شعب فلسطين . ويحاول أحمد حسين أن يضرب المثل بنفسه فيقرر الذهاب لتأدية واجبه كجندي في جيش إنقاذ فلسطين .

3- دأبت مصر الفتاة على توجيه هجوم متصل إلى الجامعة العربية وتحميلها مسؤولية تطورات المأساة الفلسطينية في الأربعينات خصوصا أن الشعب الفلسطيني قد اعتمد على القوة العربية سواء الممثلة في الجامعة العربية أو الحكومات ولكنه لم يلق إلا الخذلان. …

وتطرح مصر الفتاة في مقابل هذا العجز الذي تبديه الحكومات والجامعة العربية مسئولية الشعوب العربية (فان العبء الأكبر من هذا الواجب سيصبح واقعا على كاهل الشعوب العربية وأحزابها ومنظماتها) ولذلك كانت مصر الفتاة توجه نداءاتها دائما إلى الشعوب العربية.

4- أبدت مصر الفتاة حماسا ملحوظا لكتائب المتطوعين من الدول العربية. واعتبرت ذلك بادرة إيجابية لحل المشكلة الفلسطينية. وقد عززت ذلك بكتابات أحمد حسين الذي طالب بضرورة تدخل الجيوش النظامية إلى جانب المتطوعين وخصوصا بعد سقوط حيفا في أيدي اليهود. ”

 

المراجع والمصادر

 

  1. طارق البشري : الحركة السياسية في مصر (1945-1952)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972م.
  2. عبد العزيز الدسوقي : فتحي رضوان .. مدخل إلى عالمة الأدبي ،القاهرة، احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بمرور عشر سنوات على وفاة فتحى رضوان ، 15/5/1999م.
  3. عبد العظيم رمضان : تصور الحركة الوطنية في مصر، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1998م.
  4. غالي شكري : المثقفون والسلطة ، الطبعة الأولى، القاهرة ، دار أخبار اليوم ،1990م
  5. فؤاد دوارة : عشرة أدباء يتحدثون ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1996م.
  6. لطفي عثمان : المحاكم الكبرى في قضية الإغتيالات السياسية ، القاهرة ،دار النيل للطباعة، 1948
  7. محمد الجوادي : التشكيلات الوزارية في عهد الثورة،القاهرة، الهيئة العامة للاستعلامات ، وزارة الإعلام، 1986م.
  8. محمد عبد الرحمن برج : عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ، 1980م.
  9. موسوعة المجاهد الوطني الأستاذ فتحي رضوان شيخ المعارضة في مصر،10 مجلدات ، مركز الأهرام للتنظيم وتكنولوجيا المعلومات، 2004م.
  10. د. على الدين هلال – تطور النظام السياسي فى مصر (1805- 2005) – 2006
  11. د. أحمد التهامى عبدالحى – الأجيال فى السياسة المصرية (دراسة حالة لجيل السبعينيات) – مكتبة الأسرة – 2009

 

  1. علي شلبي : مصر الفتاة ودورها في المجتمع المصري 1933-1941 رسالة ماجستير (منشورة)، جامعة عين شمس، كلية آداب ،قسم التاريخ ، 1975م.
  2. نادية بدر الدين أبو غازي: قضية الحرية فى المسرح المصري المعاصر 1952 – 1967 ، رسالة ماجستير فى العلوم السياسية (منشورة) ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 1984م .
  3. طارق البشري : شخصيات تاريخية ، مطبعة دار الشروق 2010
  4. “مقالات هزت عروش الطغيان” 60 عاما علي قيام “مصر الفتاة” – المركز العربي الإسلامي للدراسات (حزب العمل) – 1993 Kotobarabia.com
  5. كتاب : عمر التلمساني شاهداً على العصر
  6. كتاب: حقيقة التنظيم الخاص ،محمود الصباغ
  7. كتاب : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ، جمعة أمين
  8. كتاب : ذكريات لا مذكرات ،عمر التلمساني
  9. كتاب : حكايات عن الإخوان ، عباس السيسى
  10. كتاب : رسائل الإمام الشهيد حسن البنا دار التوزيع والنشر الإسلامية.
  11. مقال : تاريخ سيئ السمعة لقانون الطوارئ ،إخوان أون لاين
  12. د . محمد الجوادي – البنيان الوزاري فى مصر (1878 – 1996) – دار الشروق – 1996
  13. زكريا سليمان بيومي : الحزب الوطني الجديد (1944–1953) (دراسة فى أوراق وصحف الحزب) الطبعة الأولى، القاهرة، دار الكتاب الجامعى، 1988م.
  14. عبد العزيز الدسوقي : فتحي رضوان .. مدخل إلى عالمة الأدبي ،القاهرة، احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بمرور عشر سنوات على وفاة فتحى رضوان ، 15/5/1999م
  15. غالي شكري: المثقفون والسلطة ، الطبعة الأولى، القاهرة ، دار أخبار اليوم ،1990م
  16. فؤاد دوارة : عشرة أدباء يتحدثون ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1996م.
  17. لطفي عثمان : المحاكم الكبرى في قضية الإغتيالات السياسية ، القاهرة ،دار النيل للطباعة، 1948
  18. محمد الجوادي : التشكيلات الوزارية في عهد الثورة،القاهرة، الهيئة العامة للاستعلامات ، وزارة الإعلام، 1986م.
  19. العيب في ذات أفندينا : دراسة تاريخية موثقة من 1866 حتي الأن – دار الشروق 2009 م
  20. عادل حسين في عيون من عرفوة – الفارس مر من هنا – Kotobarabia.com
  21. د . محمد الجوادي – وشائج الفكر والسلطة – دراسة في الإنسان والسياسة – مكتبة الشروق الدولية – 2014
  22. محمد عبد الرحمن برج : عزيز المصري والحركة الوطنية المصرية، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ، 1980م
  23. موسوعة المجاهد الوطني الأستاذ فتحي رضوان شيخ المعارضة في مصر،10 مجلدات ، مركز الأهرام للتنظيم وتكنولوجيا المعلومات، 2004م.
  24. نادية بدر الدين أبو غازي : قضية الحرية فى المسرح المصري المعاصر 1952 – 1967 ، رسالة ماجستير فى العلوم السياسية (منشورة) ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 1984م .
  25. وثائق دار القضاء العالي المحفوظة بالمتحف القضائي ومنها قضية الاعتداء على النحاس باشا من جانب عز الدين عبد القادر عضو مجلس جهاد مصر الفتاة في 28 نوفمبر 1937.
  26. تقارير الأمن العام عن جمعية وحزب مصر الفتاة في الفترة من 1933-1942 ، وكذلك بعض التقارير السياسية إلى جانب تقارير البوليس المخصوص بالسرايات الملكية في الفترة من 1933-1941.
  27. مجموعة وثائق عن الانقلابات الدستورية في مصر في الفترة من 1924-1935.
  28. زكريا سليمان بيومي : الحزب الوطني الجديد (1944–1953) (دراسة فى أوراق وصحف الحزب) الطبعة الأولى، القاهرة، دار الكتاب الجامعى، 1988م.

 

———————————————————————————–

————————————————————————————————

 

تمت القراءة 10مرة

عن جريدة اللواء الدولية

جريدة اللواء الدولية
يومية - سياسية - مستقلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إعلان
إلى الأعلى
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE